الأصل - عدم اشهار الصيام !

لقد أثار اعتقال الشرطة المحلية لثلاثة بنات صغيرات بسبب بيعهن الماء في مفترق طرق في بغداد في رمضان الجاري, استهجان الكثير من اصحاب التفكير السليم.

فبالأضافة الى بشاعة اعتقال بنات صغيرات اكبرهن تبلغ العاشرة من العمر يسعيّن لتأمين قوت يومهن, فأن بطلان اعتقالهن, يبدو جلياً لعدم وجود مسوغ لذلك, كأن يكون تشجيعهن المشترين على الافطار والا لكان يستوجب اعتقال كل اصحاب المخابز ومحلات المواد الغذائية وبائعي الخضر والفواكه واللحوم بنفس التهمة.

ان عواقب ضعف ارادة الصائم في تحمل مشقة الصوم حد افطاره لمجرد رؤيته لشخص يشرب ماءاً او يأكل كبة, تقع عليه وليس على المفطر.

قسر الناس على عمل ما لايودوه, يربي عندهم سلوك المداهنة والكذب, أسوأ خصلتين يمكن ان يتخلق بهما انسان. وهما نتاج الخشية من العقاب الذي يتربص بهم من قبل السلطة الدينية والحكومية. ولهذا السبب ايضاً, يصبح اجراء احصاء موضوعي بمعطيات حقيقية عن نسبة الصائمين من غيرهم في المجتمع متعذراً, خصوصاً في ظرفنا الحالي الذي يتسم بأنتشار مظاهر التدين الزائف. وبذلك تفتقد هذه الجهات من اصحاب الصوم الاجباري الى تبريرات مقنعة لفرض ارادتها.

وكذلك في ظل عدم وجود سند شرعي لتجريم الافطار العلني في رمضان, يبقى حق الصيام مكفول شرعاً لكل من يرغب بذلك, وكذلك حق الافطار مكفول طبيعياً وقانونياً ولا ينبغي ان تلحقه تبعات. ويبقى الامر بين الانسان وربه.

لهذا يكون الهدف من عدم ايجاد مخرج لمعضلة غير الصائمين في رمضان يخضع لرغبات وارادات اقلية متحكمة تهدف لتأطير المجتمع واخضاع افراده.

كان من الاحرى على الجهات المندفعة في فرض الصوم القسري والشرطة المنشغلة بحملات الأمساك بجائع هنا او عطشان هناك في هذا الحر اللاهب ان تعتقل محتكري المواد الغذائية ومعالجة اسباب الغلاء الفاحش في شهر رمضان شهر الرحمة والاحسان كما يقال.

التدين الزائف والرياء جرّد الصوم في رمضان من هدفه السامي وهو شعور الميسورون الشبعى طول العام بمعاناة الفقراء وجوعهم وحرمانهم, فأصبح الان مجرد طقوس ومظاهر شكلية.

والانكى من كل ذلك ان يُستغل في تعطيل المصالح العامة في الدوائر والمؤسسات الحكومية وعدم تمشية معاملات المواطنين, بدعوى تعب ومعاناة الصائم مع ان نفس الصيام لايؤدي الى توقف العمل التجاري في الاسواق والمحلات العامة.

ان عدم اشهار الصيام وابتعاد المؤمن عن التفاخر بصيامه يعكس صدق تدينه وصفاء سريرته وانسجامه مع نفسه ومع ربه ليكون صوماً خالصاً لله وليس للمنّة على الناس وتمييز ذاته عنهم.

ولم يعد شهر رمضان في حقيقة الامر, شهراً للصوم وانما شهراً للاستمتاع بأطايب الطعام حد التخمة, مما لايتمكن الفرد تناوله في ايام الله العادية.

ولأندفاع الانسان للاسراف في الطعام في فترتي الفطور والسحور, لتعويض ما فقده يؤشر الى ان الاصل في الحياة هو الاباحة اي عدم الصيام. اما المنع او الامتناع عن تناول الطعام, الصوم, فهو استثناء, لهذا ينبغي احترام رغبة الانسان بعدم الصوم وايجاد حل مناسب لتعارض الارادات.

واحسن اشكال الصوم سمواً عند الله, هو التوقف عن ايذاء الناس وتسويد عيشتهم اكثر مما هي, بالتعدي على حرياتهم وانتهاك كراماتهم وتعطيل مصالحهم بذرائع الشهر الفضيل.

  كتب بتأريخ :  الإثنين 20-06-2016     عدد القراء :  1433       عدد التعليقات : 0