كلمتي في رثاء البروفيسور جورج أبونا

أيها الحفل الكريم: اسعدتم مساءً

أتحدثُ إليكم عن إنسانٍ قَويُّ الإرادةِ، ذَكيٌّ بالفِطرةِ، وُلدَ في بلدةِ القوش عام 1933، وفي كَنْفِ بيت ابونا المعروف، منذُ قرونٍ طويلةْ، لقد كُتب الكثيرُ عَنهُ، وأُجريَت لهُ العَديدُ، من المقابلاتِ، من قبل: رعد ابونا قبل حوالي 15 سنة، على صفحات مجلة القيثارة في مشيكان، المرحوم سعيد سيبو في مجلة حمورابي عام 2011 في سان دييغو، ونشأت دمان على موقع القوش نت عام 2012، والتي حفّزت الكاتب احمد الصراف، ان يكتبَ مقالةً مهمة عن عمل الدكتور في الكويت كأحد كِبارُ جرّاحيها على صفحات جريدة القَبَسْ. متأكدٌ من انَّ المتحدثين هنا، سوف يعطون الموضوعَ حقّه، ونقطة اخرى مهمة، انَّ ابناءَ جيلي، لم يعرِفوا، أو يروا، أو يعيشوا، مع الدكتور عن قُربٍ، نظراً لمغادرتِه العراقَ، قبل ان ترى عُيونُ أكثرنا النورَ، لذلك أُفَصّلُ في كلمتي، موقعَ اسرتِه المتميِّزِ في القوش.

بيتُ عَمّون الذي سمي فيما بعد بيتُ الأب او أبونا، يعودُ أصلَهم الى بغدادَ حتى زمنِ الفتوحاتِ الأسلامية، حيث بَعْدَها شَدّوا الرِحالَ، الى مدينةِ حلَبْ السورية، فمَكثوا فيها بضعةَ قرونٍ، ثم عادوا الى بلادِهم بين النهرين، واستقروا في القوش عام 1426 تلكَ البلدةِ التي يرجعُ تأريخُها، على أقلِّ تقدير،ٍ الى القرنِ السابعِ قبل الميلاد، حيث وُلد النبي ناحوم، من عائلةٍ يهوديةٍ مَسبيَّةْ، من أرضِ الميعادِ.

نظراً لإمكانياتِ تلك العائلة المُتميِّزَة، تصدَّروا التأريخَ الكنسي الشرقي للقرونِ اللاحقةِ، إبتداءً من وصولِ مار طيماثيوس، الى السدةِ البطريركيةِ، لكنيسةِ المشرقِ العَريقةْ عام 1314، وتوالى بعدَها البطاركةُ، من صلب تلك العائلة حتى عام 1838، عند موت البطريرك مار يوحنان هرمزد. في سنة 1653 حدثَ صراعٌ دَمَوي داخلَ العائلة، فنزحَ شطرٌ منهم الى سلامَس في ايران، ثم استقرَّ بهم المقامَ في بلدة قوجانس مَركزُ القبائلِ الآشوريةْ المُستقلةْ، هناك اصبح ابن الشماس دنحا المُلقّبْ( ܕܸܢܚܵܐ ܩܵܛܘ̇ܠܵܐ) ، بطريركاً فيها باسمِ مار شمعون دنحا( 1692- 1700) ، وتسلسل البطاركة بعدَهُ حتى عام 1975، عند مقتل البطريرك مار شمعون ايشاي.

كان البطاركةُ مِن بيتِ أبونا، يرسلون بإنتظامٍ الاساقفةَ والرهبانَ الى الجهاتِ الأربعْ، فواصلوا مهامِهم الرَعويّةَ والخدميّةَ، لجموعِ المؤمنين في تلك الاصقاعِ، رغم بعدِ المسافاتِ، ووعورةِ الطُرقاتِ، إضافةً الى تعرُضِهم الى المَخاطِرِ، فتحمّلوها ببأسٍ وعزيمةٍ، من أجلِ دينِهم، هكذا وصلوا الى الشام، حلب، الجزيرة العربية، الهند، بلاد العجم، ارمينيا، نصيبين، القدس، قبرص، وغيرهما.

في القوش عَرِفناهم عن قُربٍ، فقد شغلوا بيوتاً قربَ كنيسةَ مار كوركيس في محلة قاشا، من الحوش العلوي(ܕܲܪܬܵܐ ܥܠܝ݂ܬ݂ܵܐ) الذي فيه قنطرةً طويلةً، يجلس امامها بناتَ بيت ابونا الحسناوات، فسُمِّيَ البابَ ببابِ البَناتْ(ܕܲܪܓܵܐ ܕܸܒܢܵܬ݂ܵܐ) وعِبْرَ الشارع الحوش السفلي( ܕܲܪܬܵܐ ܟ݂ܬܝ݂ܬ݂ܵܐ) ثم قنطرة مار ايليا، وبيوت متّايا المجاورة التي كان يعلو بابَها كتابةٌ بالإسترانگيلّا.

من أبرزِ رِجالاتِ تلكَ العائلَة:

1-  القس حنا الذي سُميّت إحدى الوِهاد الجبلية بإسمهِ( گليه دقاشا حنا) وهو والد احد البطاركة الأبويين.

2- مار ايليا ابونا( 1862- 1955) الذي رُسمَ مطراناً في قوجانس، عام 1908 بوضعِ يدِ البطريرك الشهيدْ مار شمعون بنيامين( 1903- 1918) . لقد كان احد اعضاء الوفد الاشوري، الى تفليس خريف 1917، هناك اُحسِن استقبالهم من قبلِ عَمُّ القيصرِ وزوجتِه، ثم وصلت برقية من قيصر روسيا نيقولا الثاني آل رومانوف، الى مار شمعون بنيامين، هذا نصها( سَمعتُ بان ترابَ مَملكتُنا قد تبرّكَ بآثارِ قدميكِ المُقدستين، بارِكْ بيتَنا وقواتَنا، بارِكْ روسيا كُلَّها" .

3- الشماس حنيكا زكور ابونا، الذي كان مُتعلماً وضَليعاً باللغات: السريانية، العربية، الكردية، والتركية، قراءة وكتابةً، فعمِل كاتبا عند الچاويش التركي، وكانت له مواقفَ مَشهودة.

4-  كاتب مُجَلّداتِ الصلوات(ܚܘܼܕܼܪܵܐ) الشماس يوسف توما رحيثا، فكان خطّهُ ساحراً، وزخارفهُ جميلةً.

5- عُرف ايضاً بكّو أبونا، حيث عاش في البلدة تلكيف، اكثر من عشرين عاماً، وهو يعمل في دائرة البريد والبرق، وقد احبّه التلكيفيون، لخفة دمه، رجاحة عقله، وانفعالاته العفوية، ولا زالوا يتحدثون عنه مُعاصريه، في مجالسهم هنا في اميركا.

6- الضابط العسكري في جيش الليفي، الذي شكله البريطانيون، إبّان احتلالِهم للعراق، بعد ان وَضعتْ الحرب الكونية الأولى أوزارَها، وهو الضابط قائد المئتين( ܪܲܒ ܬܪܝ݂ ܐܸܡܵܗ) ياقو ابونا، وقد كان صديقا للضابط قائد المئة( ܪܲܒ ܐܸܡܵܐ) الألقوشي الآخر توما توماس.

7- الشاعر الشعبي متي سليمان ابونا( 1905- 2003) حيث له ديوانٌ مخطوط بعنوان البنّا( ܒܲܢܵܝ݂ܵܐ) ومن جميلِ اشعارِه قصيدة عين السقَّى(ܐܝ݂ܢܵܐ ܕܣܲܩܵܐ) التي مطلعُها:

ﮔو ألپا وتشائِمــــــــَّــه             طلاثي خِنّي رّيشي

أويرَن ﮔو شاتـَه خـَثته             خوشابا مْعيودَيـــي

بأيذد دنحا ﭙَلگايـــــــــا            شوئَه بكانون خَرايَه

مْشوريلَن قَم طﭙايــَـــه            لمَپوقِه دأينِ دْمايَــــه

8- الأديب والمَطبعي موسى حبيب ابونا، وهو مُترجم كتاب اقتصادي، لكارل ماركس، من الانكليزية الى العربية، في ثلاثينات القرن الماضي، ومن الاوائل الذين انخرطوا، في الحركة الوطنية العراقية.

9- صبحي ابونا في إجادته فتحَ الفالْ ومعرفة المآلْ، وكأنه الراهبَ المُبْحِرُ(ܪܲܒܲܢ ܒܚܝ݂ܪܵܐ) فكنت ترى السيارات الفارهة، تأتي اليه من انحاء العراق، ايام الحرب العراقية- الايرانية، ليُطمئِنَ قلوبِهم على ابنائِهم، في جبهاتِ الحربِ.

10- المؤرخ الراحل، هرمز موسى أبونا( 1940- 2009)، الذي كان كتلةً من النشاطِ والحيويةِ ، وضع عدةَ مُجلداتٍ ضَخمةْ بعنوان( الآشوريون بعد سقوط نينوى) وقد كتبها من خلالِ بحوثٍ جادّةْ، وقراءاتٍ معَمَّقَةٍ، في أُمَّهاتِ الكتبِ، والمصادرُ الموثوقة. غداةُ وفاتِه، كتبتُ قصيدةً فيهِ، بلُغتي الدارجة" السورث" ، اليكم مقطعٌ منها:

ريشُخْ أيريمَه شْوُقلـُــخ        وْپّوخَه وْهَرّهْ لَكِبْلـــُـــــــخْ

قـَنْيَه بِّديْوثـَه طْمِشْلـُــخْ        ودِمَّه دجونقِهْ مُرثِخلـُــــخْ

بـِطْلاثه قنومِه دْمَريَـــهْ        كْيَصريلِهْ كِمَّهْ دْأرْيَـــــــهْ

كـُل گيانَه موثـَه پْخَزْيَهْ        وگو پْرشتُخْ أُمثـَه گبَخيَـهْ

11- المحامي يعقوب جرجيس ابونا، الذي يرفد المواقع الالكترونية، والاعلام، بمقالاته وبحوثه النوعية، في مختلف المواضيع، والعُقد التي يطرحها العصر، وهو يتخذ من دولة هولندا، محلاً لإقامته مع العائلة.

12- وَهَب بيتُ ابونا، إثنين من خيرةَ أبنائهِ، شهداءً على طريق الحرية، والعدالة الاجتماعية وهم: الشهيد العريف توما ياقو ابونا 1963، والشهيد المهندس جبرائيل عبد الاحد ابونا 1980.

يطول الحديثُ عن بيت ابونا ويتشعَّبُ، وفي العقود الاخي، ترك اكثرهم بلدهم العراق، بسبب الظروف الصعبة، واستقر اكثرهم في اميركا، ولهم تقليد جميل، بدأوه في بغداد، ولا زالوا مستمرين عليه، حيث يتجمعون كل سنة بينهم، في جلسات او حفلاتٍ، فيتعرفون اكثر على بعضِهم، ويُعيدون ويجددونَ، أمجادِهم السالِفة.

الرحمةُ والغفرانُ للدكتور جورج منصور ابونا، الألقوشيُّ اللامع، في مجالِ، زرع الكلى والبنكرياس، والانساني ذو القلب الكبير، الذي ساعد آلاف المرضى، ليعيشوا اعماراً إضافية، كان متجذراً في اصولِه، وحافظَ على تلك الأصالة، ووظفّها بتواضعٍ جَمْ، ايضاً هو مفخرةٌ لبيتِ ابونا، الذي نشأ فيه، سيبقى إسمه خالدأ، وسَتصطفُّ ملائكةُ السماءِ، لاستقبالِه بالصُنوجِ والمزامير.

نبيل يونس دمان

[email protected]

كاليفورنيا في 10 تشرين ثاني 2016

  كتب بتأريخ :  السبت 12-11-2016     عدد القراء :  1480       عدد التعليقات : 2

 
   
 

نبيل يونس دمان

انت من تلك الارومة وفي القلب دائما أستاذ يعكوب


يعكوب ابونا

الاخ العزيز نبيل دمان المحترم
ببالغ التقدير والاحترام
اشكرلك حضورك وعطائك في حفل تابين ابن عمنا العزيز الدكتور جورج ابونا لما قدمته من كلمة معبره بحق وكما هو عهدنا بك دائما .. اطلب من رب المجد ان يمنحك الصحة والسلامة ويبعد عنك وعن عائلتك الكريم كل مكروه وشر وشبه شر ، وليحميكم ربنا يسوع المسيح له المجد..
اخوك يعكوب ابونا
هولندا