ابن العبري 1226 – 1286م

في مثل هذه الأيام من أواخر شهر تموز من كل عام , تطلّ علينا ذكرى وفاة المفريان ( ابن العبري ) . وبمناسبة مرور سبعمائة وثلاثين عاماً على هذا الحدث , نقدم لقرائنا الأعزاء بحثنا هذا , وهو مساهمة متواضعة إحياءً لذكراه .

يعد ابن العبري ينبوع للعلم والمعرفة , فهو أحد علماء القرن الثالث عشر الميلادي البارعين . كتب في العديد من فروع العلم , منها , اللاهوت , الفلسفة , النسك , التصوف , القانون , التاريخ , الفلك , الطب , النحو , ونظم الشعر . لذا يعتبر من أشهر مشاهير الكتبة السريان وفارسهم الذي لايجارى . فاز لنبوغه وعبقريته بإعجاب المهتمين بالدراسات السريانية من شرقيين ومستشرقين , فلقّبه بعضهم بـ ( دائرة معارف القرن الثالث عشر للميلاد ) , وهو لقب يدّل على المعرفة الواسعة التي كان يمتلكها في شتى العلوم , بل ونبغ بها وتبحّر . أتقن اللغات العربية التي وضع بها كتابه ( تاريخ مختصر الدول ) وغيره . واليونانية التي نقل عنها بعض ماكتب وصنف . إضافة الى اللغة السريانية التي ألّفَ بها أغلب مصنفاته , وكتب الشعر بها وتعمق بنحوها جميعا وصرفها وبيانها وبديعها . كما أَلَمَّ بالفارسية والأرمنية . فهو حقاً فريد زمانه ووحيد دهره . من هنا يمكن القول ان ابن العبري يأتي في مقدمة الأدباء والعلماء السريان , فمن هو ابن العبري ؟

هو : ابو الفرج جمال الدين ابن الشماس تاج الدين هارون المتطبب ابن توما الملطي , المكنّى بـ ( ابن العبري ) وقد أتاه من ابيه هارون , واتخذ في الكهنوت اسم ( غريغوريوس ) , وأما اسمه في العماد ( يوحنا ) , وقد أورده الأب اسحق أرملة في بحثه الموسوم ( جثالقة المشرق ومفارنة السريان ) باسم ( غريغوريوس يوحنا الخامس ) ,  ولُقِّب بأبي الفرج تيمناً بهذا الاسم وليس بولدٍ له اسمهُ فرج كما ظنَّ ( برنستين ) في مقدمة طبعته لتاريخ الدول السرياني ( ص 3 ) والعلامة ( بوكوك) في مقدمة تاريخ مختصر الدول ( ص 1 ) . خاصة اذا ما علمنا ان ابن العبري قد ترهب وهو حديث السن ولم يرتبط قط بسنة الزواج , فضلاً عن ان الأساقفة لم يُنتخبوا سوى بين الرهبان لملازمتهم نذر العفَّة .. وقد روى ذلك ابن العبري ذاته في مجموع القوانين الكنسية ( الجزء الاول – الفصل السابع – القسم العاشر ) . ومن الجدير بالذكر أن أمثال هذه الألقاب والأسماء والتكني بـ ( ابن فلان وأبي فلان ) قد اقتبسها السريان من العرب الذين يستعملونها كثيراً .

هو علّامة العلماء الأشهر , أعجوبة من أجلِّ أعاجيب الدهر, أحد كبار فلاسفة الشرق ولاهوتييه وحكماء الدنيا , غير منازع , حتى شبّهه الالماني ( بومشتارك أو باومشتارك ) بالالماني البرت الكبير الفيلسوف اللاهوتي المشهور المتوفي سنة 1280م وفضّله عليه . زانه الله سبحانه بعقل كبير وذكاء خارق  وذهن متوقد وفكر دقيق .

ولد ابن العبري سنة 1226م في ملّطية حاضرة أرمينية الصغرى على ضفة نهر الفرات في سورية , من أبوين مسيحيين . وكان يتولى هذه المدينة وقتئذ عُمّال من قبل بني سلجوق ملوك الروم وهي تُعَدْ من أعظم قواعد تلك الأصقاع رغماً عمّا دهمها من نوائب الزمان لأن غزوات جنكيزخان وقومه تتار المغول كانت قد طمست جانباً من محاسنها . وكان قد اشتهر بملّطية قبل ابن العبري بزمن يسير رجلان عُرفا بين اليعاقبة وهما ( ديونيسيوس بر صليبي ) المتوفي سنة 1171م , و ( ميخائيل – الملقّب بالكبير ) المتوفي سنة 1199م , الذي قيل ان ابن العبري يمتّ بصلة القرابة اليه ( سنذكر تلك الصلة ) .

كان والد ابن العبري يدعى أهرون أو هارون ( كما ورد أعلاه ) . وليس في ذلك ما يُشعر بكونه يهودياً مرتداً الى المسيحية أو منتمياً الى اسرة يهودية كما زعم الكاتب ( رايت ) صاحب كتاب الأدب السرياني . وفي ذلك يذكر لنا المثلث الرحمات البطريرك ( اغناطيوس افرام الاول برصوم ) ( 1887 – 1957م ) في مؤلفه ( اللؤلؤ المنثور في تاريخ العلوم والاداب السريانية ) , قائلاً : (( ولد ابن العبري من اسرة عريقة في المسيحية ... واذ زعموا ( المستشرقون ) ان لفظة العبري دليل أصله اليهودي وان اباه هو الذي تنصر , على انه كُنّي بهذا لولادة أحد آبائه أو ولادته في أثناء عبور نهر الفرات أو لأصل عائلته من قرية ( عبرة ) الواقعة على نهر الفرات بالقرب من ملطية التي جلا اليها جدّه . وكفى به دليلاً بيت شعر مشهور قاله ابن العبري نفسه وهذه ترجمته ( اذا كان سيدنا المسيح سمى نفسه سامرياً .... فلا غضاضة عليك ان دعوك بابن العبري ) . ومصدر هذه التسمية نهر الفرات )) . في حين يذكر لنا الأب المؤرخ لويس شيخو اليسوعي ( 1859 – 1927 م ) , في ذلك , قائلاً : (( ان كثيراً من نصارى اليعاقبة يدعون أولادهم بهذا الاسم الى يومنا هذا ( كما يستعمل المسيحيون اسم موسى مثلاً , وهو لايدل على انتمائهم الديني أبداً ) . ولعل في تسمية ولدهِ ( اي ولد هارون ) بابن العبري دليلاً على ذلك لكننا بعد البحث المدقق عن هذه القضية وجدنا في المؤرخين هذا الرأي ما ينقض هذا الرأي ( أي كونه كان يهودياً ثم تنصّر ) فضلاً عما يؤيده . فأن العلّامة (رينودوت ) ذكر في مجموع الليتورجيات ( ص 469 ) أنه وجد في نسخة خطّية من أعمال ابن العبري في باريس انه كان ابن اخي البطريرك ( ميخائيل الكبير ) وهو من اشهر كتّاب اليعاقبة لم يكُ أهل ملّته ليرضوا بانتخابه بطريركاً وفقاً لقوانين الكنيسة الشرقية لو كان حديث العهد بالنصرانية .

وكان لأهرون أولاد كثيرون توفي أربعة منهم قبل ابن العبري وهم ميخائيل وموفق وقُوفر وساوير وكان طبيباً . ولابن العبري مراثٍ ذُكرت في ديوان شعره السرياني ( طبعه في روما الاب أوغسطين الشبابي عام 1877 – انظر ص 118 – 128 ) . وعاش بعده اخ له خامس اسمه برصوما صافي الذي تمّم تاريخه الكنسي بعده )) .

كان ابوه وجيهاً في قومه نافذ الكلمة ورأى منه ذكاءً وفهماً دفعه من صغره الى تلقّي الآداب والتخرج في العلوم التي كانت لأهل ذلك العصر . فجدّ الولد في الحفظ وأقبل على إرتشاف سلافة العلم فدرس اليونانية والسريانية والعربية الى جانب العبرية ثم اشتغل بالفلسفة واللاهوت وقرأ الطب على أبيه وغيره من مشاهير أطباء زمانه . إلّا أنه بينما كان عاكفاً على التحصيل جاداً في الطلب انهالت المصائب على بلاده وتعاقب الخراب عليها من جانب الروم والمغول الذين أسرفوا في القتل والنهب والتدمير . مما إضطرت عائلته نتيجة لتلك الأحداث الى الفرار من بلاده الى مدينة أنطاكية سنة 1243م , فاختار طريق النسك والزهد وانفرد في إحدى المغاور بالبرية , وذاع صيته وهو في العشرين من عمره , فلما انتهى خبر فضله الى بطريرك طائفته اليعاقبة ( أغناطيوس سابا – المتوفي سنة 1252م ) زاره في المغارة مبدياً له أحترامه وتقديره ,وصرفه عن حياة العزلة فطلب اليه متابعة تثقّفه علميّاً وروحياً ليستعد لخدمة الكنيسة والمجتمع . ولم يلبث ابن العبري وقتاً طويلاً بعد هذه الزيارة حتى توجّه الى طرابلس / لبنان حيث أكمل دراسة الفلسفة والعلوم العقلية والدينية مع رفيق له هو ( صليبا ) وجهه على عالم وطبيب نسطوري اسمه ( يعقوب ) وكان فصيحاً.        

وسرعان ما استدعاه البطريرك الى انطاكية وسامه أسقفاً على ( جوباس) من أعمال ملطية وهو في العشرين من عمره وكان ذلك في سنة 1246م وسمّي ( غريغوريوس ) , ثم نقل ( ولم تمض سنة له في جوباس ) الى أسقفية ( لاقبين ) القريبة من ( جوباس ) .

في هذه الأثناء توفي بطريرك اليعاقبة ( أغناطيوس سابا ) ووقع الشقاق والخلاف بين الأساقفة على انتخاب خلف له , وعندها أيد ( ابن العبري ) البطريرك  (ديونيسيوس عنجور / 1252 – 1261م ) ضد البطريرك ( ابن المعدني – هارون يوحنا , المتوفي سنة 1263 ) , فعينه ( ديونيسيوس ) على أسقفية حلب سنة 1253م , إلّا أن زميله (صليبا ) الذي تلقّى معه العلم في طرابلس كان قد أقامه ( يوحنا بن المعدني ) مفرياناً على المشرق ( المفريان : لفظة سريانية , ومعناها المثمر , وهو اسم لصاحب رتبة كنسية خاصة بالكنيسة السريانية مرادفة للجاثليق , فهو دون البطريرك وفوق الأسقف , وكان كرسيه في تكريت ثم نُقل الى دير مار متي فالموصل .. والجمع : مفارنة ) , فحصل من صاحب حلب الملك ( الناصر ) على عهد سلّطه به على أسقفيتها فاضطر ( ابن العبري ) أن يلزم منزل أبيه و وحين رأى أن لا سبيل الى تحقيق رغبته ( والسبب في ذلك هو ان مدينة حلب كانت موالية لابن المعدني فرفضت قبول الاسقف الجديد ) توجه الى دير برصوما قرب ملطية وأقام هناك سنتين عند بطريركه ( عنجور ) , وفي سنة 1258م عاد ثانية الى حلب وكانت علاقته قد تحسنت بالبطريرك ( ابن المعدني ) , إلا أنه لم ينعم طويلاً بالراحة , وذلك لأن ( هولاكو ) حاصر مدينة حلب في تلك السنة عينها , وذهبت جهود الأسقف الشاب في تهدئة المغول أدراج الرياح . أذ إنَّ المغول أسروه مدة وجيزة واعملوا السيف في رقاب سكان المدينة المنكوبة من مسيحيين ومسلمين على حد سواء . ثم اتجه الى دمشق فحظي عند الملك الناصر الذي رفع مكانته وأعاده الى كرسيه وسلمه أيضاً براءة للبطريرك ( ديونيسيوس ) يسلطه بها على المشرق , وكان ( عز الدين ) صاحب الروم قد سلطه على المغرب .

في سنة 1264م وتحديداً في 19 كانون الثاني من هذه السنة جعله البطريرك الجديد ( اغناطيوس الرابع يشوع 1264 – 1282 ) مفرياناً على جهات الشرق , في حفلة رائعة جرت ببيعة العذراء مريم في مدينة سيس ( مدينة بأرمينية الصغرى ) , حضرها الملك هيتوم الأرمني , ورهط من عظماء بلاطه , الى جانب من أساقفة السريان وجمهور غفير من الشعب . وحين تسنم منبر الخطابة , القى على الجماهير المحتشدة في الكنيسة عِظّة نفيسة وخطاباً بليغاً تحدث فيه عن رئاسة الكهنوت , معتمداً الآية الخامسة من المزمور المئة والثامن والثلاثين : (( أنت يا رب قد أحطت بي , وجعلت عليّ يديك )) . وقام ابن العبري على اثر رسامته بزيارة هولاكو فاستقبله بحفاوة لائقة لمكانته العلمية والدينية . واهتم لتثبت رئاسة البطريرك اغناطيوس الرابع يشوع الروحية ومهد لزيارة هولاكو فلما وصل البطريرك رحب به هولاكو أجمل ترحيب ومنحه براءة تثبت حقوقه , كما أثنى ببراءة أخرى على المفريان ابن العبري وخلع عليهما , ومنح براءة ثالثة لأسقف قيسارية  (قبادوقية السرياني ) وفي السنة التالية توفي هولاكو وخلفه بالمُلك ابنه ( أباقا ) الذي نسج على منوال أبيه في إكرام البطريرك والمفريان

بعد مقابلة هولاكو بمدة وجيزة توجه ابن العبري الى العراق ليتولى كرسي المفريانية فرحب به رجال الدولة وأبناء الكنيسة في الموصل وقوبل بإحترام لائق في دير مار متي . وزار بغداد فكرمه ( مكيخا ) جاثليق النساطرة , وكان زمن الفصح قد حل فكان السريان والنساطرة يحتشدون في كنيسة ( مار توما ) السريانية في محلة المُحول ( وتدعى ايضاً قطيعة الدقيق وهي في جانب الكرخ من بغداد – أورد ذكرها ياقوت الحموي المتوفي سنة 626هـ في مؤلفه معجم البلدان / باب المـُحَوَّلُ : المجلد الخامس – طبعة دار صادر / بيروت 1397هـ / 1977م – ص 66 ) لسماع الطقوس الدينية التي كانت تتلى برئاسة المفريان ومن جملتها طقس تقديس الميرون . وأمضى ابن العبري الصيف كله في بغداد ورسم مطرانين احدهما لبغداد والآخر لأذربيجان وغادرها في الخريف , ولما زارها ثانية سنة 1277 قال فيه ( دنحا ) جاثليق النساطرة : (( طوبى لشعب أصاب مثل هذا )) . ونهض ابن العبري لتدبير أبرشيات المشرق العديدة الواسعة اثنين وعشرين سنة وبعض شهور متنقلاً بين نينوى ودير مار متي وبغداد والموصل ومراغة ( مدينة في أذربيجان ) وتبريز, منصرفاُ الى تدبير المؤمنين محتذياً شمائل الرعاة الصالحين , رافعاً للكنيسة شأناً خطيراً في عالمي الدين والدنيا . وحظي عند ملوك المغول لعلمه وكفائته ورفق سياسته  , حيث كان يتفوق على كثيرين من أطباء زمانه , وكان له هيبة كبرى واحترام جزيل في بلاطهم سواء عند رجال البلاط او عند الملك نفسه , كما وحظي أيضاً  بتكريم عند أمراء عرب , وتخير الرهبان الأتقياء الذين عرفوا بالعلم والسيرة الحسنة والأخلاق الطيبة , فأقام منهم اثني عشر أسقفاً , وأنشأ بيعتين ( كنيسة مراغة وكنيسة تبريز  ) وديراً ( هو دير مار يوحنا في قرية – بيث أكارا - قرب برطلة / الموصل ) ,  وقلايتين للاساقفة وفندقاً بجانب الكنيسة لفائدته , كما قام بتجديد كنيسة العذراء في بغداد وهي الكائنة يومئذ بقرب دار الخلافة العباسية سنة 1274م وقد اهتم بها ايضاً الوزير صفي الدولة ( سليمان بن جملا ) أحد أعيان السريان . فنال إعجاب الكثيرين , وصار له مريدون من كافة الطوائف والمذاهب لمكان علمه , وفضله . غير أن حياته لم تطل الى ما بعد الستين , إذ في ليلة السبت 28 من تموز سنة 1286م شعر بحمى خفيفة تتغلغل بين مفاصله , حتى زاد عليه لهيبها في آواخر الليل , وفي صباح الأحد تألب حوله أطباء البلدة وأشاروا إليه بشرب الدواء , فأبى , وقال : (( قد أعي الداء على الدواء )) والساعة الرهيبة قد دنت.

قبل أن تغيب شمس هذا النهار , كانت شمس حياة هذا الفيلسوف الكبير والأب البار القديس تتسارع نحو المغيب .. فشعر الرجل العظيم بدنو الساعة وطلب قلماً ليكتب وصيته الأخيرة , غير أن أنامله القدسية – التي قبضت على القلم وخطّت به الحكمة والفلسفة من بشرية وروحية – لم تستطع كتابة كلمة واحدة , فأعيت عن مسك القلم . وشعر الحاضرون ومن بينهم أخوه الصفي بالخطب الفادح يخيم رويداً رويداً فوق رؤوسهم , فأطلقوا العنان لدموعهم , بينما كان المفريان المفارق يحبس نبضه بين الفينة والفينة , ويقول : (( قد إضمحلت قوتي , ظلمتني يا أخي لأنك لم تتركني أرقد بسلام , فيودعني الأساقفة والرهبان والقسوس والشمامسة الذين رأستهم اثنتين وعشرين سنة , هربت من الموت , ولمن ذلك لم يفد شيئاً , فتشجَّع الآن ولاتبكي ولاتحزن أكثر من الواجب , فليس الموت جديداً في العالم )) .

وهكذا كان يشجع الجميع بإبتسامة ملائكية غير وجل ولا هياب  من الموت الرهيب , ولكن لابد من كتابة وصيته الأخيرة .. فدعي أحد تلاميذه وقال : (( تعال ياشماسي العزيز , يا سعيد الطبيب , وخذ القلم واكتب )) .  وشرع يقول والتلميذ المفجوع يكتب : (( الإنسان مثل العشب أيامه , كزهر الحقل يزهر – مر 103 : 15 )) .

وهكذا حتى أنهى وصيته هذه , ثم أدى الإعتراف القانوني , وأخرج سجلين يحويان صورة إيمانه , أحدهما للكرسي البطريركي , والآخر للكرسي المفرياني , وأشار الى تدبير قلايته , وأسلم كل ذلك بيد أخيه ( برصوم الصفا ). ثم نظر الى تلاميذه , وعيناه البرَّاقتان تنمّان عن هذوء وسكينة , وقال لهم : (( أوصيكم أن يحب بعضكم بعضاً , فالمحبة يا أولادي رباط السلام , سأغادركم الى دار الخلود وأحظى برؤية الرّب وأطلب لأجلكم)).

كان المفريان ينطق بهذه الكلمات ونفسه تتوق الى ملاقاة الرّب , غير ان التلاميذ المرزوئين مزَّقوا ثيابهم وأطلقول العنان لدموعهم .. أما معلمهم القديس فكان يبتسم ويشجعهم ويمنحهم الصبر حتى دنت اللحظة الرهيبة حيث أنطفأ مصباحه الوضّاء , فخيم الظلام الرهيب وكان ذلك في ليلة الثلاثاء الواقعة في ( 30 / تموز / 1286 م ) . وكانت وفاته قد حدثت في مدينة مراغة من أعمال أذربيجان وفيها يومذاك ( يهبالاها ) جاثليق النساطرة المكرم الذي لما بلغه نعي ابن العبري حزن حزناً شديداً وأمر بألا يخرج أحد الى عمله ذلك النهار وأن تغلق الأسواق وأن يلبس الناس ثياب الحداد , وتقرع أجراس الكنائس حزناً , وأرسل مطرانين يمثلانه في مراسيم الجناز . واجتمع ما يقارب مئتين من جميع الملل بما فيهم الأرمن واليونان , وكان للسريان في مراغة أربعة كهنة فقط , نهضوا للصلاة من الصباح الباكر وحتى العصر وثم واروا جسده التراب تحت مذبح الكنيسة . ونُقل جثمانه الطاهر بعدئذ الى دير مار متي بجوار الموصل بهمة اخيه ( برصوم الصفا ) حين خلفه في المفريانية.                                                              وهكذا أنطفأ نور المصباح الوهاج , وسقط عمود من أعمدة الكنيسة السريانية الأرثوذكسية , الذي أغنى الإنسانية بعلوم شتى . وأما مؤلفات هذا الملفان الجليل فإنها على الحقيقة عبارة عن عن معارف البشر جمعاء في القرن الثالث عشر  , والتي أضحت في الشرق بعده كدستور يُرجع اليه . فقد وضع ( ابن العبري ) بالسريانية والعربية ستة وثلاثين كتاباً يعد بعضها من أمهات المراجع ,فكانت تركة ثمينة جداً , ومن هذه المؤلفات نذكر منها :

أولاً : المؤلفات الدينية , ومنها :

1 –تفسير الكتاب المقدس.

2 –اللاهوت النظري . وكتبه : ( كتاب منارة الأقداس – وهو موسوعة لاهوتية ضخمة ) و ( كتاب الأشعة – وهو ملخص كتاب منارة الأقداس , قسمه على عشرة ابواب ) و ( رسالة سريانية تدعى : دستور الإيمان ).

3 – الشرع الكنسي والمدني : وله في ذلك كتاب اسماه ( الهدايات ) .

4 –اللاهوت الأدبي : وكتبه : ( كتاب الايثيقون – وضعه بلغة سريانية بليغة وهو في علم الأخلاق لحسن السلوك في الدين والدنيا ) و ( كتاب الحمامة – وهو مختصر في ترويض النساك ومختص بالرهبان الذين ليس لديهم مرشد روحي , وقد ألفه بعد كتابة الايثيقون بإنشاء سرياني جزل ) و ( ملخص تفسير الكتاب المنحول ابرثاوس ) .

5 – الكتب الطقسية.

6 – الخطابة.

ثانياً : التاريخ المدني والديني , ومنها :

1 – تاريخ الزمان ( السرياني ) : وهو كتاب ضخم بالسريانية , بدأ فيه من خلق العالم الى أيامه وروى أهم حوادث العالم دولاً وملوكاً , وعلماء ورؤساء الى سنة 1285 م ضمن 332 فصلاً . ومصادره في ذلك تاريخا يعقوب الرهاوي وميخائيل الكبير وتواريخ سريانية وعربية وغيرها .واقدم مخطوطاته مخطوطة مكتبة الفاتيكان كُتبت قبيل سنة 1357 م , واكسفورد وانجزت سنة 1498 م , والقدس اواخر القرن الخامس عشر , وهذه المخطوطات تضم ايضاً التاريخ الديني بجزئيه .

2 – تاريخ مختصر الدول ( العربي ) : وقد طلب علماء المسلمين في ( مراغة ) الى ابن العبري ان ينقل كتابه ( تاريخ الزمان ) من السريانية الى لغة الضاد فلبّى طلبهم وأتمَّ تعريبه إلا بعض الصفحات (اتمّه اخيه برصوم الصفا من بعده ) , وذلك في نحو شهر من الزمان , وسماه ( تاريخ مختصر الدول ) ومخطوطاته كثيرة في كل من فلورنسا وباريس ولندن و اكسفورد . طبع الأب انطون صالحاني اليسوعي النسخة العربية في بيروت سنة 1890م وأعيد طبعه سنة 1958م .

3 – التاريخ الكنسي بالسريانية : وهو مجلدان يتضمن المجلد الأول تاريخ بطاركة انطاكية , والثاني فهو تاريخ جثالقة المشرق , وابتدأ به بترجمة الرسول توما وختمه بترجمة نفسه التي أكملها بعد وفاته أخوه برصوم الصفا . نشره المستشرقان ابيلوس ولامي بجزئين في لوفان سن 1872 – 1877م ولخصه الخوري اسحق أرملة وعربه ونشره تباعاً في مجلة المشرق البيروتية لعامي 1923 و 1924م .

ثالثاً : قواعد اللغة السريانية , وله في ذلك كتابان  الأول اسمه ( اللمع ) والثاني واسمه ( المدخل ) .

يعد ابن العبري امام النحويين السريان وهو بكتابه ( اللمع ) يحذو حذو    (جار الله الزمخشري ) المتوفي سنة 1144م / 538هـ بكتابه ( المفصل ) الذي كان وقتئذ هذا التأليف عمدة العرب في النحو وفيه قيل :

مُفصَّلُ جار اللهِ في الحُسنِ غايةٌ         والـفـاظــهُ فـيــه كَــدُرٍّ مـفـصَّـــلِ

ولولا التـُّقى قلتُ المفصّل مُعْجزٌ          كآيٍ طـوالِ من طوالِ المُـفصِّلِ

كما وابتدأ ابن العبري بتأليف كتاب ثالث في قواعد اللغة السريانية وسماه ( شرارة ) ليكون خلاصة لهذا العلم ولكن الموت عاجله قبل اتمامه وهذا الكتاب مفقود .

رابعاً : الفلسفة , ومنها :

1 – كتاب زبدة الحكمة, وضعه بالسريانية وهو من أبدع ما صنف, بل أروع ما كتب في الفلسفة باللغة السريانية و قوامه جزآن في 951 صفحة . وقد اختصر ابن العبري هذا الكتاب بوضع كتابه الثاني الذي اسماه ( تجارة الفوائد ) فجاء مجلداً وسطاً في المنطق والفلسفة وكتبه قبل سنة 1276م . أهم مخطوطاته نسخة كمبردج التي انجزت سنة 1276م , وفلورنسا : القرن الربع عشر الميلادي , والقدس سنة 1574م .

2 – وضع كتيباً اسماه ( البؤبؤ أو الأحداق ) في المنطق والفلسفة .

3 – كتاب حديث الحكمة : وهو كتاب صغير ألفه بعد سنة 1275م .

4 – رسالتان في النفس مختصرة ومطولة : وهما بالعربية . وقد نقل ابن العبري من العربية الى السريانية كتاب ( الاشارات والتنبيهات ) للفيلسوف العربي الشيخ ابن سينا . كما ونقل ايضاً من لغة الضاد الى السريانية كتاب ( زبدة الاسرار ) لأثير الدين الأبهري , المتوفي سنة 1264م وهو مفقود.

خامساً : علم الهيئة والرياضيات , وله فيها ثلاثة كتب , وفي :

1 – تفسير كتاب (المجسطي) لبطليموس القلوذي وهو بحث في علم النجوم وحركات الافلاك , انجزه سنة 1273م وهو مفقود .

2 – كتاب (الزيج الكبير) : اي معرفة حركات الكواكب لاستخلاص التقويم السنوي وتعيين الاعياد المتنقلة .

3 – كتاب (الصعود العقلي) : وضعه بالسريانية سنة 1279م .

سادساً : الشعر

يعد ابن العبري في الرعيل الاول بين شعراء السريانية , فشعره سلس , دسم , معبّر , بليغ , استعمل فيه القافية وتفنن بذلك كثيراً . وقد اجاد في كل ابواب الشعر التي طرقها من مديح وهجاء ووصف ورثاء واخوانيات وزهد وحكمة وفلسفة . ونظم اكثر قصائده على البحر السروجي , ولا يعاب إلا بإستعماله الألفاظ اليونانية بكثرة مع وجود ما يقابلها أو يقاربها بالسريانية . وله ديوان شعر في ثلاثين قصيدة واكثر من مائة مقطوعة شعرية تتراوح بين البيتين والعشرة .وله في ميدان الشعر كتاب(المدخل ) المذكور آنفاّ . وقد نظم ابن العبري قصيد لغوية مطولة تنيف على ستمائة بيت من البحر الافرامي .

سابعاً : الطب , وقد درس الطب على ابيه وعلى أمهر أطباء زمانه . وله فيه ثمانية كتب , هي :

1 – كتاب كبير ألفة بالسريانية جمع فيه آراء الأطباء في المواد الطبية بغاية التفصيل, وهو مفقود.

2 – كتاب (منافع اعضاء الجسد) , وقد ألفه بالعربية , وهو مفقود .

3 – كتاب شرح فيه فصول ابقراط بالعربية. وهو صغير نسخته اليتيمة في مكتبة بطريركية السريان الارثوذكس بدمشق انجزت سنة 1640م .

4 – كتاب تفسير حنين ابن اسحق الطبيب (المتوفي سنة 878م) بالسريانية وهو مفقود.

5 – كتاب تحرير مسائل حنين ابن اسحق الطبية بالعربية وهو صغير الحجم , نسخته اليتيمة في البطريركية بدمشق .

6 – اختصر كتاب ديوسقوريدس الطبيب اليوناني المشهور ونقله من العربية الى السريانية ودعاه بـ ( انتخاب ديوسقوريدس ) وهو في صور النباتات التي تصلح للمعالجة ومنافعها , وهو مفقود .

7 – منتخب كتاب جامع المفردات أي الأدوية بالعربية لأبي جعفر أحمد بن محمد بن خليد الغافقي من أعيان الأندلس (المتوفي سنة 560هـ)

8 – كتاب (القانون) لابن سينا. نقل عنه ابن العبري من العربية الى السريانية اربعة كراريس وحالت المنية دون انجازه  , وهو مفقود .

ثامناً : منوعات , ومنها :

1 – كتيب الاحاديث المطربة. وضعه بالسريانية . نشر الأب ( لويس شيخو ) ترجمة عربية قديمة في مجلته ( المشرق ) 20 ( 1922 ) ص 709 – 717 و 767 – 779 .

2 – كتيب في تفسير الاحلام: ألفه في صباه.

هذه هي ابرز مؤلفات المفريان ( ابن العبري ) التي ماتزال مصدراً مهماً للباحثين والدارسين .

ومما يحسب له انه كفانا مؤونة التنقيب عن اخباره بما أودعه في كتبه من تفاصيل سيرة حياته . كما كتب سيرته المنظومة بالسريانية تلميذه المطران ( جبرائيل   البرطلي).

ومن الجدير بالذكر ان ( ابن العبري ) كان قد أقام في دير ( مار متي ) حيث دفن , مدة سبعة سنوات . وقد تشرفت بزيارة ضريح هذا المفريان الجليل في سنة 2000م , وموضعه في مدفن الأباء القديسين بالدير . أما قلّايته التي كان يتردد اليها كثيراً من أجل الكتابة والقراءة , فموضعها شمال شرق الدير تشرف على الوادي .

(( رحم الله ابن العبري ))

المصادر :

– الحمامة لابن العبري – تحقيق وتعريب اغناطيوس زكا عيواص الاول - المنشورات الجامعة / طرابلس – لبنان – الطبعة الثانية 1983.

- اللؤلؤ المنثور في تاريخ العلوم والاداب السريانية للبطريرك أغناطيوس أفرام الاول برصوم – تقديم ونشر المطران غريغوريوس يوحنا ابراهيم  مطابع الف باء الاديب / دمشق – الطبعة الخامسة 1987.

– تاريخ الادب السرياني للدكتور مراد كامل والدكتور محمد البكري والدكتورة زكية رشدي – دار الثقافة والنشر / القاهرة 1987 .

– نبذة في ترجمة وتأليف العلامة ابن العبري للاب لويس شيخو – نشرت تباعاً في أعداد مجلة المشرق من 7 الى 13 للعام 1898 .

– يوحنا ابن العبري ( حياته وشعره ) – للمطران غريغوريوس بولس بهنام – حلب 1984 .

– تاريخ مختصر الدول لابن العبري – تصحيح الاب أنطون صالحاني – دار الرائد العربي / الحازمية – لبنان – الطبعة الثانية 1994م / 1415هـ .

– دراسات في تاريخي ابن العبري ( تاريخ الازمنة السرياني ومختصر تاريخ الدول العربي ) ليوسف متي اسحاق / 1973 .

– مجلة المشرق اللبنانية للاب لويس شيخو اليسوعي – السنة الثانية والعشرون / العدد السابع للعام 1924 .

– أدب اللغة الآرامية للأب ألبير أبونا – دار المشرق / بيروت – الطبعة الثانية 1996 .

  كتب بتأريخ :  الخميس 28-07-2016     عدد القراء :  4123       عدد التعليقات : 3

 
   
 

قـيـس جـبرائـيـل شـكـري گـوكـّي

ابن العم العزيز يونس گـوكـّي المحترم :
شكراً على المتابعة , وسيكون هنالك المزيد في قادم الايام . سلامي


يونس كوكي

ابن العم العزيز عاشت اناملك و الى المزيد