جوهر المسألة في حديث " النستلة " !

العثرة التي اوقع الشيخ جلال الدين الصغير نفسه بها لم تكن الاولى ولكنها تميزت عن سابقاتها السياسية والطائفية, بأنها كشفت جانباً ضبابياً من زاوية نظر مشايخ الاسلام السياسي لحياة المؤمنين من اتباعهم اولاً وعموم المواطنين ثانياً.

فالامر لاينتهي بموعظته الهزلية حول الامتناع عن شراء النستلة " الشيكولاتة " فقط, وتأثيرها في تدبير امور منزل المواطن العراقي المسحوق المفتقر للحقوق والخدمات والذي يعاني من البطالة في بلد غني كالعراق وانما ايضاً نصيحته بترشيد نفقاته, بأيراد مثله الغريب عن ال 100 الف دينار الذي يعبر عن جهل فظيع بقيمة العملة العراقية, فهو مبلغ بسيط لأعاشة عائلة, ودعوته بالاكتفاء بصرف 30 الف دينار منها  وتوفير السبعين الباقية, لما ما تترتب على عائلة المواطن من مسؤولية تضامنية في تحمل اعباء الضائقة المالية التي تعيشها الدولة ومؤسساتها, والتي لم يذكر اسبابها والذي يكتوي المواطن بنارها لوحده.

انهم ببساطة لايعرفون حجم المصيبة !

فقد كشفت خطبته بجلاء فاضح, الانفصام التام بين الطبقة السياسية الحاكمة وابناء الشعب, وجهلهم المطبق بحاجات المواطن العراقي وهمومه والهوة السحيقة في العلاقة بين حيتان الفساد المتنفذة من ذوي المليارات وبين المواطن العادي الذي يكدح لتأمين قوته وقوت عياله. فهم يعيشون اجواء جنة الله على الارض من ثراء وبذخ وتخمة بينما يطالبون الناس التخلي عن مغريات الدنيا الفانية ومنها النستلة وتقبل ظروف الحياة بأجواء عقاب القبر مع الاستغفار من الرب الرحيم ليل نهار.

جوهر المسألة اظهر انهم يعيشون في ابراجهم العاجية... عالمهم الخاص المغلق الذي له حدوده المقدسة المسلحة والتي يحضر تجاوزها. هم لهم عالمهم المتميز وترفهم الاسطوري ودائرتهم المغلقة بينما على المواطن تنفيذ وصاياهم عن القناعة التي لاتفنى بضنك العيش والمرض وعدم الامان. انهم يعبرون عن ازدراء وضيع لأناسهم من التابعين بأعتبارهم كائنات لم تخلق الا لخدمتهم والتمسح بأعتابهم وتلقط فتات موائدهم وتقبيل اياديهم, شاكرين, على هذا الاذلال الكريم.

من هنا بلغ مهرجان التهكم الشعبي من خطبته على مواقع التواصل الاجتماعي اوجه. بتدبيج القصائد والمقالات و الفوتو شوب والتعليقات الهزلية التي تثأر من استهتار الاسلام السياسي الحاكم بهذا الاسلوب الاجرامي الفج, والنفور الارستقراطي من العامة الذي جاءت به خطبته. فمثل الشيخ الصغير لايحس بالازمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد, والذي هو احد اسبابها, ولا يعرف الرسم البياني المتصاعد لمآسينا.

وفي الوقت الذي يطالب به المواطن بالتقتير على اطفاله بنستلة فأنه ليس مستعداً للتخلي عن سيارة من سياراته المصفحة او تخفيض اعداد حماياته, رغم كونه ليس موظفاً حكومياً, ناهيك عن التصدق بجزء من ملايينه الوفيرة لأطفال الفقراء المنتشرين على تقاطعات الطرق.

لقد هشم التهكم الشعبي مرآة نرجسيته وقدسية عمامته وتعاليه, بعد ان تراجع دور الكلوروفورم التخديري لخطاباته, لذلك انتفض بليغ ابو كلل المتحدث الرسمي باسم المجلس الاسلامي الاعلى لنجده شيخه ورد الاعتبار له, فزاد الطين بلة, بتهجمه البذيء بعد ان  شهد الناس افواجاً, تضحك ملأ اشداقها من هذيانات شيخه.

ربما تكون فضيلة الشيخ الوحيدة هو تبديده سأم واكتئاب مواطنيه في هذه الاجواء المشحونة التي يعيشونها, مع ايقاظ عنادهم ومعارضتهم لمواعظه والاصرار على التهام النستلة التي تبعث بسبب مكوناتها الطبيعية مشاعر الفرح والحبور لديهم.

وقد صح قول الشاعر :

ورثوها من لها لاينتمون...... وأحالوها لريح صفصفا

لرماد وهشيم وهباء...... لا شريف بينهم قد أنصفا

  كتب بتأريخ :  الخميس 25-02-2016     عدد القراء :  2146       عدد التعليقات : 0