اين اختفى هذا المواطن العراقي ؟؟؟

تموز – 2016

بداية لست ادري كيف  شاء القدر لي ان اكون من المهتمين بمتابعة الاخبار وانا في فترة مبكرة من العمر ، من هؤلاء الذين استطيع ان اسميهم الان ( المصابين بمرض متابعة الاخبار او المبتلين بعاهة متابعة الاخبار ) وخاصة اخبار العراق وكل ما كان يتعلق بالعراق وبالتحديد من بعض الاذاعات الاجنبية التي كنا نستطيع الاستماع اليها انذاك ليلا فقط وبصعوبة كبيرة وبحذر شديد ، لأن معظم تلك الاخبار كانت عن الحروب التي كان يخوضها النظام السابق ، الداخلية منها والخارجية ، واكثرها كانت تنتقد ممارسات النظام اللاانسانية تجاه ابناء الشعب العراقي ، وغالبا ما كانت تسلط الضوء على معانات ابناء الشعب العراقي ، ومن خلال هذه الاخبار ايضا كنا نسمع بين الحين والاخر شيئا عن طبيعة الانسان العراقي او شخصية المواطن العراقي وبعض الصفات التي يتميز بها المواطن العراقي ...

وبصراحة كان معظم ما كنا نسمعه انذاك في هذا المجال صفات سلبية تشير الى خشونة الانسان العراقي وقساوته وتميزه بالازدواجية وبعضها تذهب اكثر من ذلك لتتهمه بالنفاق استنادا الى بعض الاقوال القديمة والقليل من المصادر الحديثة ..

وهذا ما كنا نأسف عليه ويضعنا في حيرة ويجعلنا نتساءل دائما :-

- هل حقا ان المواطن العراقي يتصف بالخشونة ؟

- وهل صحيح ان المواطن العراقي يتميز بالقساوة ؟

- وهل فعلا ان المواطن العراقي لديه ازدواجية ؟

واما ما دعاني ان اتذكر هذا ، هو في الحقيقة انني قبل ايام كنت اتحدث مع احد العاملين معي وهو من جنوب العراق وقد زار العراق مؤخرا ، فسألته عن الوضع في العراق وعن انطباعه عن العراق وما يجري في العراق الان وما يفعلة قادة العراق وهم في معظمهم من جنوب العراق وتوقعت انه سيكون مؤيدا لهم او على الاقل مبررا لما يحصل على نفس طريقة المسؤولين الحاليين في العراق ...

ولكن ما سمعته من صاحبي لم يكن سوى السب والشتم لكل المسؤولين الحاليين في العراق وخاصة المسؤولين المحليين ...

فقلت له بعد ان انتهى من سبه وشتمهه للمسؤولين العراقيين :-

- ولكن انت من الجنوب وان معظم المسؤولين الحاليين في الحكومة المركزية هم من الجنوب وان جميع المسؤولين في الحكومات المحلية هو من ابناء الجنوب ، اليس فيهم من هو جيد ؟

فأجاب صاحبي على الفور وبلغة عراقية :-

-كلهم ( كوا... وحرامية ) ...

فقلت له :-

-  ولكن من منهم تعتقد انه الافضل ؟

فأجاب بعصبية وبلهجة ابناء الجنوب :-

( ما بيهم واحد زين ) واضاف ( واحد انكس من اللاخ ) ...

وبدأ يسرد لي قصص كثيرة عن معانات اهله واقربائه واهل الجنوب عامة مما شاهده خلال زيارته الاخيرة للعراق ، وفي كل مرة كان يشكر الله انه قد تخلص منهم وان عائلته واطفاله ليسوا هناك ...

ثم اخذته النشوة وسرد لي قصة مجيئه الى امريكا في منتصف التسعينيات من القرن الماضي بعد قمع انتفاضة اهل الجنوب حيث كان هاربا من العسكرية اثناء حرب الكويت سنة 1991 وشارك في الانتفاضة سنة 1992 ، وبعد قمع الانتفاضة لم يكن امامه الا الهروب الى السعودية ، وهناك بقي في معسكر ( رفحة ) مع الكثير من اهل الجنوب لما يقارب الثلاث سنوات ، وسرد لي قصص مأساوية كثيرة حصلت لهم في هذا المعسكر لسنا بصددها الان ...

واما تفاصيل رحلته الى امريكا سنة 1995 التي استغرقت ثلاثة ايام فقد كانت فيها قصص مثيرة فعلا حيث فقال :-

-  كنت من المحظوظين الذين قبلوا كلاجئين الى الولايات المتحدة الاميركية سنة 1995 بعد ثلاث سنوات من المعانات في معسكر ( رفحة ) ، وكان يوم الفرح الكبير عندما ركبنا الطائرة الكبيرة الخاصة التي اعدتها لنا الامم المتحدة لنقلنا الى امريكا وكان عددنا يزيد عن (350 ) شخص ، رجال ونساء واطفال ، واستمرت رحلتنا ثلاثة ايام بسبب اضطرار طائرتنا للهبوط الاضطراري لخمس مرات في دول مختلفة بسبب سوء تصرف البعض وخاصة النساء في استخدام المرافق الصحية ، حيث كان معظم من كان معي يركب الطائرة لأول مرة ومعظمهم لم يسافر خارج العراق والكثير منهم لم يشاهد مدينة كبيرة ، ولهذا حصلت لنا قصص محرجة كثيرة خلال هذه الرحلة سرد لي تفاصيل بعضها لا مجال لذكرها الان ...

ولكن القصة التي حصلت في مطار نيويورك هي التي دعتني اكتب هذا المقال وبهذا العنوان عن المواطن العراقي ...

يقول صاحبي :-

- بعد هذه الرحلة الطويلة هبطت طائرتنا اخيرا في مطار نيويورك ، وهناك قادنا من كان يرافقنا من الامم المتحدة الى جهة من المطار لكي يتم توزيعنا الى الولايات التي سنذهب اليها وفق اختيارنا المسبق ، وكان الجميع متعب وعلامات الاستغراب تبدو على وجوهنا جميعا ، فكل ما في المطار غريب وكل ما نشاهده خارج المطار من خلال النوافذ الزجاجية الكبيرة لا يصدق ، وحركة المسافرين وهيأتهم وملابسهم وخاصة النساء كلها غريبة ، وكنا نحن ايضا نبدو مختلفين عن كل ما هو محيط بنا ، وكنا نحدق طويلا وباستغراب وتعجب في كل شيء من حولنا والمسافرين ينظرون الينا ايضا بأستغراب وكأننا من عالم اخر ...

وما حصل ان امرأة عربية ( من المغرب ) كانت تتجول في المطار لقضاء الوقت لحين موعد طيرانها وشاهدتنا ونحن بهذا الوضع الغريب الشاذ ، فأنتبهت الينا وعندما شاهدت النساء وهن لابسات الزي الجنوبي المميز ومرتديات العباءة العراقية ركضت مسرعة الى زوجها العراقي وقالت له :-

-هناك جمع كبير من الناس في المطار نساؤهم يلبسون نفس ملابس والدتك ( التي كانت قد شاهدتها في الصورة المعلقة على الحائط في بيتها ) وهم قد يكونوا من اهلك ، ودعته ان يأتي معها لكي يراهم ...

ولكن الرجل استغرب وقال لزوجته :-

- لا احد من اهلي يستطيع الخروج من العراق حاليا وانت تقولين جمع كبير من الناس ، اكيد انهم ليسوا من العراق ...

ولكن الزوجة اصرت على زوجها ان يأتي معها لتريه هؤلاء الناس .

ويستطرد صاحبي ويقول :-

-  اضطر الرجل ان يأتي مع زوجته ، وعندما وصلا الى عندنا وكانت زوجته تجره من يده وقف مستغربا جدا ، وعندما عرف اننا عراقيين بدأ يسلم علينا واحدا واحدا وقبلنا جميعا على الطريقة العراقية ، وبعد اخذ وعطاء معه حكينا له قضيتنا بأختصار فقال وهو يحدق في وجوهنا ودموعه كادت ان تنزل :-

- انني الان اشعر بسعادة كبيرة واشعر انني بين اهلي الذين افتقدتهم ولم اراهم منذ مدة طويلة ...

وبعد حديث قصير معه وهو يعبر عن سعادته لرؤيتنا ويهنئنا بسلامة الوصول ، عرفنا انه رجل غني ويملك مجموعة من محلات الاسواق في نيويورك ، وكعادة العراقيين الطيبين سألنا الرجل ان كنا نحتاج شيئا ما وعلى الطريقة العراقية قال :-

- محتاجين شيء .. ماكلين .. شاربين ؟

فأجاب بعض الذين لم تستهويهم الاكلات التي قدمت لنا خلال الرحلة ، حيث البعض منهم لم يستذوقها والبعض الاخر لم يأكلها لأنه لم يكن متأكدا انها حلال ام حرام ، فقالوا له باللجة العراقية الصريحة ؟

-صارلنا ثلاثة ايام ميتين من الجوع !!!

فما كان من الرجل الا ان ذهب الى المطعم الذي كان بجانبنا ، وبعد فترة قصيرة وجدنا عمال المطعم يحملون عشرات العلب من البيتزا ليوزعوها علينا وبعد دقائق مجموعة اخرى وهكذا الى ان حصل جميعنا على كفايته من البيتزا التي تذوقناها لأول مرة ...

ثم رجع الينا الرجل وهو يبتسم وعلامات الفرح تبدو واضحة على وجهه وبعد ان تأكد ان الكل حصل على كفايته من البيتزا قال لنا :-

- هل اهلكم يعرفون انكم قد وصلتم الى هنا ؟

- فأجبناه بالنفي .

فقال لنا :-

-من لديه رقم تلفون اهله ويريد ان يتصل بهم ليذهب الى هناك ، واشار الى كابينات التلفونات المرصوفة على الحائط ...

وهناك بدأ معنا واحدا واحدا يفتح لنا الخط بواسطة بطاقة الائتمان الخاصة به ( الكارد ) ويعلمنا كيف ندير الرقم ليؤمن الاتصال ثم يذهب الى الكابينة الثانية ويفعل نفس الشيء وهكذا اصبح يتنقل من كابينة الى اخرى ومن شخص الى اخر الى ان اتصل معظمنا باهاليهم ، وبقي معنا الى ان اخبرته زوجته ان موعد طيرانهم قد حان ، فودعنا بعجالة وتمنى لنا الموفقية وذهب مسرعا مع زوجته واختفى عن انظارنا ...

فقلت لصاحبي :-

- وهل عرفتم من هو ومن اية منطقة هو ؟ وهل اتصلتم به فيما بعد ؟

فأجاب صاحبي :-

- للاسف الشديد الوضع المربك الذي كنا فيه لم يدعنا نسأله ، فهو الذي كان يسألنا دائما الى ان ودعنا بعجالة واختفى عن انظارنا ...

فقلت في نفسي :-

نعم لقد اختفى بعجالة هذا المواطن العراقي الطيب عن انظار صاحبي ومجموعته كما اختفى الالاف من امثاله من العراقيين الطيبين عن ارض العراق بعد ان اصبح من يحكم العراق من لا اريد ان اصفهم او اقول بحقهم ما قاله صاحبي في بداية كلامه ، ولكني اذكر بقول الشاعر :-

ولا ارى في بلاد كنت اسكنها            الا حثالة ناس قاءها الزمن

  كتب بتأريخ :  الأحد 10-07-2016     عدد القراء :  1692       عدد التعليقات : 0