الاستقلال بالتراضي.. بعد حين!

الاستقلال في دولة، حلم يراود الكرد منذ أكثر من حوالي مئة عام، يوم اتفق الانكليز والفرنسيون على اقتسام تركة العجوز العثماني الذي يحاول أردوغان اليوم استنهاضه بحلّة جديدة دون أن يتغيّر منهجه الطائفي السابق. حينها توزع الكرد بين عدة دول رسمت حدودها معاهدة سايكس بيكو، وفقاً لمصالح أوروبية.

اليوم تغيّرت الظروف الدولية والاقليمية، وبات الكثيرون يتحدثون عن خريطة جديدة للمنطقة تلبي المصالح الحيوية للقوى المهيمنة وعلى رأسها الولايات المتحدة. لكن هذه الخريطة يجري رسمها بإطلاق العنان (في أحسن التعبيرات) للتوحش وإراقة الدماء وانتشار التطرف باسم الاسلام، بما يكفل تشويهه وتحويله الى موضوع صراع بين طوائفه لا أحد يعرف نهاية له.

في  ظل هذا التوحش والدم والتهجير والهزال تحاول قيادات كردية عراقية التقدم بمشروع الدولة المنشودة الى الامام، عبر فرض حدودها بمنطق الامر الواقع، أو «بالدم» كما قال زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي عدل عن ذلك بعد زيارته الى واشنطن وسماعه رأي الادراة الاميركية. ومن هناك قال ان رسم حدود الدولة يأتي بالتفاهم والتراضي.

وأنا أبحث في بعض المصادر الخاصة بتاريخ المنطقة وحيثيات رسم الحدود فيها، توقفت عند تفصيل يتعلق بكيفية ضم ولاية الموصل (التي تضم كردستان العراق الحالية)، الى العراق. كانت بريطانيا (العظمى آنذاك) أصرت على عدم ترك ولاية الموصل (بغالبيتها الكردية) لتركيا التي طالبت بها، بل ضمها الى العراق بعدما اعتبرت ذلك ضرورة كبيرة لمصالحها ووضعها في الشرق الاوسط.

هنري دوبس، الذي خلف السير بيرسي كوكس مندوباً ساميا لبريطانيا في العراق، كان شديد التأثير على سياسات بريطانياً بشأن العراق قال حينها : «إن تسليم أجزاء كبيرة من الاراضي الكردية الى تركيا كفيل بإغضاب الطبقة الحاكمة العربية في العراق، التي هي سنية.. لأن ذلك سيخل بميزان القوى في البرلمان لغير صالح السنة المعتدلين ويضع الشيعة المتزمتين في السلطة. الكرد في الاراضي التي ترغب بها تركيا (ولاية الموصل) سند رصين للنفوذ البريطاني في العراق».

هكذا جرى ضم الكرد الى العراق لسبب طائفي واضح، اقتضته مصالح بريطانيا لكن الحلم القومي ظل متفوقاً على الانتماء المذهبي لديهم. وهم يسعون اليوم الى تحقيقه ولو في العراق فقط، فيما بات حلم الدولة الكردية الواحدة في المنطقة بعيد المنال حاليا.

هل تسمح الظروف لكي يتحول إقليم كردستان العراق الى دولة مستقلة رسمياً؟.

بعيدا عن التلويحات والتهديدات الهادفة الى الضغط واستحصال المزيد من الامتيازات، فان التناقضات والظروف الداخلية في الاقليم وكذلك المواقف الاقليمية والكثير من المواقف الدولية لا تبدو مشجعة للاستقلال التام. النصيحة التي يتلقاها بعض قياديي الكرد هي ان يظلّوا على وضعهم الحالي مع تحسين ظروفهم عبر ترطيب الاجواء مع المركز ومحاولة التفاهم معه، لحين توفر ظروف ومقومات أكثر.

الاستقلال الذي نتحدث عنه هنا هو الاستقلال الناجز التام المعترف به دولياً، أما الاستقلال العملي فهو متحقق الى حد كبير.

  كتب بتأريخ :  الخميس 04-02-2016     عدد القراء :  1504       عدد التعليقات : 0