(( لِكُلّ جَعَلْنا منكم شِرعة ومنهاجا ))

قال تعالى: (( وأنزلْنا إليك الكتابَ بالحقّ مصدّقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عمّا جاءك من الحقّ لكلّ جعلنا منكم شِرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمّة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون )) المائدة: 48

 شِرعة لغة كما جاء في معجم الصحاح لاسماعيل الجوهري، ((شرع: الشريعة: مشرعة الماء، وهو مورد الشاربة. والشريعة: ما شرع الله لعباده من الدين، والشِرعة: الشريعة ومنه قوله تعالى (( لكل جعلنا منكم شِرعة ومنهاجا ))...))

ومنهاج من نهج، يقول صاحب معجم الصحاح: ((نهج: النَهْج: الطريق الواضح، وكذلك المنهج والمنهاج، وأنهج الطريق، أي استبان وصار نهجا واضحا بيّنا.. وقال أبو عبيدة: ولا يقال نهج، ولكن أنهج. ))

يقول الشيخ محمد جواد مغنية في ( التفسير الكاشف ):

(( الشرعة والشريعة في اللغة هي الطريق إلى الماء، أو مورد الماء ثم استعملت فيما شرعه الله تعالى لعباده من الأحكام العملية، لأن كلا من الماء وأحكامه تعالى سبب للحياة، والمنهاج الطريق الواضح، وكلمة الشريعة أخص من كلمة الدين لأن الدين يشمل الشريعة وأصول الدين.))

ويقول السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسيره ( الميزان ج5 ) وهو يبين سبب نزول الآية ( 48 ) من المائدة، أن الآية الكريمة نزلت (( في طائفة من أهل الكتاب – من اليهود – حكّموا رسول الله ( ص ) في بعض أحكام التوراة وهم يرجون أن يحكم فيهم بخلاف ما حكمت التوراة فيستريحوا إليه فرارا من حكمها .. لكن الرسول ( ص ) أرجعهم إلى حكم التوراة فتولوا عنه . . . والآيات مع ذلك مستقلة في بيانها غير مقيدة فيما أفادها بسبب النزول )).  أي لا يتقيد حكم الآية بسبب النزول بل حكمها عام، وسبب النزول في هذه الآية أو غيرها من الآيات إنما هو أحد مصاديق معنى الآية، (( لإن القرآن كتاب عام دائم لا يتقيد بزمان أو مكان )).

ويقول الفقيه ( جزايري ): الشرعة والمنهاج في الآية والمنسك في قوله تعالى:

(( لكل أمة جعلنا منسكا هم سالكوه )) الحج: 67 ،(( هي الحدود التي رسمها الله تعالى في كل الرسالات الإلهية التي جاء بها الانبياء ( ع )، وهذه الحدود والمنهاج والمنسك والشرعة هي الحلال والحرام والأحكام الإلهية أي هي الفقه والشريعة... نستفيد من الآية الكريمة أن الإنسان لن ينال القيمة الكبيرة والموقع الخطير الذي أعده الله تعالى له إلّا من خلال الالتزام الدقيق بحدود الله تعالى. أي نستفيد أن نتقي الله تعالى ونذكره، وهذا حثّ للانسان أن يسير في الطريق المستقيم الذي يرقى به إلى لقاء الله تعالى.))،ويقول صاحب (التفسير الكاشف) :

((لكل جعلنا منكم شرعة شرعة ومنهاجا))، ((خطاب لجميع الناس، أو للأمم الثلاث: اليهود والنصارى والمسلمين، وشِرعة الشريعة، هي الأحكام العملية التي يمتثلها الانسان طاعة لله، وابتغاء مرضاته وثوابه.. وهذه الآية نص في أن شريعة الله لم تكن واحدة لكل الناس في كل العصور وأنها كانت فيما مضى مؤقتة بأمد محدود، وأن الأديان تتفق وتتحد في أصول العقيدة فقط، لا في الشريعة. ))

ماذا نستوحي من الآية الشريفة؟

نستوحي أن الإختلاف سُنّة إلهية، وهو مظهر لاستمرار الحياة، ولا يعد إختلاف إنسان عن آخر مبررا لهجوم المختلفين بعضهم على البعض الآخر، وأن من يحكم بين المختلفين الله وحده ورسوله الكريم ((فاحكم بينهم بما أنزل الله))، وأنه تعالى هو الهادي والحاكم بالعدل، والنبي (ص) هو من يبغلّنا ما يريد الله منّا، ومن بعده الأئمة الأطهار (ع)، فهم من أناط الرسول (ص) إليهم مسؤولية الاسلام من بعده بتكليف إلهي، فهم معصومون في التسلّم من الرسول (ص)، وفي تسليم وتبليغ الاسلام سالما من التغيير والتزييف والتحريف بلطف ربّاني.

الله تعالى أراد لخلقه أن يكونوا مختلفين.((ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة))، لكن حكمته اقتضت ذلك ((ليبلوكم)).الله تعالى خلقنا وخلق الكائنات أجمع وخلق الكون وفق إرادته ومشيئته، وخلق  لمخلوقاته سننا وقوانينا منظورة وغير منظورة لاستمرار الحياة، والإنسان تميّز عن باقي المخلوقات أنه يسير وفق منظومتين من السنن والقوانين، الأولى: منظومة السنن الخلقية القهرية التي تعمل خارج الإرادة، والتي يتوحد فيها مع بقية المخلوقات في خضوعها لسنن الله القهرية الفطرية الغريزية، وجميع أجهزة الانسان وحواسه تعمل وفق هذه المنظومة، فاجهزتنا الداخلية مثل الجهاز العصبي أو الهضمي والحواس كحاسة السمع والبصر إلى غير ذلك من الحواس والاجهزة تعمل وتؤدي دورها خارج إرادة الانسان، في هذا الجانب يتوحد الانسان في الخضوع لقوانين الله وسننه قهرا مع بقية المخلوقات، وهذا القهر الخلقي هو علّة استمرار الحياة، وهذه السنن والغرائز تنتقل من جيل إلى آخر وفق قوانين الوراثة التي خلقها الله تعالى، وأي تغيير أو خرق في هذه السنن والقوانين الطبيعية التي أودعها الله في مخلوقاته تظهر نتائج جديدة وفق سنن وقوانين أخرى كلها من خلقه وتحت إرادته ومشيئته تعالى، وقد تكون نتائج التغيير إيجابية، وقد تكون سلبية تؤدي إلى الهلاك حسب المسارات الخلقية تحقيقا للإرادة والمشيئة الإلهية، ولن يحصل تعطيل أو خرق في القوانين والسنن الفطرية الخلقية والنتائج المتولدة منها إلا بإرادة إلهية مباشرة، ومثل هذا الامر يسمى اصطلاحا بالمعجزة.

قال تعالى: (( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون )) يس: 82

وقد تحقق مثل هذا الأمر لأنبياء الله تعالى، منهم نبي الله إبراهيم (ع) عندما أُلقي في النار، إذ لم تحرقه النار (( قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم )) الانبياء: 69

أما المنظومة الثانية من السنن والقوانين، فهي التي يكون فيها الانسان حرّا في الاختيار، ويكون أيضا مسؤولا عن فعله ونتيجته سواء كانت النتيجة متوافقة مع إرادة الفاعل أو غير متوافقة، وقد جاء في القرآن عدد من الآيات التي أشارت إلى هذا الجانب منها: (( ربّنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل )) فاطر: 37

(( إلى الله مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون )) المائدة: 48

(( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)) الكهف: 29  

((من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون)) الروم:44

(( ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم )) لقمان: 23

 نستوحي من الآيات، أن الله تعالى ترك للإنسان حرية الاختيار في معتقده وفكره ودينه، وحمّله مسؤولية فعله، لكن الرحمة الإلهية دائما ترعى الإنسان ولن تتركه لذاته، بل دائما ما يذكرنا الله تعالى بطريق الخير ويدفعنا إليه بوسائل عديدة منها الفوز بالجنة في الآخرة، ويحذرنا من طريق الشرّ وعواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة، يحثنا ولا يجبرنا، يحذرنا ولا يُكرِهنا، ويبصّرنا بطريق الخير الذي يوصلنا إلى نعيم الجنة، كذلك يحذرنا من طريق الشر الذي يؤدي بنا إلى عذاب النار في الآخرة، إنه تعالى رؤوف رحيم، فأرسل الانبياء مبشرين ومنذرين، لكنْ من غير إكراه، قال تعالى:(( لا إكراه في الدين قد تبين الرّشد من الغيّ )) البقرة: 256

الإنسان مخير بين أن يؤمن أو يكفر، وحتى المؤمنون بالله ليسوا من لون واحد،  تعددت الأديان، بل تعددت المذاهب في الدين الواحد، وهذا الإختلاف سُنّة إلهية لابد وأن تتحقق بقوانينها ونتائجها، علينا أن نفهم أن الإختلاف إرادة وسنّة إلهية، الله تعالى أراد للإنسان أن يختار الشِرعة والمنهاج الذي يريد من غير جبر أو إكراه، لكن هل يدرك الانسان هذه الحقيقة؟ الكثير من الناس للاسف يتجاهلون حقيقة الاختلاف، إذ نرى التهديد بين المختلفين، وعدم قبول الآخر، خاصة من قبل أدعياء الدين من التكفيريين، والله تعالى يقول: (( لكلّ جَعلْنا منكم شِرْعة ومنهاجا )).

الآية الكريمة تفنيد لمزاعم التكفيريين الذين يدّعون احتكار الدين واحتكار الحقيقة، فهم يسقطون كل فهم يختلف عن فهمهم، ومنبع التكفير هو المذهب الوهابي، وكل مسلم لا ينتمي لفكرهم فهو كافر أو مرتد، فأنتجوا وفق هذه الرؤية الوهابية المتخلفة العشرات من منظمات الإرهاب التي تريد فرض الفكر الوهابي بالقوة على المختلفين، الاتجاه الوهابي التكفيري شوّه صورة الإسلام وأساء إليه وإلى المسلمين جميعا، وقدم خدمة كبيرة لأعداء الاسلام، هذا الانحراف في الفكر لابد وأن يقف بوجهه اليوم من يفهم الإسلام الأصيل، ويفهم ماذا يريد الله تعالى من الإنسان؟

أراد الله لنا أن نؤمن به تعالى، ونسير في اتجاه الخير والصلاح، ورغّبنا في ذلك رحمة منه تعالى، وترك لنا حرية الاختيار في العقيدة والفكر والفعل، نحن مسؤولون بأفعالنا أمام الله تعالى، وحكمته وسُنّته أن نكون مختلفين:

(( لكلّ جعلْنا منكم شِرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم )).

  كتب بتأريخ :  الإثنين 21-11-2016     عدد القراء :  904       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 


 
مبروك تخرج ديماس سمير گُلاّ من جامعة اوكلاند في ولاية مشيگان قسم علوم الكمبيوتر
Congratulations on Dimas Samir Gulla's graduation from Oakland University with a Bachelors of Computer Sci...التفاصيل