كي لا يعود الماضي

ما أن تنشر فيلماً أو صورة أو بوستاً في أحد مواقع التواصل الاجتماعي، تذكّر فيه بجرائم صدام ونظامه، حتى ينبري اليك الكثير من المعلقين بالقول: وهل الذين أتوا بعده أفضل حالا؟.

ليس الذين يطرحون هذا السؤال كلهم من أيتام النظام السابق، أو من جيل أبنائهم الذين نشأوا على دين آبائهم، ممن يتحينون الفرص للقول إن صاحبهم كان أفضل وإن الاطاحة به كانت خطأ كبيراً، بل أن بين هؤلاء الكثير ممن لم يعوا ما كان يجري في تلك الحقبة المظلمة، ممن كانوا أطفالاً أو صبية لا يفقهون شيئاً. بين هؤلاء أيضاً الكثير ممن ينتمون الى فئات أو أوساط اجتماعية كانت محظية من قبل ذلك النظام، أي انه كان سبباً في ما كان عندهم من المال والعيش الرغيد، ولم تشهد أوساطهم اعتقالات وتعذيب واعدام. أما من عاش في تلك المرحلة وذاق عذاب ذلك النظام وفقد قريباً أو عزيزاً، بالاعدام او الحروب العبثية فلا يمكن أن يساوي بين قبل 2003 وبعدها.

يذكرني سؤال هؤلاء بسؤال مشابه كنا نواجهه في منافينا السابقة من زملاء وأصدقاء عرب عندما كنا نحاول أن نشرح لهم معاناة أغلب العراقيين من بطش صدام ودكتاتوريته وظلمه. كانوا يردون بسؤال: «وهل صدام وحده دكتاتور وظالم؟ هذا هو حال كل الزعماء العرب».

هذا المنطق الاعوج، في السؤالين سالفي الذكر يعني أن شيوع السوء يجعله حسناً، فما دام باقي الحكام ظالمين، فلا يعيب صدام أن يكون ظالماً. وإذا كان بين حكام اليوم في العراق فاسدون (وهم كثر) فهذا يعني عدم جواز الحديث عن سوء صدام، بل أن صدام يصبح – في نظر هؤلاء – رجلا نزيها وعادلا.

لا أحد يدعي أن مرحلة ما بعد صدام حولت العراق الى جنة الله على الأرض، ولا أحد يدعي أن سياسيي هذه المرحلة يتحلون كلهم بالنزاهة والكفاءة، لكن لا يبدو أن أحداً، خصوصا أصحاب الأسئلة أعلاه، يدرك أن الحاضر، بأغلبية رجاله ومشاكله، هو نتاج حقبة طويلة من الدكتاتورية التي قضت، بسياساتها وانتهاكاتها واستهتارها بالوطن والمواطن، على منظومة القيم والأخلاق، وحولت العراقي، مسؤولا كان أم مواطناً عادياً، الى معول تهديم للوطن والمجتمع. فكيف يمكن لهكذا إنسان أن يبني وطناً. وحيث ان الحاضر نتاج الماضي فلا يمكن لمنصف أن يساوي بين الاثنين أبداً، فمهما بلغ سوء المرحلة الحالية فانه لا يمكن أن يتساوى مع مرحلة حكم صدام حسين. لننظر الى المثال الحي الذي نعيشه. القوات العراقية تتقدم ببطء في الموصل وتبذل أقسى درجات الحذر من أجل ألا يصاب المدنيون. ترى لو كان صدام في الحكم ما الذي كان سيفعله؟ هل كان سينتظر لشهور أم يقصف المدينة بمن عليها؟. تماما كما فعل بالدجيل وقبلها «جيزان الجول» ثم النجف التي قصفها بالمدفعية عام 1991.

يقول المعترضون على التذكير بجرائم صدام، إن هذا الموضوع انتهى، وأننا يجب ألّا نعيش في الماضي بل نتطلع الى المستقبل. بالله عليكم، قولوا لنا كيف يمكن التطلع الى المستقبل وأذناب الماضي ونتاجه يتربصون بنا، ويمنعون وضع حجر واحد في عملية البناء. ثم أن التذكير بتلك الجرائم، مفيدة جدا لشعب ذاكرته قصيرة جداً بحيث نسي ما عاناه على مدى عقود. التذكير بالماضي ليس للعيش فيه، انما لمنعه من العودة ثانية، وإن كان بأشكال جديدة.

سالم مشكور

إعلامي ومحلل سياسي

  كتب بتأريخ :  الخميس 29-12-2016     عدد القراء :  928       عدد التعليقات : 1

 
   
 

منذر كله

تحياتي القليية لك استاذ سالم
وقع الاحداث وزيادة الخط البياني للعنف بشكل غير طبيعي وسياسة أيتام النظام الصدامي المتغلغلة في جسد الدولة العراقية بعد التغيير وشيوع الفساد والرشوة وأمور أخرى سبب في تعاطف شريحة مسحوقة متخلفة الى سياسة المقبور صدام وكذلك تخوف دول الجوار الخليجية من المد الشيعي اذا صح التعبير وتدخلها السافر بدعم الارهاب وغيرها كان له نتائج سلبية
تحياتي