مصادرة تاريخية " بابل ", لماذا ؟

قد يكون تصريح ممثلو العتبتين, الحسينية والعباسية بعد مؤتمر لهم عن سعيهم لأستبدال التسمية التاريخية لمحافظة " بابل " الى " مدينة الحسن المجتبى ", مجرد جس نبض لردة الفعل الشعبي على نواياهم بأسلمة كل مايمكنهم في واقع الحياة الاجتماعية, لكن بالتأكيد تقف وراءه اهداف ابعد من مجرد تغيير اسم محافظة عريقة في تاريخها الذي يشهد عليه العالم بأجمعه, بأسم احد ائمة آل البيت.

فلم تكن للامام الحسن بن علي بن ابي طالب اية صلة بالمدينة وربما انه لم يمر بها يوماً في حياته, بينما هي حاضرة وجدت قبل ولادته بآلاف السنين.

ان التبرير الساذج الواهي الذي اعطاه اصحاب الاقتراح والذي هو لتكريم اهلها على كرمهم عند مرور الزوار بها, واضفاء التقدير عليها بشخص الامام, لم يقنع احداً... وانما هم ينطلقون من المثل القائل " شيّم المعيدي واخذ عباته ".

لماذا اذاّ جاء اقتراحهم ؟

لأنهم, ببساطة, يسعون الى توظيف حب العراقيين لآل البيت لخدمة اهدافهم وتطلعاتهم الفئوية المصلحية, بأعتبارهم المحتكرون المعتمدون في تصنيف الناس وتقدير مقدار حبهم لهذا الامام او ذاك, ولهم الحق الحصري بالتالي في اطلاق التسميات المقدسة وتوزيعها على كل مدينة او قصبة او ناصية حي, في الوقت الذي يروق لهم وبالشكل الذي يناسبهم.

ولأنهم يمتلكون هذا الحق الحصري ( كما يتصورون ), فأنهم يمتلكون حق استغلال حب آل البيت واسمائهم, مرة اخرى, كسوط مسلط يُساط به كل من يعترض على رغباتهم ومخططاتهم بأنه لايحترم هذه الاسماء المقدسة ويناصب الدين العداء, لترهيبه واسكاته.

ولأن هؤلاء ومن ورائهم من حكام خالو الوفاض من اية انجازات فأنهم يريدون شراء عقول الناس بحلاوة. فهم يبيعونهم انجازاً وهمياً بأطلاق تسميات ذات طابع مقدس على مدنهم, لاتغني من جوع , بينما هم يجنون الغنائم والامتيازات  ويبسطون سلطانهم على المخدوعين بهم. فلو تابعنا وضع المدن المقدسة البائسة كالنجف وكربلاء والكاظمية وسامراء فهي لم تجن من نعتها بالاشرف والمقدسة سوى الاسم , فمستويات الفساد فيها, حسب تقديرات رسمية معلنة, تتقدم حتى على مستوياته في مدن اخرى ( ليست مقدسة! ), وواقع الخدمات فيها مزرٍ كما هو حال أية مدينة عراقية اخرى, رغم الموارد المالية الضخمة التي تجنيها سلطات هذه المحافظات, الادارية والروحية, من الزيارات المليونية والتي يصل عدد زوارها في بعض المناسبات الى سبعة ملايين زائر على حد تصريحاتهم, اضافة الى ضخ الحكومة, التي تهيمن عليها احزاب الاسلام السياسي, المتواصل للملايين من الدولارات لدعم مايسمى بالسياحة الدينية لكن دون طائل, فمواطنو هذه المدن يعيشون بلا كهرباء وماء وخدمات تحفظ حقوقهم وكرامتهم. وهي مدن شهدت تفانين افاعيلهم وتجليات آثامهم.

ولأن هدفهم ليس طمس تاريخ مدينة وحضارة بابل فقط, بل سرقة مستقبلها ومستقبل مواطنيها بكل ما تحتويه من تنوع ثقافي.

ان اكرام اهالي محافظة بابل وغيرهم من المواطنين ليس منّة يعطيها عاطي بل هو واجب على الدولة وموظفيها, ويكون  بتأمين حياة آمنة حرة سعيدة لهم ولأطفالهم وليس  بنثرالتسميات هنا وهناك.

كما ان اثارة هذا الامر في هذه الفترة العصيبة التي تستدعي تجميع القوى من اجل الأنتصار على داعش, باقتراح مشاريع خلافية تغذي التجييش الطائفي وتفرق الصفوف وتثير القلق, مرفوض, ويتحمل اصحابها وزر التعقيدات المترتبة عليها .

ولتلافي تداخل السلطات الادارية الحكومية بمهام الهيئات الدينية, ينبغي اعادة انشاء وزارة للاوقاف يقع على عاتقها الاشراف على اوقاف كل الاديان والطوائف والملل المتواجدة في البلاد, بما فيها تسيير امور العتبات والمراقد الدينية والجوامع والحسينيات وهيئة الحج وغيرها من مؤسسات دينية, وارساء الامر بذلك على اساس رصين يحفظ حقوق كل المواطنين بكل معتقداتهم وتطلعاتهم.

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 29-06-2016     عدد القراء :  1381       عدد التعليقات : 0