السيفُ من ذهبٍ كالسيفِ من خشبِ

يُـروَى أنَّ ملكاً كـرَّم أحد فرسانِهِ بسيفٍ من ذهبٍ؛ لبطولاته التي يبديها في الدفاع  عن المملكة, جرَّد الفارسُ السيفَ ورفعه عالياً ، فإذا بريقُه الذهبيُّ  يخطفُ الأبصارَ, لكنَّ الفارسَ لم يظهرْ على ملامحه الرضا و القبول بهذا السيف، فانتبه الملك لذلك وسأل الفارسَ،  فأجابه قائلا : جلالةَ الملكِ ( السيفُ من ذهبٍ كالسيفِ من خشبِ ) فطن الملكُ على ما في ذهن الفارس فأهداه سيفاً حقيقيّاً من سيوفِهِ الخاصَّةِ، وأعجب بحكمةِ الفارسِ ونزاهتِهِ؛ كونه لم يهتمْ لقيمةِ سيفِ الذهبِ بقدرِ ما كان يهمُهُ السيفُ الذي يحتاجُه الوطنُ ويخشاهُ الأعداءُ.

لقد أعيد بعد العام 2003 تشكيل جيشٍ محترفٍ عرمرمٍ متسلحٍ بأقوى الأسلحةِ وأحدثها مثل دبابات (أبرامز) وعجلات (هامفري) القتاليَّة إلا أنَّ هذه المؤسَّسة تمَّ حشوُها بقياداتِ دمجٍ أميَّةٍ من حيث التحصيل العلمي ناهيك عن العلوم العسكريَّة وساهمت الأطرافُ المقابلةُ بزجِّ البعثيِّــين من ضُبَّـاط الجيشِ العراقيِّ المنحلِّ من الذين رجَّحوا ولاءاتهم الطائفيَّة على مراجعهم العسكريَّة العليا . عمل كلاهما على استغفال هذه المراجع ببيانات وبلاغات كاذبة عن بطولات (دونكيشوتية)! كاذبة للوحدات التي بإمرتهم، والتي كان أغلبها من الفضائيِّـين وما تبقى منهم يغفو بسباتٍ عميقٍ تسرحُ وتمرحُ أمام عينيه قطعان داعش فلا يجرؤ على نشِّها أو هشِّها إلى أن جاء اليوم الموعود على يد مسعودٍ، فسلَّموه الجملَ بما حملَ . صحا القائدُ العامُّ للقواتِ المسلَّــحةِ السيدُ المالكيُّ على الحقيقة المرة؛ كونه كان يمسك بسيفٍ من الخشبِ لايسدُّ ثغرة ولا يستر عورة.. لا يدفع ظلما ولا ينصر مظلوماً... لا يمسك أرضاً و لا يستردُّ حقاً.. ولا يلحق مطلوباً ولا يردُّ طالباً, سرعان ما آثـر الهروب بمجرد ما لاحت له الخطوبُ.. نزع البسطال وتنكَّـر بسروالٍ ينشدُ السلامةَ ولا يخشى الملامةَ .

فوقفت أمريكا تقلِّبُ المالكيَّ على نارٍ هادئةٍ, وتتساءل بخبثٍ وهي تعرفُ الجواب!!!

هل تشاركُ لإنقاذِ الموقفِ بغطاءٍ جويٍّ أم بقواتٍ بريَّـةٍ ؟ هل تستعجلُ الحسمَ أم تتركُ (الخازوق الداعشي) يراوحُ في مكانه لسنوات أقلها ثلاثة وأقصاها ثلاث عشرة سنةً ؟ هل تسلِّـحُ الجيشَ العراقيَّ من جديدٍ فيُـسلِّـمُ عدته مرة أخرى للإرهاب ؟ هل تلجا إلى تسليح العشائر؛ لتشعلَ فتنة طائفيَّةً جديدةً ؟ هل تدخلُ ميدانَ المعركةِ وحدَها أم تستعينُ بحلفاءَ يغدقون المالَ والرجالَ، وعليها الإدارةُ والإشرافُ ؟

ولم تتمتع أمريكا كثيراً بحفلة شواء المالكي، إذ سرعان ما تدخَّـل الإسعافُ الإيرانيُّ دون دعوةٍ أو إذن؛ لإنقاذ الموقف، وأردف بقرار المرجعيَّةِ بإشهارِ سيفِ الجهادِ الحقيقيِّ الذي هو أشد ما يخشاه الأعداء، ويبدو أنه غاب عن أذهانهم ولم يكن في حسبانهم.

اليوم وبعد أن قلبت الموازين وانكفأ داعش على أعقابهم تضغط أمريكا وبقبول ضمنيٍّ من الحكومةِ أن تعودَ إلى سيفِ الخشبِ؛ لأنها أهَّــلت جيشاً جديداً يستطيعُ القضاءَ على داعش ولا داعي للسيف الحديديِّ البتَّـار ( الحشد الشعبي المقدس ), الذي أصبح القوة الرابعة في العالم, وإلا سنضطر إلى تقسيم العراق ، أو إغراقه بسدِّ الموصل، أو كشف حقيقة النخب السياسيَّة الفاسدة، أو بلبلة الوضع الأمنيِّ الداخليِّ، أو الاستمرار بخفض أسعار النفط وتجويع الشعب العراقيِّ.

بعد هذه السنوات من التآمر الأمريكيِّ الإسرائيليِّ السعوديِّ التركيِّ الأردنيِّ القطريِّ الإماراتيِّ، ما هي المحصلةُ ؟ :

• إيران ـ تخرجُ من حصارٍ فُـرِضَ عليها منذ العام 1979 .

• سوريا ـ تنقذ في اللحظات الأخيرة من قبل روسيا، وتصبحُ ضمن أهم مناطق المجال الحيويِّ لها .

• لبنان ـ حزبُ الله يفرضُ خطورتَـه على إسرائيل أكثر فأكثر، ويفرضُ سياستَهُ على الصعيدِ اللبنانيِّ .

• اليمن ـ الحوثيون يصمدون أمام التحالف الدولي الذي تقوده السعودية منذ قرابة العام، والذي بات يُشكِّــل عبئاً بل ورطةً عليها .

• العراق ـ انقلبت ساحاتُ الاعتصامِ وبالاً على من افتعلها، بل وبرزت إلى الوسطِ السياسيِّ قوى جديدةٌ شديدةُ المنافسةِ في الانتخاباتِ القادمةِ لحدِّ الآن على أقل تقديرٍ لم تستطعْ أمريكا احتواءها. وأصبح الشركاءُ السياسيون السنة والأكراد في بحر من الرمالِ، كلما تحرَّكوا ازدادوا غوصاً. وتراهن أمريكا على إفقارِ الشيعةِ، ولم تعرف أنهم والفقر توأمان منذ أن انتزعت فدكٌ من فاطمة الزهراء عليها السلام قبل أكثر من 1400 .

• الإصرار على تفكيك الحشد الشعبي المقدس ناتجٌ من إمكانيَّـته في تغيير الخارطة السياسيَّـة القادمة التي بدأت تفرضُ وجودَها بفضلِ دماءِ شهدائِهِ وانتصاراتِهم، واقتناع الشارع العراقيِّ بأنه القوة الوحيد التي استطاعت اجتثاث الإرهاب وتمثِّـل تهديداً حقيقياً للطبقة السياسيَّةِ الفاسدةِ دون خشية أو مساوماتٍ أو تسويفٍ، ويُـشكِّـلُ رقماً صعباً في معادلةِ الصراعِ الإقليميِّ التي تحاولُ أمريكا للأسف والحكومة جاهدةً في أن تتجاوزه؛ حفاظا على امتيازاتها من خلال تشويه سمعته وعدم دفع رواتبه.

  كتب بتأريخ :  الثلاثاء 09-02-2016     عدد القراء :  6736       عدد التعليقات : 0