مشـــاكسة إطـــلاق أضخـــم فيـــل إلـــى الفضـــاء
بقلم : مال اللـــــه فـــــرج
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

[email protected]

................................

غيرت الثورة التكنولوجية عامة، ومن ثم ثورة الاتصالات بعد ذلك، وجه العالم وقيمه وعلاقاته وتسللت حتى الى الخصوصيات الشخصية والعلاقات الزوجية والمشاعر العاطفية لتنجب اجيال البوتكس والفياغرا والانترنت وزواج الفيس بوك، كما انها ضربت الهوايات المختلفة وغيرت أساليبها وتضاريسها، فبعد ان كنا، على سبيل المثال، في عهد الطفولة والصبا نتسلى بهواية اطلاق الطائرات الورقية ونتبارى بألوانها الزاهية وبارتفاعات طيرانها المختلفة ونمارس الاكاذيب البيضاء التي كثيرا ما كانت  مثار سخرية وقهقهات الكبار، فقد استبدل معظم المسؤولين في هذا الزمان هواياتنا الطيرانية الورقية المتواضعة تلك بهواية طيرانية أشد أهمية وأكثر حداثة ممثلة بطيران (الفيلـــة) عبر (مبالغاتهـــم) المختلفة  التي تثير الكثير من القهقهات الصاخبة المغمسة بالهزء والسخرية المرة كونها عصية على التصديق لاسيما وأن بعض المسؤولين في معظم الدول دأبوا في (مبالغاتهــــم) ولا أقول أكاذيبهم، فحاشى لله ان يكذبوا بعد أن أقسموا يمين الوفاء لشعوبهم والامانة المفرطة على المسؤولية التي بين أيديهم وفي مقدمتها (حرمـــة) المال العام، لكن كلا منهم أمسى مع ذلك يحاول منافسة الآخرين بمحاولات إطلاق أضخم الفيلة حجما واثقلها وزنا الى الفضاء الخارجي، عبر مبالغاتهم التي يسميها الآخرون (أكاذيـــب) واسميها (مبالغـــات) لذيذة، لانها إن لم تنجح في اقناع الرأي العام بما تسعى لتسويقه ، فإنها على الاقل تثير اجواءً من الضحك والمرح الممزوجين بالهزء والسخرية التي تضفي على المجتمعات لاسيما المهيبة الكئيبة منها، شيئا من البهجة والسعادة تجسيدا للمثل الشعبي (شــر البليـــة ما يســعد)، وربما هذا ما جعل الشعب المصري الشقيق، كمثال، من أكثر الشعوب سعادة، حيث أعلنت وزارة التنمية الإدارية المصرية في إحصائية حديثة، أن 55% من الاشقاء المصريين لا يرون فى الكذب مشكلة ويمارسونه بشكل طبيعي، على الرغم من انه، وفقا لمركز التعبئة والإحصاء، يتسبب فى ضياع أكثر من 3 آلاف وظيفة وهدر(500) مليون جنية سنويا.

أما لدينا، فقد ازدهرت وتوسعت وتناسلت هواية بعض المسؤولين في محاولات جعل (الفيلـــة) تطير وبارتفاعات مختلفة وفقا لحجم (الفيـــل) المعني حتى كادت (الفيلـــة الطائــــرة والمتطايــرة مــن هنــا وهنـــاك) ان تغطي سماءنا.

فعلى سبيل المثال، سبق لمسؤول ان ادعى باننا (ســنقوم فــي عـــام 2014 بتصديــر الكهربـــاء الفائضـــة عـــن حاجتنــا الــى دول الجــوار) لكن يبدو ان ذلك (الفيـــل) كان مقعدا اصلا وعاجزا عن السير وليس الطيران، وها نحن في عام 2016 نستورد ليس الكهرباء حسب انما الجرجير والفجل والبقدونس والرز العفن الذي لا يصلح حتى للاستهلاك الحيواني، في حين حاول مسؤول آخر جعل (فيلـــه) لا يطير حسب وانما (ينطـــح) جغرافية المنطقة ويقلبها رأسا على عقب، مدعيا ان نهري دجلة والفرات ينبعان من الجارة ايران، مما جعل فيله يصاب بالجلطة الدماغية قبل ان يرتفع مليما واحدا عن الارض، في حين امتطى مسؤول آخر ظهر فيله الاصيل لإرغامه على الطيران مؤكدا في عام 2014، ايضا بانه سيكون لكل عراقي بلغ الثامنة عشرة قطعة ارض وراتب شهري إن كان عاطلا عن العمل، لكن وزير العمل والشؤون الاجتماعية أسقط ذلك (الفيــل) بالضربة القاضية حين أكد هذا العام امام مؤتمر التنمية المستدامة في عمان ان(نســبة البطالــة فـــي العــراق تتجــاوز 46% مــن عـــدد ســـكانه)، أما اعداد سكنة اكواخ الطين والصفيح فحدث ولا حرج، و كم كان بودي ان يمتطي ذلك المسؤول (فيلـــه) ويزور العاطلين عن العمل ليتأكد من (عدالـــة) استلامهم لرواتبهم الشهرية التي وعدهم بها بانتظام، وأن يزور سكنة الاكواخ ليتأكد من حصولهم جميعا على قطع الاراضي السكنية قبل ان يحاول ارغام فيله (الكســيح) على الطيران.

بيد أن أضخم كل تلك الفيلة جاء على لسان مسؤول رفيع آخر، فبعد أن اطلق مسؤول  قبل اسبوعين احد فيلتـــه (المتوســـطة الحجــــم) الى الفضاء الخارجي وهو يستذكر سيل المركبات الفضائية عبر التاريخ التي كان يطلقها اجدادنا السومريون منذ حوالي خمسة آلاف سنة قبل الميلاد دون ان يفصح عن نوعية الصواريخ التي كانت تحمل تلك المركبات الاسطورية وطبيعة وقودها، يبدو ان مسؤولا رفيعا آخر أثارته تلك (المعجــــزة) الاسطورية وقرر منافستها بالعمل على جعل (اضخـــم)  فيل عبر التاريخ ربما يطير محلقا في الفضاء الخارجي، متحديا بذلك معجزة أفيال المركبات الفضائية السومرية.

فمن خلال الصدفة وانا اتنقل بين القنوات الفضائية سعيا وراء آخر المستجدات فوجئت بمسؤول رفيع يحاول بالصوت والصورة التسويق لعملية إطلاق أضخم فيل عبر التاريخ الى الفضاء الخارجي، عبر تفاصيل حكاية لم أكن لاصدقها بتاتا ولكنت اتهمت أعداءه، وهم كثر، بحياكة فصولها (الخياليـــة) المدهشة للايقاع به لولا انني تابعتها بالصوت والصورة معا وهو يروي تفاصيلها التي كانت أشبه بإحدى حلقات(تــــوم اند جيري)، موضحا بأن أحد العاملين في أحد أجهزة المخابرات الاجنبية اتصل به هاتفيا مدعيا وجود (51) مليار دولار باسمه داعيا اياه للحضور أو ارسال من يمثله لاستلامها، لكنه رفض (بإبــــاء وطنــــي) استلامها وقال للشخص المخابراتي الذي اتصل به ، انا متنازل عنها لك ولهم ومبارك عليكم.

أما سبب هذه الهدية الكبيرة التي تكفي لتوفير ثلاث وجبات من الطعام لكل جياع العالم البالغ عددهم (800) مليون جائع وبواقع (21) دولارا لكل وجبة، والتي ربما يعجز اضخم الفيلة عن حملها على ظهره والطيران بها الى الفضاء الخارجي؟ فلا أحد يعلمه، وما المقابل المرجو من هذا (الكــــرم) المخابراتي؟ فلا أحد من الفيلة يعلم، ومن هي الجهة المخابراتية التي اتصلت به؟ فلا احد من الفيلة يعلم، ولماذا اتصلت تلك الجهة المخابراتية بهذا المسؤول بالذات دون غيره وهي تعلم جيدا (بغيرتـــه) الوطنية و(بأمانتـــه) المالية ونزاهته؟ فلا احد يعلم، لاسيما وان (تلفيقــــات) إعلامية سبق أن (أدعـــت) بأن سلطات المطار بإحدى الدول الشرق أوسطية قامت بإلقاء القبض على أحد أقاربه المقربين وبمعيته (1.5) مليار دولار ربما كان الهدف منها دعم (المنظمات الانسانية) وإغاثة الجياع والمشردين والفقراء والمسحوقين في تلك الدولة بعد نجاح مسؤولينا في انتشال جميع فقرائنا ومشردينا ومسحوقينا من تحت خط الفقر، وهل يصدق (أي فيــــل) مهما بلغت درجة غبائه أن أي مخابرات دولية يمكن ان تتصل بأي مسؤول في أي دولة وتحاول (إغـــراءه)عبر الهاتف بمثل هذه (الهديـــة) المتواضعة التي تمثل مجموع ميزانيات احدى دول الجوار لاكثر من خمس سنوات، دون اتفاقات ومباحثات واتصالات وتفاهمات مسبقة؟

ترى، ما طبيعة الاهداف والصفقات والمخططات والستراتيجيات المخفية وراء هذا (الفيـــــل) الغلبان الذي سقط في الامتحان ولم يتمكن من الطيران؟

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 19-10-2016     عدد القراء :  1465       عدد التعليقات : 0