مشاكســــة عيــــد الفاســــدين
بقلم : مال اللـــــه فـــــرج
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

[email protected]

..............................

لعل من بين عجائب وغرائب هذا الزمان الذي فشل فشلا ذريعا في تطبيق بنود الاعلان العالمي لحقوق الانسان ان يحتفل المجتمع الدولي في التاسع من كانون الاول من كل عام باليوم العالمي لمكافحة الفساد، بنفس الوقت الذي تحتفل فيه حيتان الفساد الكبيرة بما التهمته من حقوق الشعوب دون ان  يطالها العقاب ودون ان يستدل طريقه اليها القانون بفضل الحصانات مختلفة الانواع والاشكال حتى امسى بعض الحكام والوزراء والبرلمانيين في مختلف الدول لاسيما الجائعة والخانعة منها ابطالا غيارى لا يباري بطولاتهم اشجع الفرسان عبر التاريخ في سرقة المال العام وفي ابتلاع حقوق شعوبهم بنفس الوقت الذي يتاجرون فيه بشعارات الحرية والعدالة والمساواة والتوزيع العادل للثروات.

فمنذ ان اعتمدت الجمعية العامة للامم المتحدة ، في 31 تشرين اول 2003، اتفاقيتها الدولية لمكافحة الفساد، وهذا السرطان الفسادي الشره اخذ يتناسل  وينقسم ويتكاثر باسرع من الصوت والضوء وبأسرع من موافقة هذا البرلمان او ذاك على امتيازات اعضائه على حساب الحقوق الدنيا للفقراء والجياع والمعدمين، حتى امست قيمة الرشا دوليا تصل

سنويا ، وفقا لاحصائيات المنظمة الدولية ذاتها إلى تريليون دولار، فيما تصل قيمة المبالغ المسروقة بطريق الفساد إلى مايزيد عن ترليوني  ونصف ترليون دولار، وهذا المبلغ يساوي خمسة في المائة من الناتج   العالمي، اما في البلدان النامية، وبحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، فتقدر قيمة المبالغ المفقودة بسبب الفساد بـ10% من اجمالي مبالغ المساعدة الإنمائية المقدمة، اي ان قيمة المبالغ التي تلتهمها كواسج الفساد وحيتانه الكبيرة سنويا ثلاثة ترليونات ونصف ترليون دولار، ولو وزعنا هذا المبلغ على الجياع في العالم البالغ تعدادهم (80،000،000) ثمانين مليون جائع، لكانت حصة كل جائع (43750) ثلاثة واربعين الفا وسبعمائة وخمسين دولارا سنويا ولقضينا على الجوع فوق سطح كرتنا الارضية تماما ، اما لو وظفنا هذا المبلغ الكبير الذي تلتهمه حيتان الفساد حول العالم سنويا في بناء مستشفيات ومراكز طبية حديثة لعلاج مرضى السرطان وهم بحدود (16) مليون مصاب ربما لامكن الجهات المعنية علاجهم وتخفيف الامهم وانقاذ حياة بحدود ثمانية ملايين مصاب من الوفاة سنويا.

اما لو وظفنا هذا المبلغ (الخرافي) لبناء دور لايواء الاطفال المشردين في الشوارع وصيانة كرامتهم الانسانية وتحصينهم من الانزلاق نحو مهاوي الانحراف والعنف والجريمة والارهاب وحمايتهم من الاستغلال الجنسي والمتاجرة باعضائهم الجسدية لكنا قد انقذنا ، وفقا لدراسة امريكية، حياة وكرامة أكثر من 100 مليون طفل مشرد ومتسول في العالم تتراوح اعمارهم بين ست وثماني سنوات غالبيتهم من الاناث، أربعة ملايين منهم يعانون من الشلل الدائم بسبب العنف الذي يتعرضون له أو إصابتهم بجروح نتيجة الحروب المحيطة بهم، وأربعة ملايين طفل آخر يعيشون لاجئين في المخيمات ، والباقي موزعين على الشوارع والإصلاحيات والسجون في مختلف أنحاء العالم .

اما بلادنا فقد (نحجت) بهمة و (نزاهة) بعض المسؤولين (الغيارى) ان تنتزع موقعا (مميزا) لها في هذا الميدان (الحيوي) حيث جاءت ضمن قائمة العشر دول الاشد فسادا في العالم التي تصدرتها الصومال بالاشتراك مع كوريا الشمالية وفقا لمنظمة الشفافية الدولية، في وقت يمثل فيه العراق واحدا من اغنى البلدان المنتجة والمصدرة للنفط حيث نجح وربما لاول مرة في تاريخه لتجاوز حاجز تصدير اربعة ملايين برميل من النفط يوميا ، يقابل ذلك مفارقة تتمثل باننا بتنا من بين افقر شعوب المنطقة ، حيث سبق ان افادت بعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي)، إن (6) ملايين عراقي ما يزالون يعيشون تحت مستوى خط الفقر وتضطر فيه الحكومة الى تسول المساعدات الخارجية من جهة واستقطاع نسب من رواتب الموظفين والمتقاعدين من جهة اخرى  لسد جزء من العجز في ميزانيتها في وقت يعيش فيه بعض المسؤولين غنى فاحشا يحول حياتهم لاشبه باجواء الف ليلة وليلة ويهرب فيه سراق المال العام بجوازاتهم الاجنبية الى الخارج بعيدا عن المساءلة ليستمتعوا بالمال (الحلال) الذي  اختلسته اياديهم (البيضاء) في حين تحظى الكثير  من حيتان الفساد في الداخل بمظلات الحماية السياسية في وقت تجاوزت فيه نسبة البطالة وفقا لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية الـ 25 بالمائة.

في خضم اعصار الفساد هذا، كشفت الكثير من وسائل الإعلام الغربية عن تقارير تؤكد أن حجم حسابات بعض المسؤولين السابقين في العراق يصل إلى 220 مليار دولار، لافتة إلى أن هذا المبلغ يكفي لتغطية موازنة البلاد للأعوام الثلاثة المقبلة، من دون ان يضطر لبيع ولو برميل نفط واحد،    في حين طالبت عضو في اللجنة القانونية البرلمانية بعقد معاهدات دولية لاسترداد الأموال المنهوبة، وعزل المسؤولين مزدوجي الجنسية، مؤكدة ان المبالغ المسروقة أكبر بكثير من 220 مليار دولار، كما   كشفت اللجنة الاقتصادية  النيابية من جانبها، عن وجود 9000 مشروع متوقف منذ عام 2005. مؤكدة ان شخصيات حزبية متنفذة استحوذت على المليارات من اموال المشاريع المتلكئة، ولعل الادهى والامر وسط عجائب الفساد وغرائبه عدم وجود حسابات ختامية للميزانيات السنوية بحيث يتعذر على المسؤولين المعنيين والاهم على الشعب وممثليه معرفة اوجه صرف تلك الميزانيات ونسبة المبالغ المسروقة (بحسن نية) ، حيث (نجحت) على سبيل المثال ميزانية العراق لسنة 2014 والبالغة بحدود (150) مليار دولار في الهرب والاختفاء في جهة مجهولة دون ان يستطيع الشعب ولا  ممثليه من اقتفاء اثرها او التعرف على اوجه الصرف فيها ، ولا محاسبة او مساءلة المسؤولين المعنيين عن حساباتها الختامية واوجه الصرف ولا عن الحسابات الخاصة في البنوك الاجنبية التي حطت بعض مبالغ تلك الميزانية المشاكسة الرحال فيها، وربما البعض ممن تسبب في هدر تلك الميزانية (المتواضعة) التي ربما تشكل مجموع الميزانيات السنوية لخمس من دول المنطقة ، ما يزال يتاجر بشعارات النزاهة ويسوق (بضاعته) الكاسدة حول المساواة وحرمة المال العام والتوزيع العادل للثروات في وقت ما تزال تتناسل فيه المصائب والويلات وتواصل فيه حيتان الفساد ابتلاع الثروات.

في ضوء كل ما تقدم يبقى السؤال الاهم والابرز والاشد الحاحا ، المطلوب؟؟؟

بعيدا عن اتهام اي جهة او حزب او شخصية مسؤولة ، وازاء فشل الاجهزة المعنية لوضع حد للفساد ومساءلة حيتانه الكبيرة منها قبل الصغيرة واستعادة الاموال المسروقة نظرا لاصطدامها بالمصالح السياسية وبمظلات الحصانات والحمايات المختلفة وبالميليشيات وربما بالتهديدات المباشرة وغير المباشرة وبالاغراءات المختلفة ، وربما بالاتهامات الجاهزة، لابد من لجنة تحقيقية دولية منصفة تمتلك صلاحيات تطبيق قانون (من اين لك هذا) على الجميع دون استثناء ، ومتابعة خط سير الميزانيات السنوية والواردات والاموال الي دخلت العراق منذ سقوط النظام الدكتاتوري البائد ولحد الان والاطلاع على الحسابات الختامية وتدقيقها ومراجعة العقود وجولات التراخيص النفطية ومتابعة النمو الفضائي السريع والمذهل لثروات البعض منذ تسلمه المسؤولية لحد الان وتدقيق الشهادات الدراسية للمسؤولين كافة ورصد حساباتهم في البنوك الاجنبية ومساءلة المعنيين عن تلكؤ مختلف المشاريع واستعادة الاموال المنهوبة من البنوك الاجنبية ، الى جانب قضاء دولي حازم يمتلك صلاحيات مفتوحة في مقاضاة سراق المال العام الذين هربوا بغنائمهم للخارج.

بين هذا وذاك لابد من تاكيد حقيقة ان الفساد يمثل رافدا مهما وحيويا ومباشرا من روافد دعم العنف والارهاب والجريمة المنظمة ومعاناة قطاعات واسعة من الشعوب هنا وهناك لاسيما الفقراء والمعدمين ، وان النفاق الدولي وعدم المصداقية الدولية في التصدي للفساد والفاسدين ، ولذلك فان اعصار الفساد لايزال يواصل عصفه في جميع الاتجاهات مما يستلزم موقفا دوليا حاسما وحازما وفعالا ، اما في اوضاعنا الراهنة وفي ظل المواقف الدولية المائعة وغير الفعالة ، فما يزال بمقدور الفاسدين سرقة الجمل بما حمل دون ، وحيث نحتفل باليوم العالمي لمكافحة الفساد ، فان الفاسدين الذين امنوا  المساءلة والعقاب ، ربما سيحتفلون هم ايضا في اليوم نفسه بعيدهم السنوي ابتهاجا بافلاتهم من العقاب ، عيدكم مبارك، و مبارك لشعوبكم خيبة رؤسائهم وحكوماتهم وبرلماناتهم وقضائهم وهيئات نزاهتهم، وكل عام والفساد والفاسدون وشركائهم بخير.

  كتب بتأريخ :  الجمعة 09-12-2016     عدد القراء :  1328       عدد التعليقات : 0