الاستخبارات والمواطن

بدأ المواطن العراقي يتحسس تحسناً في اداء الاجهزة الاستخباراتية, سواءاً من خلال الضربات القاصمة لعناصر داعش الاجرامية قبل شنها لهجماتها على قطعاتنا المقاتلة او باعتقال شبكات ارهابية وعصابات الخطف والاغتيال في مدن البلاد الأخرى.

ان جوهر العمل الاستخباري هو اكتشاف التآمر الارهابي او الاجرامي المنظم ووأده في المهد, لكن ما يحصل عندنا هو ان الجهات المختصة تنجح احياناً في القاء القبض على الجناة بعد ارتكاب الجريمة وسقوط المئات من الضحايا بين قتلى وجرحى, وهذا بالطبع لايمكن اعتباره نصراً استخباراتياً.

اصحاب الشأن في العمل الاستخباري عزوا ذلك الى عدم الخبرة او استخدام اساليب استخبارية بالية وكذلك معدات غير ملائمة وقبل هذا وذاك ضعف تجاوب المواطنين مع الاجهزة الشُرطيّة والعسكرية. لكنهم لايتوقفون عند سبب عزوف المواطن عن التعاون مع هذه الاجهزة, رغم تأكيد خبراء مكافحة الارهاب والجريمة المنظمة الى الاهمية الكبيرة لعامل التعاون الشعبي في قلب موازين القوى ضد الارهابيين وكل الخارجين على القانون.

ان غياب التعاون الشعبي سببه عدم الثقة بهذه الاجهزة, فهي اما مخترقة من الارهابيين او عصابات الجريمة المنظمة, فلطالما تعرض مواطنون للتصفية على ايادي هؤلاء المجرمين بسبب تسريبات من نفس هذه الاجهزة عن المخبر او المشتكي. كما يلاحظ المواطن بألم, النفوذ المطلق لميليشيات حزبية تتخذ تسميات مقدسة, لها تشكيلاتها الاستخبارية الخاصة, تقوم بترويع المواطنين من خلال تجوالها المسلح في الاسواق واحياء المدن والاعتداء على كرامات المواطنين وحجب حرياتهم. وهي تشكيلات فوق القانون بل هي تستفيد من ممالأة الاجهزة المعنية المسؤولة, لأفعالها... والتي لها امتداداتها في الاجهزة الامنية والادارية والقضائية وتحضى بتغطية اعلامية متميزة من فضائيات تابعة لأحزابها وحماية مراجع دينية.

فلازالت احداث محافظة البصرة الاخيرة ماثلة للعيان واضطرار قوة عسكرية خاصة قادمة من بغداد للتصدي لميليشيات متنفذة فيها, قامت بعمليات اختطاف واغتيال مواطنين وسلب ممتلكات, والتي شكلت تحدياُ جدياُ للاجهزة الامنية وقواها الاستخباراتية لتتصرف بما تحتم عليها مسؤوليتها كحامية لأمن المواطن والسلم الأهلي.

ورغم حدوث, في سنين سابقة, حالات القاء قبض على بعض عناصرهم بعد تدخل محدود من الدولة, ألا انه لم يشهد المواطن يوماً  الاعلان عن اسمائهم او مرجعياتهم الحزبية الميليشياوية, بل جرى بالاحرى محو آثار الجريمة, ثم تسريبهم من مراكز الاحتجاز ليواصلوا نشاطاتهم الاجرامية واعتداءاتهم في مدن اخرى, وهو الذي لا نأمله هذه المرة.

لقد اعتور عملية اعادة بناء الاجهزة الامنية عموماً والاجهزة الاستخباراتية خصوصاً بعد 2003 الكثير من الاخطاء التي لم تكن بسبب عدم الخبرة وانما بتقصد من خلال تعيين اشخاص لايمتّون للعمل الاستخباري بصلة, على اساس التحاصص الحزبي والطائفي والقومي والعشائري, وهذا هو ما اشاع الفساد والشلل في هذه الاجهزة. كما ان قرار بريمر بحل القوات المسلحة العراقية أفقد هذه الاجهزة الكثير من الخبرات والمعلومات والخيوط والشبكات التي كانت تستطيع ان تأتي بأكلها ضد الارهاب والجريمة المنظمة لو تم احتوائها بشكل حكيم.

ان اعادة بناء هذه الاجهزة على اساس رصين, يكون بأنتقاء حرفي لافرادها وتصفية هذه الاجهزة من العناصر الحزبية والميليشياوية والفاسدة, مع سد الثغرات على الاختراق الارهابي لهذه الاجهزة.

وارتباطاً مع احداث البصرة, لابد في هذا المجال من تفعيل دور دوائر خاصة في القوات المسلحة تقوم بمتابعة حركة أية قوة مسلحة داخل البلاد وفقط بأوامر رسمية, كانت تسمى كما اعتقد, دائرة الحركات, وكذلك الامر بشأن دائرة الانضباط العسكري. وبعد ان تنتهي قدسية أية قوة مقاتلة, عندما يغادر افرادها خط جبهة القتال مع العدو داعش.

ان عملية بناء الثقة وكسب المواطن ستكون مؤاتية بعد ان تقف الجهات الامنية بصلابة مع الحق والقانون لا مع من هو اقوى, مع فرضها الحازم لهيبتها ببسط سلطة القانون على الجميع بدون استثناء وعدم تهاونها مع من ينتهكه, عندها يمكن الحديث عن عمل استخباري مؤثر.

ويبقى شرط نجاح العمل الاستخباري الأكيد ان يكون لأجل المواطن لا عليه وقطع علاقته بأساليب العهد البائد القمعية.

  كتب بتأريخ :  الإثنين 11-01-2016     عدد القراء :  1597       عدد التعليقات : 0