في يوم الشهيد الشيوعي 14 شباط - اختي التي في المقابر الجماعية

سميرة اسمها, رقيقة كنسمة صباح عراقي معطرة بزهر القداح, بأبتسامتها وطيبتها كانت تأسر قلوب كل من عرفها. في البيت كانت هي العون الاكبر للوالدة التي كانت تكدح كأي ام عراقية لتلبية مطاليبنا ورعاية شؤون البيت وشؤننا جميعاً.

عندما دخلت  كلية الادارة والاقتصاد - بغداد كانت عضوة فاعلة في اتحاد الطلبة العام السري. فما كان لشخص بمثل سجاياها الا ان تختار الانتماء الى هذه المنظمة المجاهدة التي انتمينا لها بدفع منها, ووضعتنا على درب الحقيقة النيرة, سكة الانحياز للفقراء والانسان.

كان لها حلم اجمل من جنح فراشة,شعب سعيد منعم ووطن حر جميل.

اول راتب لها من عملها في المؤسسة العامة للسياحة بعد التخرج, كان لنا منه نصيب. وزعته بيننا بعد ان قدمت الجزء الاكبر منه للوالد وهدية للوالدة. هبتها لنا وان كانت متواضعة فأنها كانت تشكل لنا شيئاً مؤثراً, فلم تكن الامكانات الاقتصادية للعائلة تمكننا من الحصول على اكثرمنها.

اختطفت في حزيران 1980 من قبل امن نظام صدام الفاشي من الشارع في حي المنصور ببغداد وكانت في مهمة حزبية. يبدو ان هناك من انهار امام تعذيبهم ودلهم على مصدر العطر. كان وقع الخبرعلى امي مؤلماً, بكتها ليل نهار. لقد كانت حمامتها... عزوتها... سندها.

كنت حين اختطافها جندياً اقضي الخدمة الالزامية. عندما رجعت في اجازتي الشهرية , صُعقت بالخبر. نصحونا المعارف بعدم المجازفة ,في ظل الحملة الفاشية المستعرة ضد الشيوعيين, من مراجعة دوائر امن النظام للسؤال عن معتقل شيوعي لديهم, لان مصيرالسائل سيكون الاعتقال مباشرة والتعذيب الوحشي اسوة بمن يسأل عنه.

بعد شهر من اعتقالها... انهيت خدمتي العسكرية. تقرر تأمين سفري الى الخارج تجنباً لمصيبة اخرى, مع امل شفيف يعمّر القلب بعودة سريعة الى ارض الوطن وحضن الاهل والاحبة ورؤيتها محررة, ولكن كان ان اندلعت الحرب مع ايران وتزاحمت المآسي على العراقيين وشبابهم بأستدعائهم الى ساحات الموت لتنفيذ رغبات دكتاتور ارعن. ماتت امي حزناً وكمداً, تبعها الوالد وتفرقنا.

تتابعت السنين حتى اسقاط النظام عام 2003 وتحرر الشعب من خوفه ليقوم بأقتحام قلاع اجهزة النظام القمعية ونشر وثائق اجرامهم بحق ملايين العراقيين ومنهم اختي الشهيدة سميرة التي اعدمت عام 1983 ولم يجر اعلامنا ولم يدون امام اسمها عنواناً, كما مقابل اسماء الشهداء الآخرين. ولا نعرف لحد هذا اليوم مكان تغييبها بعد ان زرع نظام البعث البائد مقابره الجماعية في كل انحاء العراق.

ان عدم تسجيلهم لمكان اقامتها جعلنا نتوقع عدم اعترافها بشيء, لحمايتنا نحن اخوتها واخواتها وانا بالخصوص لكوني كنت جندياً ولا حتى على رفاقها ممن عملت معهم في التنظيم, وهذا ما أكده بعض ممن تعرفنا اليهم لاحقاً, لعدم اعتقال احداً من مجموعتهم بعد اعتقالها.

ربما استشهدت تحت التعذيب الوحشي لنعومتها ورقتها دون ان تنبس ببنت شفة, وهزأت بجلادها الذي طالبها بالمساومة والخيانة .

تتسلل الى اسماعنا من حيث لا ندري صدى اغنية قديمة ارتبط ذكراها بها :

سمرة وسيعة عين... عيني سمر

حلوة وجمالج زين... عيني سمر

في يوم بعيد, كنت اقص على ابني الصغير الذي اسميته  على أسمها, قصة استشهادها كما اراها, ونحن نتطلع الى صورتها التي تعمّر صدر مكتبتنا, فاجأني بقوله : " يعني ماتت لنحيا, لأنها لو كانت قد تكلمت لكانوا قد موتوك مثلها وما كنا لنأتي الى الحياة ".

- نعم يا حبيبي, كلنا مدينون لها بحياتنا.

  كتب بتأريخ :  الإثنين 15-02-2016     عدد القراء :  1965       عدد التعليقات : 0