في رحيل الصديق عادل فرج القس يونان

انها سُنّة الحيااة ان يغادرنا بين الحين والحين صديق او قريب، في ارض الوطن او في المنافي البعيدة، ولكن ان يكون جليس مجموعة تلتقي معظم ايام الاسبوع، وفجأة وانت تتوقع ان تراه في اليوم التالي، تسمع بموته، تلك مسألة صعبة الاستيعاب والفهم. كم كانت جلستنا تحلو مع ابو عمار، بوقاره، عزة نفسه، ثقافته، احترامه الجَم للمحيطين به. كان يقضي جلّ وقته في كلية مجاورة، ينهل فيها ما فاته من الدروس المختلفة، وآخر ما كان يدرسه فصل باللغة الآرامية، ثم ياتي الى مقهانا الجميل( ستار باكس) فيستأنس الجلساء الحديث معه في مواضيع شتّى، واحيانا يتخلل اللقاء ممارسة لعبته المفضلة النَّردْ.

كان عادل ملمّا بمعلومات مختلفة وخصوصا في علم النفس، وتجارب الحياة، وقد درس الادارة والاقتصاد فرع المحاسبة-  جامعة البصرة في ستينات وسبعينات القرن المنصرم، كانت له ذاكرة جيدة عن بلدته واهلها وعوائلها، كنت باستمرار اسأله عن امور كثيرة، فيأت جوابه عميقاً وشافياً.

كم كان يعتد بنفسه وبهندامه وبجرأة طروحاته، طوال لقائاتنا المتواصلة، وفي عدة مناسبات سابقة كان يرتجل كلماته بلغة رصينة، ان دل ذلك على شيء، فانما يدل على موهبته في الخطابة، وكذلك القى محاظرة في جمعية مار ميخا الخيرية، نالت اعجاب الحاضرين، وقبل ان يخطفه ملاك الموت، كان قد اكمل موضوعاً جميلاً عن عيد الحب( فالنتاين دي) ونشر في نفس يوم وفاته في عدة مواقع الكترونية.

قبل ان يغادر العراق ارسل الي كتابه الموسوم( النفس ومراحل الحياة- صدر في بغداد عام 2007 ) وقد خط عليه الاهداء ووقعه، انني احتفظ به باعتزاز. وحين كان عادل في بغداد خصوصا في مرحلة ما بعد سقوط النظام الدكتاتوري عام 2003، كان الرجل وغيره ايضاً يعيشون في ظروف صعبة، ومرّوا بأيام مريرة وليالٍ حالكة، ولكنه كان كتلة من النشاط وكالنار التي لا تخمد اوارها،  يلتقي ويظهر في الواجهة، يتبوأ المسؤوليات بجدارة واقتدار، ولطالما تابعته عبر مواقع التواصل في الانترنيت، وحتى في فترة نضب نادي الاسرة الكلداني من رواده، كان عادل يجمع ما تبقى ويجلس معهم ويحتفلون احيانا بعودة الحياة اليه، ولكن هيهات ان تعود، فالظروق اصعب بكثير من التصور، وما اصبح واقعاً لا طاقة لاصحابنا في دفعه او تغييره.

ستظل في نفوسنا ذكرى عادل صديقاً وزميلاً وكاتباً، ولن يغيب عن بالنا ابداً، فلا زال طيفه يمر امامنا، ولا زلنا غير مصدقين ما حصل، وعلى الجميع كانت المفاجأة، وعلى اهله وقع الخبر شديداً، وقد تأثر اولاده بعمق ومرارة وحزن على فراقه، ومبارحته خيمة البيت.

لتكن نفسه راضية، مطمئنة، وبسلام في عالم الغيب، حيث مثوى الراقدين على رجاء القيامة، لتكن مشيئة الرب في اختيار الجياد من الناس، وهو القادر ان يمنح ذويه الصبر والسلوان، وان تخضر الأعواد الثلاثة التي زرعها في الارض، فتعطي اجمل الازهار وأطيب الأثمار.

كاليفورنيا في 16- 2- 2016

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 17-02-2016     عدد القراء :  2700       عدد التعليقات : 0