ماذا وراء (بسطال) العبيدي؟!

لم تعد العجائب الكونية محصورة بتلك العجائب السبع الشهيرة، إنما بات العالم اليوم يرى عجائب أكثر دهشة وسريالية من الاهرامات، وتاج محل. ولعل عراق المحاصصة اليوم هو الأبرز من بين بلدان العالم (إنتاجاً) لهذه العجائب الجديدة، وذلك بفضل (العقول العظيمة) التي تقود (ستيرن) الدولة، وتهيمن على القرار السياسي- بشقيه الحكومي، والنيابي – فتقدم لنا، ولعموم البشرية كل يوم (إنجازات اسطورية، وتكوينات وإبداعات واشراقات فذة)!! فالحكومات، ومجالس النواب، وعموم سلطات المحاصصة العراقية، التي جاءت بعد سقوط نظام صدام، تساوت في إدهاش العالم بمنجزاتها الخارقة. لا سيما الحكومة الحالية التي تغلبت على سابقاتها بفقرة فريدة لا يمكن لأحد أن يمَّر عليها دون أن يتوقف عندها طويلاً. وأقصد بها، وقوف بعض أفراد طاقم الحكومة ضد مصالح بلادهم علناً، ودون حياء، أو حرج!! وهذا الحال ينطبق على الكثير من النواب، والشخصيات السياسية العراقية الأخرى، وليس على وزراء الحكومة فحسب، والأمثلة على ذلك لا تحصى. لقد تذكرت هذه الفقرة (المشرِّفة) في سجل بعض وزراء حكومة العبادي، وأنا أقرأ أمس خبراً نشره بفرح وسعادة غامرة، أحد المواقع البعثية الطائفية الذي يتشفى فيه بشكل صلف، وسافر، بنقل (وزير الصناعة محمد صاحب الدراجي الى أحد مستشفيات بغداد، أثر تعرضه لنوبة قلبية حادة، جاءت بعد فضيحة البساطيل الصينية، والموقف الشجاع لوزير الدفاع خالد العبيدي)!! وأنا هنا لا أريد أن أسأل عن (الموقف الشجاع) لوزير الدفاع، لأني أعرف أن وزير دفاعنا آخر من يستحق هذا التوصيف، ولي مبرراتي في ذلك حتماً لكني أعرف في ذات الوقت أيضاً أن ذلك الموقع (البعثي الطائفي) يسعى لإثارة (الآخر)، واستفزازه بقضية كيدية، هو يعرف قبل غيره زيفها وعدم صحتها، فيجهد من أجل تلميع وجه وزير الدفاع لأسباب طائفية بحتة. وإلاَّ كيف يجوز لهذا الموقع أن يمتدح وزيراً (عراقياً) كاذباً، رفع (بسطالاً) صينياً أمام الصحفيين، محاولاً في ذلك تسقيط المنتوج العراقي تسقيطاً تاماً، فيتهم وزارة الصناعة (العراقية) بتزوير ماركة هذا البسطال، وبيعه بوصفه من منتجاتها، بينما هو يعرف، أن العملية برمتها مفبركة وزائفة، بدءاً من الاتهام بعدم جودة المنتوج العراقي، وانتهاء برفع (البسطال) في تمثيلية هزلية، وهزيلة؟ إن الادعاء الكاذب، والتهمة المضحكة، التي حاول العبيدي الصاقها بوزارة الصناعة العراقية، وبمشروعها الوطني المسمى (صنع في العراق) أفشلها وزير الصناعة المهندس محمد صاحب الدراجي في الحال، حين طلب من رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي تشكيل لجنة تحقيقية عالية المستوى، لتحقق في هذا الادعاء الظالم، على أن تعلن النتائج على الرأي العام فوراً. ولو كانت وزارة الصناعة ارتكبت فعلاً مثل هذا العمل المشين – أي شراء (بساطيل) صينية، وبيعها لوزارة الدفاع بوصفها عراقية- لصمت الدراجي، وصمتت وزارته تماماً، فلا هو يطالب بتشكيل لجنة تحقيقية، ولا مفتشه يطالب بدعوة المسؤولين، والاختصاصيين وأصحاب الشأن، بزيارة الشركة العامة للصناعات الجلدية والاطلاع على منتوجاتها الوطنية، والحكم عليها. إن هذا الاتهام المعيب دفعني لمراجعة مواقف وزير الدفاع خالد العبيدي من مشروع (صنع في العراق)، ورفضه التعاون مع وزارة الصناعة منذ خطوتها الأولى في طريق إعادة الروح للإنتاج الوطني العراقي، ورفضه شراء العتاد المصنع عراقياً، وشراء الملابس العسكرية، والبساطيل. واعتراضه على المشروع الصناعي برمته في أحد اجتماعات مجلس الوزراء، واشتباكه مع الوزير الدراجي بمشادة كلامية حول الموضوع، ولولا الرد القوي الذي تلقاه من محمد الدراجي وقتها، لما سكت وتوقف!! ويبدو أن العبيدي لم يتوقف عند حد معين، فواصل مواقفه المعادية لمشروع الإنتاج الوطني، فرفض تسديد ما بذمة وزارة الدفاع من مبالغ مستحقة لوزارة الصناعة، كي لا تستفيد الصناعة الوطنية من هذه المبالغ في تطوير مشروعها. ولما وجد العبيدي أن رئيس الوزراء، وأغلب أعضاء الحكومة العراقية يساندون هذا المشروع الصناعي الوطني، اضطر مكرهاً الى تغيير أسلوبه العدائي، فكان هذه المرة (البسطال الصيني)!! ولعل الضربة التي لم يكن يتوقعها العبيدي بالمرة، هي موافقة العبادي في الحال على تشكيل اللجنة التحقيقية التي طالب بها وزير الصناعة، بزيارة مصانع الجلود لكشف الحقائق بشأن قضية (البساطيل )!! وهنا قد يسألني أحد الأخوة ويقول: لماذا تنتقد موقف وزير الدفاع العبيدي من المنتوج العراقي، ولا تنتقد موقف وزير الداخلية محمد الغبان، في حين أن كلا الوزيرين وقفا نفس الموقف من الصناعة العراقية. فالعبيدي تعرض (للبساطيل) العراقية، والغبان تعرض للدروع المنتجة محلياً؟ والجواب: أن الوزير العبيدي كذب واحتال قصداً على الحكومة، وعلى الجمهور العراقي، متهماً وزارة الصناعة ظلماً، وعمداً، فجلب (بسطالاً) صينياً مدعياً أن وزارة الصناعة ادعت إنتاجه، بينما الوزير الغبان أبدى رأياً فنياً في نوعية المنتوج المحلي (أي الدروع) لا غير، وهو أمرٌ قابل للنقاش، وقابل للتغيير من طرفه، فرأيه ليس دستوراً لا يناقش..!! ختاماً أقول أن اعتقاد الكثير من العراقيين بأن مواقف وزير الدفاع المتصلبة من قضية المنتوج الوطني تخفي أغراضاً مالية فقط أمرٌ ليس دقيقاً تماماً.. فقراءة واحدة لسجل العبيدي المهني، مذ أن أصبح وزيراً للدفاع حتى هذه اللحظة، تؤكد أن ليس المال وحده من يقف خلف هذه المواقف العدائية.. إنما …. !!

  كتب بتأريخ :  الخميس 31-12-2015     عدد القراء :  1588       عدد التعليقات : 0