المُعَمَّر حنا شيشا گولّا ܚܲܢܵܐ ܫܝܼܫܵܐ ܓܘܼܠܵܐ ( 1920- 2016)

أيُّ شيءٍ أكتبُ، والقلمُ في يدي يسبقني في الوفاء بجزء يسير من الدين الذي في رقبتي للرجلِ الراحلِ، لقد عرفته عن قربٍ طوال وجودي في ولاية مشيكان، وهو في شيخوخة عمره ولكنه محتفظ بذاكرة وقّادةٍ، عرفته انساناً يفيضُ قلبُه شوقاً ومحبة الى بلدته ومُلّته ووطنه المفدى" بيث نهرين"، وعرفته ضليعاً متمكناً من اللغة السريانية العريقة قراءة وكتابة، كيف لا وقد رسم شماساً على يد مثلث الرحمة مار حنا قريو بتاريخ 17- 6- 1942، فعاش عمره الطويل قارئاً وقوراً ذو صوت جميل، اضافة الى هدوئه الملائكي، ورزانته، وإندفاعه المستمر ليعطي كل ما عنده، وقد كان عنده من الكنوز الأدبية والتأريخية ما يكفي ويزيد.

لم يدّخر شيئاً إلّا وزودني به، فقضينا ساعات وايام وسنين نتحاور ونتناقش، وانا آخذ منه ما عزّ وندَرَ، وسجلتُ الكثيرَ من احاديثنا على أشرطة التسجيل، كان لا يملّ ولا يتعب من الإجابة الوافية لكل أسئلتي، ويا لكثرتها وتشعبها. إلتقيته بعد وصوله من العراق بعد حرب الخليج الاولى بفترة قصيرة، وكنت للتو قادماً من منفاي في جنوب الجزيرة العربية، وانا متعطش لأسمع عن بلدتي ووطني الذي أوجدَنا وقوَّمنا، فكان اللقاء الذي ساقته الأقدار إلينا. كتبنا معاً موضوعاً مشتركاً بعنوان( القوش منجبة البطاركة) في مجلة المنتدى لصاحبها الاستاذ فؤاد منّا وذلك في شهر آب 1996، وكتبَ مواضيع اخرى نشرت له في مجلات الجالية منها( هجرة بعض القرى الى القوش في ظروف مختلفة) و( ناحوم الألقوشي)، ومنها مخطوطة عندي: القوش في التاريخ وحتى ظهرت للوجود هذه البلدة، القوش مدينة مقدسة يشهد لها التاريخ، الاديرة في الكنيسة الشرقية منذ القديم وحتى يومنا هذا في منطقة وادي الرافدين، ܝܼܡܵܐ، ܩܨܬܐ ܫܘܝܬ݂ܝ݂ ܒܩܸܢܵܐ ܕܦܸܪܛܹܢܹ̈ܐ، وغيرها كثير.

كان يسجل بصوته المداريش والميامر والقصائد والقصص الملحمية على اشرطة التسجيل ويعطِها لي، وكذلك كان يكتب الكثير من الوقائع المهمة وزمن حدوثها ومواضيع اخرى متفرقة، وكان اهمها جميعاً( حوادث القتل والى آخرها في القوش في القرن العشرين) كل شيء حفظته وإستفدت منه كثيراً، ربما لولاها لما كتبت غالبية مواضيعي التراثية، ولما كان لكتابي الأول ان يولد عام 2001 بعنوان( الرئاسة في بلدة القوش) ، اذا سنحت الفرصة سانشر بعض تسجيلات احاديثنا في الانترنيت ان شاء الله.

كثير من المرات إلتقينا ومعنا رجل ثالث هو المرحوم صادق ممو رئيس الذي هو الآخر حدثني بالتفصيل عن حوادث مهمة وعن شخصيات اهل بيته الذين برزوا في القرنين الماضيين، وكذلك شارك جلساتنا احد الشعراء الموهوبين باللغة العربية وهو المرحوم أليشاع لازو، وبحوزتي شريط بصوته يقول فيه شعراً مقفاً، موزوناً، وبالغ الوقعِ والتأثير.

من اليمين صادق ممو رئيس، اليشاع لازو، حنا شيشا گولا، بعدستي عام 1993

اما عائلته الطيبة التي أشهد بأصالتها بدءً بزوجته حسينة بيبو دزّا( قوجا)، تلك الرائعة التي كان الراحل دائماً يتداول معها في امور كثيرة قبل تثبيتها، ولا غنى عن آرائها ابداً، والأكثر من ذلك استقبالها لي بفرح وسرور، وكل مرة تقول ان خالك حنا( جدتي من بيت گولا) موسوعة تاريخية وهو يعزّك كثيراً، ويشاركنا احياناً اولاده الرائعين داود، فيليب واسماعيل، وعندما يروننا منهمكين في احاديثنا لا يقاطعوننا بل ينصتوا بإهتمام، وهناك ايضا شقيقتهم الرائعة جانيت، واولاد داود الذين كانوا صغاراً في حينها، فعندما يرونني في الباب يتسارعون ليخبروا الجدّين بوصولي، وقد حفظوا جيداً اسمي، واحيانا يحلقون حولي ويداعبونني او يشاركوني لُعبهم ومقتنياتهم. كان ذلك البيت مضيافأ، يا لذكرى تلك الايام، ويا لحسرتي لرحيل هذا الصديق والعم والانسان الخلوق، المتواضع، الجميل بكل صفاته وقوة ذاكرته: الشماس القدير حنا شيشا صادق ميخائيل متي جونا عوديشو گولا.

حنا شيشا گولا وزوجته حسينة بيبو قوجا عام 1947

لقد كان يرتبط بصداقة خاصة مع المرحوم توما توماس وقد اهدى الاخير صورته وهو برتبة ضابط( ܕܲܒ ܐܸܡܵܐ) في جيش الليفي وبدوره الشماس أهداها لي، فارسلت صورة منها الى ابي جوزيف في الشام، فكان فرحه بها لا يوصف لانه لم يكن ليحتفظ بمثلها، وقد نشرتُها لاحقا في الانترنيت، ولا زلت محتفظاً بنسختها الاصلية وفي ظهرها الاهداء والمكان- الحبانية 1947. كان بيته قريباً من كنيسة ام الله في ساوثفيلد، وقد اختار هذا الموقع ليكون دائما فيها وأحيانا كان يغذي الخُطى اليها، وكان مطرانها أنذاك مار ابراهيم ابراهيم يحترمه كثيراً، وفي إحدى المرات( عام 2000) اسطحبه معه الى العراق فزارا بغداد وتلكيف والقوش، وكذلك كان باقي شمامسة ومؤمني الكنيسة من اصدقائه، منهم من رحل ومنهم من ينتظر، وجميعهم يشهدون بعلومه ومعارفه المتشعبة في حقول الأيمان والتُراث.

رحم الله امرئٍ لم يأت من فراغ، بل سليل اسرة متعلمة، تقية، ولها مواقف مشهودة، فجدّه المرحوم صادق( الملقب حمندي) كان مختاراً لمحلة التحتاني، ووالده المرحوم شيشا احد وجهاء القوش، وقد رسم شماساً ايضاً عام 1928، وقد بنى اول مدرسة ثانوية في القوش ما زالت قائمة حتى اليوم، بل الكثيرون من مختلف الاختصاصات والكفاءات تخرجوا منها.

من اليمين: نبيل يونس دمان، جورج جبوري خوشو، حنا شيشا گولا، سليمان صادق اودو في بيتنا بساوثفيلد عام 1994

غفر الله له،  فقد كان صاحب رسالة، حملها بإخلاص وامانة، ستبقى القوش تتذكره كأحد نجومها ومحبيها بعمق واقتدار حتى الرمق الاخير من حياته، يوم امس الأول لبِست ديارُ بيت گولا الحزن بأفول هذا النجم الساطع، وقد وضع شجرة تلك العائلة الطيبة في عام 1952، وجمع بأناةٍ معلوماتها وخطّ الاسماء الزاهية على اوراقها وغصيناتها حتى جذرها عوديشو القادم من قرية بيوس عند سفح سلسلة جبلنا في عام 1738 الى القوش المجد والحضارة.

[email protected]

كاليفورنيا في 4 تشرين الاول  2016

  كتب بتأريخ :  السبت 05-11-2016     عدد القراء :  2441       عدد التعليقات : 0