صغير وسط صمت المسنين

انسابت المفردات وسط ذهول مرتلها، فبين تجاعيد التعجب، وانحناء الاستغراب، تشكلت صورة المداعب لأغصان الجنون، وهو يخط بأحزانه صورا، وبأشجانه مقامات الانين، وبمخيلته يراجع الماضي، ليمزجه مع ما ذاب من مقلتيه، رغم استلقاءه، على حشائش الانتظار، والتي هي اشواك تنعمها ذكر الراحلين.

حين تصف المسنين، فأنك تعرج على كهولتهم، وكيف التحجر راح يبدع فنونه، في بطون راحتيهم، فتطابقت الارض بعد نأي الماء عنها، مع ما وقفت عليه من مشارف قبضتهم، وكم هي جميلة، تلك الخطوط التي تطرز جبهتهم، فعرفت بإن عنفوان الشباب، لابد له من مغيب، واستثمر العمر بالمضي نحو المشيب، واتقن الدروس، والعبر، والاصول، فلو سألت عنه الدهر لوجدته عنه يجيب.

اجمل اللوحات، هي تلك التي حملت جميع المعاني والصفات، حين رأيت كل شيء راجت به الايام، قد حمله ذلك الكهل الافندي،

وآخر راح يطبق عليها عقاله، ومع انسدال "خاجيته" قد اسدل الدهر اوزانه، وراح بعفويته، وابتسامته، كأنه رحيق الياسمين، الذي تشكل على جنحان النوارس، والتي ارتشفت مياهها من دجلة الخير، وفرات المحبة، فكانت تهون بجمالها، وعبيرها كل ما تمر عليه، كذلك هو.

ينحني "الكمكم" رغم جثالته، الى مجالس الفنجان، لاشتراكه بحجمه، مع الورود، وصبر المسنين، وملمس الياسمين، ورونق القرنفل، ويتمايل كالحشائش، مع نسمات الهواء، التي تعاصر القصب والبردي، وهدوء البساتين، وترانيم الطيور، ومهابة "المضايف" التي تعانق اهوار جنوب العراق، رأيت كل نظرة من ذلك المشيب، هي لغز يحكي الاساطير، ويعقب على الواقع المرير، ثم بحكمته، وروعته، وفصاحته وبلاغته، نلج الى حلول، تسعد الوجدان، وتنعش الضمير.

ذلك الكهل الاول "الافندي"، وجدت سجائره تكاد تندثر، بين تجاعيد اصابعه، ودخانه الذي ينفثه، هو مغزل يغزل الهموم، ليخرجها الى مقبرة الصمت، ولكنه رغم ذلك تجده ذلك الذي يقول بمحياه،

مهما تكاثرت ضرباتها،

فأني بها لن اتضعضعُ،

اذ يقابل عابريه، بابتسامة تشق الدجى، وتمسح الالم، وتنثر الامل، وتبدد اليأس، فراح الفضول يقتل البعض، للتساؤل عن صفحات كتابه، وما حوته تجارب عمره، وكم جمعت اصالته، فبهت المتلقي حين سماعها!.

كم عمرك؟، يا عمنا، فتنفس الصعداء، وقال بألم وشجن، وعيونه ترقرق، مع ابتسامته، في ريعان الشباب، ولكن الكهولة انشبت اضفارها، واذا كان البوح في افق المعاني، يريحكم، فأني

(اتفكر العشرين لن كلهه حسرات،

وحتى عل رمش العين طلعلي شيبات)،

وقبل اللتيا والتي، فأن داء الفراق اصابني، وعضال الحب ارهقني، والان مع السيجارة، احرقها وتحرقني.

  كتب بتأريخ :  الأحد 13-12-2015     عدد القراء :  1217       عدد التعليقات : 0