هل ستعود الموصل الى اهلها ؟ وهل سيعود اهل ( البرا ) الى الموصل ؟

لست ادري لماذا اندفعت لا اراديا الى كتابة هذا الموضوع عن مدينة الموصل بعد سماعي لخبر اعلان ساعة الصفر فجر يوم الاثنين الماضي الموافق 17 – 10 - 2016 لبدء ما تسمى معركة ( تحرير الموصل ) ..

ولست ادري ايضا لماذا حضيت الموصل بالذات مني بأكثر من خمس مقالات خلال العشر سنوات الماضية لأتناول فيها احداثا مختلفة ومتباعدة من التفجيرات الارهابية في الكنائس وقتل رجال الدين الى تفجير باصات طلاب الجامعة ومقتل المطران ( فرج رحو ) والى تحطيم الاثار والى طرد ابناء شعبنا وبقية المكونات الاخرى من الموصل في 2014 بعد اجتياح ( داعش ) وسيطرتهم على المدينة ليكون عنوان المقال الاخير ( وداعا نينوى ) ظنا مني ان ابناء شعبنا سوف لن يعودوا الى الموصل وانا سوف لن اكتب عن الموصل مرة اخرى ...

بالرغم من انني لا اعرف الكثير عن تاريخ الموصل الحديث ولا عن حاضرها المعاصر ، حيث لم يتسنى لي ان اعيش فيها او ابقى فيها لفترة طويلة ، ولكن من خلال زياراتي الكثيرة لها تكونت عندي انطباعات كثيرة عنها جعلتني احبها كثيرا واشتاق الى زيارتها دائما ، ولربما لهذا كثرت زياراتي لها ولربما ايضا لهذا كانت كتاباتي عنها ..

وبالرغم من ان تلك الزيارات كانت كلها زيارات قصيرة استطيع ان اسميها خاطفة حيث لم تكن تستغرق سوى ساعات معدودة وفي احسن الاحوال يوم واحد او يومين اثنين ، ولكنها تركت في نفسي ذكريات جميلة لا تنسى لما كنا نشاهده في شوارع الموصل واسواقها خلال ما سأسميها هنا ( جولات التمشي ) ...

ومن خلال هذه الذكريات سأحاول قدر الامكان ان اعبر عما اريد ان اقوله في هذا الموضوع الذي هو حول ( تحرير الموصل ) ، ولهذا افضل ان اصنف زياراتي الى الموصل الى نوعين وهي حتما نفسها للكثير من الناس  :-

+ الزيارات القصيرة الخاصة :-

وكانت هذه الزيارات كثيرة ولأسباب عديدة لحضور مناسبات مختلفة منها خاصة ومنها عامة نذكر بعضا منها ..

- زيارات عائلية للأقرباء والاصدقاء حيث كان لدينا الكثير من الاقرباء والاصدقاء الذين كانوا يعيشون في الموصل ، وكان لزاما علينا ان نزورهم ونحضر مناسباتهم ، واما بعد الزيارة او خلالها وهذا هو المهم في هذا الموضوع الذي نحن بصدده ، فكان لا بد من جولة تمشي في اسواق الموصل للتسوق والتبضع او لقضاء بعض الوقت ...

- وقد تكون الزيارة لغرض زيارة قريب او صديق في المستشفى ، وايضا كان لا بد ان تتبعها جولة تمشي في اسواق وشوارع مركز الموصل ...

-  وقد تكون الزيارة لحضور مناسبة عامة كمهرجان الربيع الذي كان يقام في الموصل سنويا والذي كان يحضى بحضور جماهيري واسع حيث كان المهرجان الاكثر تنوعا في العراق ، وايضا كان لا بد بعد الاستمتاع بفعاليات المهرجان من جولة التمشي والتسوق في اسواق الموصل ...

-  وقد تكون الزيارة اساسا للتسوق والتبضع حيث كانت اسواق الموصل عامرة ويتوفر فيها كل ما يحتاجون اليه ابناء المناطق المحيطة بالموصل القريبة والبعيدة ، حيث كنا اذا ما احتجنا لشراء قميص نفضل الذهاب الى الموصل ، وبعد التسوق نقضي ساعات طويلة من التمشي في مركز الموصل ...

-وقد تكون الزيارة نزهة مع الاصدقاء ايام الشباب للتمشي في ( السرجخانة ) و ( الدواسة ) مرورا بـ ( باب الطوب ) لمشاهدة فلم مصري جديد في احدى صالات السينما ، او للتمتع بوجبة غداء دسمة في احد مطاعمها الشهيرة بالتكة والكباب التي كانت رائحتها تسيل اللعاب ، وحتما كان بعد هذه الوجبة الدسمة لا بد من جولة تمشي في مركز الموصل لهضم التكة والكباب التي التهمناها ...

- واخيرا قد تكون الزيارة للقاء بعض الاصدقاء الطلاب في الجامعة والاستمتاع بأجواء جامعة الموصل الرائعة والتعرف على اصدقائهم الذين كانوا من مختلف المناطق والقرى ومن جميع انحاء العراق ، فهذا من القوش او تلكيف وذاك من قرقوش او برطلة او كرمليس وقد يكون من عنكاوا او من زاخو او غيرها ، وهذا من الموصل او بغداد وذاك من البصرة او الناصرية او الديوانية ، وهذا من دهوك او العمادية وذاك من اربيل او السليمانية ، ومن اينما كانوا فهذا لم يكن يهم ولكن الذي كان الاهم هو اننا كنا نتوج لقاءنا بجولة تمشي في مركز الموصل واحيانا باعداد كبيرة لم يكن يتسع الشارع لنا جميعا لنسير معا ...

+ زيارات المرور في الموصل :-

لقد قيل ان اسم الموصل مشتق من التوصيل حيث انها توصل الاقاليم المختلفة ببعضها لأنها تتوسط هذه الاقاليم ، فهي توصل الشمال بالجنوب والشرق بالغرب والسهل بالجبل والقرية بالمدينة وما الى ذلك ...

وسواءا كان هذا صحيحا او لا ، لكني شخصيا لا استطيع ان اعد او احصي عدد المرات التي مررت بالموصل خلال سفري من الشمال الذي انا منه الى بغداد التي اصبحت اعيش فيها لاحقا ، وايضا من بغداد التي استقرينا فيها الى الشمال الذي كنا نحن اليه دائما ، حيث كان لزاما علينا ان نمر بالموصل ونتوقف فيها ، وكان لا بد من جولة تمشي سريعة للتسوق في مركز الموصل فمن ( باب الطوب ) حيث كراج بغداد الى ( الدركزلية ) حيث موقف سيارات الشمال مرورا من فوق ( الجسر الحديدي ) كنا نشق طريقنا بصعوبة من كثرة الازدحام ومن كثرة ما كنا نحمله من اكياس التفاح والبرتقال اوعلب السجق والحلقوم اوصواني البقلاوة وحلاوة خضر الياس او غير ذلك ...

ومهما يكن فأن جولات التمشي هذه في اسواق الموصل هي التي جعلتني احب الموصل واشتاق الى زيارتها دائما بالرغم من كل ما كنا نسمعه من النكات المضحكة والتعليقات المتداولة عن اهل الموصل ، لأن ما كنا نشاهده في اسواق الموصل من تنوع الناس وتنوع ازيائهم التي كانت تشكل لوحات فنية رائعة الجمال من الازياء المختلفة المتنوعة التي كانت تحول شوارع الموصل وارصفتها الى فسيفساء رائعة الجمال لا استطيع ان اصفها مهما حاولت وسوف لن استطيع من اعطاء صورة كاملة لكل ذلك التنوع ...

فهذا العربي بزيه المميز بعباءته الطويلة وعقاله المضبط وذاك الكوردي بشرواله العريض ويشماغه الملفوف بحسب منطقته فهذا الاربيلي السوراني وذاك الدهوكي البهديناني ، وهذا المسيحي الكلداني والاشوري والسرياني وكل بزيه المميز بحسب منطقته فهذا القوشي وذاك تلكيفي او بطناوي اوباقوفي او من تللسقف ، وهذا قرقوشي او كرمليسي او من برطلة وذاك من احدى قرى الشمال التي كل واحدة منها تتميز بأزيائها الخاصة بها ، وهذا الايزيدي البعشيقي والبحزاني او الشيخاني والباعذري وذاك السنجاري ذو الضفائر الطويلة ، وهذا التركماني التلعفري وذاك الشبكي وغيرهم لا يعدون ولا يحصون ...

كل هؤلاء كانوا يأتون الى الموصل ويحصلون على كل ما يحتاجونه من الموصل ويبيعون كل ما لايحتاجونه في الموصل ...

كل هؤلاء كانوا يتجولون في شوارع الموصل باختلاف اشكالهم واجناسهم وثقافاتهم ومعتقداتهم واديانهم ولغاتهم ولهجاتهم وازيائهم رجال ونساء صغار وكبار يتمشون بكل حرية واطمئنان ...

والاهم من هذا كان اهل الموصل بالمقابل يرحبون بكل هؤلاء ويأخذون منهم ويعطون لهم بكل رحابة صدر ...

كل هذا كنا نشاهده بأم اعيننا خلال زياراتنا القصيرة واثناء جولات التمشي في اسواق الموصل .

والان لنترك الذكريات ولنعود الى ما نريد ان نقوله الان حول ما يسمونه ( تحرير الموصل ) من عصابات ( داعش ) ..

بلا شك الكل يتمنى تحرير الموصل وطرد ( داعش ) منها وتخليص اهلها من افكارهم الخرافية ، والكل يرحب بعودة الموصل الى ما كانت عليه قبل ( داعش ) ...

ولكن السؤال الذي يبقى مطروحا بعد ان حصل ما حصل في الموصل هو من شقين :-

- هل سيتم تحرير الموصل فعلا بمجرد طرد ( داعش ) منها ؟؟؟

-   وهل سيعود اهل الموصل الى ما كانوا عليه قبل ( داعش ) ؟؟؟

واما السؤال الذي ابقى حائرا وعاجزا من جوابه فهو من ثلاثة اجزاء :-

-  هل ستعود شوارع الموصل لتتسع من جديد لكل هؤلاء الذين كنا نشاهدهم اثناء جولات التمشي ؟

-  وهل ستعود اسواق الموصل لتوفر كل ما يحتاجه كل هؤلاء الذين كنا نراهم اثناء جولات التمشي ؟

- وهل ستعود جامعة الموصل ليدرس فيها طلاب من البصرة والناصرية ودهوك واربيل والسليمانية ؟

ولكن يبقى السؤال الاخير الذي لا استطيع ان اتخيل له جواب :-

- كيف سيواجه من رحب بداعش ومن قبل بداعش ان لم نقل من تحول الى داعش مع من طرده داعش من الموصل ومع من استولى داعش على داره وممتلكاته ومع من دنس داعش مقدساته وانتهك عرضه وسبا نسائه واغتصب بناته ؟؟؟

لا اريد ان اسبق الامور واحكم ، ولكن ما اتمناه ان لا تكون نتيجة معركة ( تحرير الموصل ) مثل نتيجة عملية ( تحرير العراق ) ، وان لا يحدث في الموصل بعد ( التحرير ) ما حدث في العراق بعد ( التحرير ) .

  كتب بتأريخ :  الجمعة 21-10-2016     عدد القراء :  1599       عدد التعليقات : 0