مفهوم المذبح في الكنيسة الجامعة ولدى بعض المُنظّرين

مقدمة

تعود فكرة وضع أو نصب المذبح الى زمن الرب يسوع المسيح في ليلة العشاء الأخير عندما ذهب مع تلاميذه الى بيت احد اليهود وهناك تناول عشاء الفصح.

بعد القيامة وتنفيذاً لوصية الرب بدأ التلاميذ (الرسل) في إقامة الافخارستيا والأحتفال بها مع الشعب المؤمن الذي بدأ يزداد يوماً بعد آخر. كان التلاميذ يستخدمون المنضدة الخشبية أو الحجرية أو على ارضية الغرفة التي يُقيمون الذبيحة فيها. تدريجياً بدأت تتطور الصناعة ومنها تطور المذبح على الشكل الذي نُشاهده في الوقت الحاضر.

من التاريخ

من الأفضل ان تحتوي الكنيسة على مذبح، ولا يجوز أقامة القداس بدونه. هذا ما يؤكّده المؤرخون. هناك حالات إستثنائية خاصة حدثت في بداية انتشار المسيحية عندما كانت الكنيسة مضطهدة وبعض الرسل والآباء في السجون. الموسوعة الكاثوليكية تعطينا مثالين، الأول عندما كان القديس لوسيان في السجن سنة 312 ميلادية، احتفل بأقامة القداس جاعلاً من صدرهِ مذبحاً! والثاني هو القديس تيودور اسقف صور الذي جعل من أيادي الشمامسة الذين كانوا معه في السجن كرمز المنضدة وكمذبح! وقد اشار على هذا الحدث القديس سكستوس الثاني بحدود سنة 259 ميلادية في الأرشيف المحفوظ في اوكسفورد طبقاً الى رادولف، وهو أول من وضع القوانين الخاصة بأعداد المذبح وسماه "منضدة الرب" إشارة الى العشاء الأخير والصليب.

بعد أن زالت الأضطهادات عن الكنيسة، اصبح من الضروري وضع قوانين خاصة للخدمة فيها. في خصوصيات المذبح، كانت هناك افكار عديدة عن شكلهِ وترتيب الأدوات التي توضع عليه كالشموع والصلبان والكأس والصينية الصغيرة والقربان او الخبز والكفيّة وغير ذلك.

المواد التي يُصنع منها المذبح

لا توجد وثائق رسمية يُمكن الأعتماد عليها فيما يخص المواد المستخدمة لصنع المذبح. المُتعارف عليه هو أن المذبح قد صُنِع من الخشب، وهو مثل مائدة الطعام الخشبية التي استخدما الرب يسوع وقت العشاء الأخير. يُقال بأن هناك اجزاء من المائدة الخشبية التي استخدمها القديس مار بطرس الرسول محفوظة في احدى الكنائس في روما.

بعد انتصار الرومان والعثور على الصليب من قبل القديسة هيلانة، أمرت هذه القديسة بانشاء مذابح من المرمر مُزيّنة بالأحجار الكريمة وفوقها صليب. بعد ذلك تم في عدة كنائس في روما تزيين المذبح بسلاسل من الفضة والزخرفات والمزهريات وانواع اخرى من المجوهرات. احد القديسين كان رأيه باستخدام المرمر او الحجر فقط لصنع المذبح، وكان السبب الذي طرحه بأن الخشب تأكله حشرة الأرضة بمرور الزمن، وكذلك الحديد يتآكل من الصدى والأفضل استخدام الحجر. وهكذا بدأت عندنا نحن في الشرق طرق مختلفة لبناء المذبح بحيث يكون ملتصقاً في جدار الكنيسة مواجهاً الى القبلة أو الشرق أو مُنفصلاً عن الجدار بمسافة معيّنة، ولكن يجب ان يكون المذبح على شكل قبر لكي يستطيع الكاهن تبخيره من جميع الجهات اثناء القداس.

حالياً، وفي اغلب كنائس العالم تُستخدم المنضدة في الكنيسة ليكون الكاهن بمواجهة الشعب، ولكي يوضّح الفقرات التي يقوم بها اثناء التهيأة والتحضير لنيل القربان.

هل في الكنيسة اكثر من مذبح؟

في القرون الأولى لأنتشار المسيحية، كان الأسقف فقط يقوم بالتقديس ويُساعده الكهنة من حواليه، ولكن بعد زيادة الجماهير والعدد الكبير للداخلين الى الكنائس تطورت الأمور وأصبح في كل كنيسة عددٌ من المذابح، وهناك رقم بانها وصلت الى ثلاثة عشر مذبحاً في كنيسة واحدة، عندنا في العراق اعتقد بأن الرقم هو ثلاثة مذابح فقط.

واخيراً مهما كان المذبح والمواد المصنوع منها، فإن الهدف الأساسي منه اصبح واضحاً ولا يقبل التشكيك وهو الأقتداء بالرب المُخلّص الذي وضع حجر الأساس له. القداس هو مثل الأحتفال الجماهيري يكون احيانا في الهواء الطلق وأحياناً اخرى في المنازل الخاصة والأقبية وسراديب الموتى، فكيف يكون المذبح ملاصقاً للكنيسة كما يدّعي البعض؟

الوحي عند البعض والأفتخار بالزمن لخلق اسمٍ يذكر مآثرهم

المسيحية لا تؤمن بالناسخ والمنسوخ، الديانة المسيحية حية وليست جامدة. تتطور وتتأقلم وتتفاعل مع المجتمع ومستحدثاتهِ. هناك أشخاص يتشبّثون بالقشور والخزعبلات التي يضحك منها الزمن والتاريخ. البعض انتقلوا الى رحمة الله واندثروا نهائياً، وكأنهم لم يولدوا ولم يكونوا، أما البعض الآخر فقد خلقوا لأنفسِهم إسماً خالداً تذكره الشعوب الى نهاية الدهر واصبحوا فخراً لنا وللعالم وللزمان. هكذا كان اجدادنا العظام معلّمو كنيستنا المشرقية، لا يُمكن أن ننسى اعمالهم الصالحة في نشر الأنجيل بين الشعوب، كانوا مُطيعين ويخدمون بصمت وعلى العهد الذي أقسموا عليه باقين ولا يتزعزون ولا يشكّكون في قيادتهم الدينية.

اتمنى ان يدرس المُنظّرون المعترضون على شكل المذبح ومائدته التاريخ الكنسي وتطور الأحداث قبل اطلاق التهم جزافاً من أجل غايات اصبحت مكشوفة للنيل من قيادة الكنيسة وآمالها في التجدد. الذي يرغب في التمسّك بالقديم وكأنه مُنزّل أو مُقدّس ليبقى على افكاره الجامدة، ولا يستطيع مهما فعل أن يُغيّر التاريخ ويبنيه من جديد وفق أهوائه وشهواته. لينظر كل مُنظّر الى الكنائس الكاثوليكة الحديثة في منطقته ويُقارن ليرى موقع هذا المذبح في الكنيسة، هل هو مبني في جدار بصدر الكنيسة أم قريباً الى وسطها، كي يستطيع المؤمنون ان يكونوا قريبين جدا من المذبح؟ فهل سيتجاهل الحقائق من اجل الأستمرار في مُصيبتهِ؟ لماذا قررت الكنيسة الكاثوليكية تحويل المذبح؟ هل هي إرادة عبثية أم لأجل فائدة المؤمنين حتى يكونوا قريبين جدا من المذبح مثل ما كان التلاميذ قريبين جدا من الرب في العشاء الأخير لا يفصلهم عن الرب لا جدارٌ ولا ستارٌ ولا أي عائق آخر. وأنا أرى ان الستار الذي يوضع في وجه المؤمنين كي لا يروا ما يحدث في المذبح يُعطيه صفة سحرية غير روحية على الأطلاق.

وفي الختام أنشر  صور المذبح في عدة كنائس كلدانية معاصرة مع الأباء تثبت ان إدارة الكنيسة الكلدانية في أميركا وغيرها تقدم الذبيحة الالهية على مذابح من نمط المذابح التي يستخدمها غبطة البطريرك. وعليه فان الأعتراض هو من قبيل العبث والهراء ومناقضة الذات.

.

مسعود النوفلي

المصدر الذي اعتمدت عليه في الأعداد:

http://oce.catholic.com/index.php?title=Altar_(in_Liturgy)

  كتب بتأريخ :  الأحد 13-09-2015     عدد القراء :  1888       عدد التعليقات : 0