ذكرى 8 شباط الاسود 1963

تختزن ذاكرة الشعوب مناسبات اليمة في التأريخ.. و 8 شباط 1963 يوم من تلك الأيام المأساوية ألتي مرت على الشعب العراقي، حيث عانى الوطن من وقائع مريرة و كانت بداية المظالم و المآسي ألتي عاشها شعبنا منذ 53 عاماً و لا زالت مستمرة لحد اليوم، و لا نعلم ما ينتظره هذا الشعب في قادم ألأيام إلى أن يتم إزاحة هذا الكابوس الجاثم على صدر الوطن.

في صبيحة الجمعة من ذلك اليوم سمعنا من إذاعة بغداد صوت الغراب يعلن سقوط المباديء.. أي خبر يسمعنا إياه هذا المتحمس لإنقلاب ألأخلاق؟!!!

هرعنا إلى الشوارع لكي نضع حداً لهذا التخريب ألذي يحدثه هذا المعول ألذي سيهدم ما بنته ثورة 14 تموز بقيادة الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم و ما كنا نتوقع أن هذه المؤامرة سيكتب لها النجاح، مقتنعين بان هذه الحركة ليست سوى تمرد عسكري مصيرها الفشل  ، و لكن التأريخ خيّب آمالنا.

سارت الجموع الغاضبة متجهة من الباب الشرقي نحو وزارة الدفاع مركز قيادة الدولة و عبر شارع الرشيد و اثناء المسيرة مرّ موكب الزعيم عبد الكريم قاسم محيياً الجماهير و متجهاً إلى حيث مقره. و بعد قليل مرت أربع دبابات مخترقةً المسيرة الجماهيرية و حاملين صور الزعيم و متجهين نحو الباب المعظم. إعتقدنا إن هذا الرتل من الدبابات جاء لإنقاذ مباديء 14 تموز من الضياع و ستقوم بإسقاط المحاولة الإنقلابية، و لكن عند وصولها إلى مبنى الوزارة وجهت فوهات مدافعها نحو مقر الزعيم و لكن الجماهير الغاضبة لن تدع تفلت من يدها هذه الحثالات المختبئة داخل الدبابات و إقتربت دبابات اخرى مستعملةً نفس المكر حاملين صور الزعيم للتمويه و مصوبةً نيرانها بإتجاه مقر الوزارة أيضاً، و أثناء ذلك كانت طائرة إنكليزية تغير على مبنى الوزارة، و أحياناً تتوجه برشقات نيرانها نحو الجماهير المحتشدة امام المبنى. و فجأة سقطتُ أرضاً مضرجاً بدمائي من جراء إحدى الشظايا .. في الحال إتجه نحوي الفقيد جورج حنا حنو و حملني إلى المستشفى الجمهوري مروراً من خلال أطلال سياج وزارة الدفاع المحطم بفعل القصف و سار بي نحو الباب ألذي يقابل باب المستشفى و ألح على الطبيب المسؤول لمعالجتي و إنقاذي من النزف الدموي ألذي أنا عليه كما لم يغادرني لحين إطمأن علي.

و خلال ذلك اُعلِنَ أمر منع التجوال ، إذاً كيف سيصل جورج إلى اهله و ملابسه ملطخة بدمائي و كيف سيواجه الصعاليك في الشوارع المسلحين برشاشات و مباديء منحرفة؟ كان يقنعهم بأن عمله صباغ سيارات و مضى يعمل في محله إلى ألآن . ألف رحمة على روحك يا جورج ، لقد انقذت حياتي في احلك الظروف و معرضاً نفسك للمخاطر في ذلك اليوم الاسود. و لكن لم يتسنَ لي إنقاذ حياتك من ذلك الحادث المروري ألذي جرى لك في الجزائر و انت مطاردٌ و مبعدٌ من دولةٍ إلى اخرى كبقية العراقيين ألذين تركوا الوطن و كثيرين منهم تركوا الدنيا أيضاً و ماتوا مثلك في المنافي البعيدة عن ألأهل و ألأحبة.

تبعك للغربة و التشرد الملايين من أبناء شعبنا العراقي حاملين همومهم ليكونوا في مأمنٍ من عذابات الوطن.. آسف يا جورج لم أستطِعْ تأجيل رحيلك عن هذه الدنيا كما فعلت معي .. أتمنى أن ازور قبرك لأزينه بوردةٍ حمراء و اُشعِلُ شمعةً إبقاءاً لدينك الكبير علي. و هذا جل ما استطيع فعله لأرد لك الجميل.

و مجداً لضحايا الدكتاتورية............

  كتب بتأريخ :  الأحد 07-02-2016     عدد القراء :  1960       عدد التعليقات : 0