تلكيف مرج المروج وحاضرة نينوى العظمى

سأدق على الأبواب وسأفتحها الأبواب- مقطع من اغنية فيروز- زهرة المدائن

لمن لا يعرف تلكيف، فانها البلدة التي تحد نينوى من الشمال، وتتربع وسط سهل فسيح، غني بالحبوب والبقول المختلفة، استوطنها الإنسان منذ فجر التأريخ فتطورا معاً، الى ما نشهده اليوم من هجرة قسرية، وخرائب خلّفها اعداء الحضارة، وبدو غابر الأيام، الزاحف من الصحراء، أجلافٌ وأفظاظ، مشبعون بحقد دفين لكل ما هو جميل، لن يعيدهم الى جادة الصواب، إلا العلم والحكمة، وبعض الردع من قانون معاصر يخضع له الجميع.

تلكيف من السريانية( ܬܠܟܐܦܐ) ومعناها تل الأحجار، وتُركات اقوام الأمس، بصماتهم فيها، وآثار اجدادهم شاهدة، شيدوها وطوروها في كل المناحي، حتى بلغت أوجها خمسينات القرن الماضي، فبلغ عدد احيائها إثنا عشر حيّاً او محلة ولكل منها مختار من الناس، هو وسيطها بدوائر الدولة، فعندما كان عدد نفوس العراق سبعة ملايين، كان عدد سكان تلكيف قرابة عشرة آلاف، وهم نسيج اجتماعي مكون من عوائل ثابتة لقرون، واخرى قدمت في احقاب متباينة فذابت فيها، الا الوافدون الجدد الذين فرضوا عليها بعد عام 1963، فظلوا أمناء لم يقطعوا صلتهم باحكام الصحراء، حتى ونحن نلج في القرن الحادي والعشرين، العاصف بالتطورات العلمية المذهلة.

الموجة الاخيرة التي زحفت تدريجياً الى تلكيف، في ظل سلطة البعث التي مارست اسلوب الاستيطان التدريجي، بالضد من رغبة سكانها الاصليين، فمنذ انحراف ثورة 14 تموز عن مسارها الوطني الديمقراطي عام 1959، انعكس ذلك الواقع على ابنائها، فدفعوا ثمناً باهضاً من دماء خيرة شبابها، حيث سيقوا جوراً الى منصات الاعدام في عقر دارهم. من هناك بدأ العد التنازلي لتلك البلدة الرافدينية العريقة، وتوالت المظالم والمصائب عليها، فتركها اهلها تباعاً الى المدن الكبرى مثل بغداد وكركوك والبصرة، ثم الى اميركا حيث وصلها اولاً مغامرون من شبابها، باحثين عن وضع اقتصادي أفضل، منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، فاصبحوا نواتات لهجرة اكبر فأكبر، حتى بلغت اعدادهم اليوم اكثر من أربعين الف مواطن في الولايات المتحدة الامريكية، وأكثرهم في مشيكان وكاليفورنيا، تأقلم معظمهم مع واقعهم الجديد، واسهموا في دفع العجلة الاقتصادية الامريكية، بجهودهم المضنية وصبرهم الطويل، فتبوَّؤا المراكز التجارية والمالية والادارية المرموقة.

ناقوس الكنيسة يطرق من جديد بعد انقطاع طويل

موجات الهجرة عبر التاريخ ذابت في واقع تلكيف وعاداتها وتقاليدها، لما لها من صفات ثرية وراقية متوارثة من الاباء والاجداد، اسلاف حضارات وادي الرافدين التي اسهمت الآثار المستخرجة من ارضهم، رجاحة فكرهم وفضلهم الكبير على كل الامم. قال جاك شيراك رئيس وزراء فرنسا الأسبق في مقابلة مع الين سيو لينو نقلتها " الشرق الأوسط" في 23- 9- 2003( عندما تتعامل مع شعب عريق، فإنك عندما تقول نحن نحترمكم، فإنك يمكن أن تغير كثيراً من الأشياء. وانا اعرف عدداً ضئيلاً من العراقيين لم يكونوا يؤيدون صدام، ولكنهم لا يقبلون الوضع الحالي. ويرغب هؤلاء في نيل الاحترام- بعض العراقيون-  يقولون لنا: نحن لدينا منذ زمن بعيد ثقافة غنية، بينما كنتم انتم اثناء تلك الحقب تعيشون في الغابات وتتسلقون الأشجار) وكتب رزاق عبود في صفحة الحوار المتمدن بتاريخ 12-1- 2006 ما يلي" لا أملك غير طلب الإعتذار ممن قدموا لنا وطناً أحرقناه" . هؤلاء كانوا سكنة تلك البلدة وغيرها الذين تشتتوا اليوم اثر مغامرة داعش ومن لف لفه، الطائشة وغير المحسوبة عواقبها، والدموية القصوى في طريقتها، على كل بلدات وقرى سهل نينوى المنكوب. الوافدون الجدد من المفروضين اجاد معظمهم لغة تلكيف السريانية، ولكنهم لم يكتسبوا القيم الرفيعة في البلدة، وعلى سبيل المثال لم يتعلموا من اهالي البلدة حبهم للعمل، وكدحهم المضني في اي مجال عملوا به، وصفاتهم في مساعدة الاخرين، وحبهم لخلق الله الذي هو من محبته خالق الجميع، ربما المستوطنون الجدد بحاجة الى عقود اخرى اضافية من الزمن، ليتعلموا قيم تلكيف وما جبلوا عليه عبر القرون. في حديث للخالد مصطفى البارزاني عن تلكيف، قال حسب ما يتناقله الرواة: خه لكي تلكيفي شولكه رن وخوداني نانن، وبالعربية: اهالي تلكيف مُحبي العمل وكُرماء.

الصورة مستلة من كتاب( آثار نينوى او تاريخ تلكيف) تأليف يوسف هرمز جمو- بغداد 1937

اليوم تحررت تلكيف من قبضة داعش الرهيبة، وبات حتى سكانها الجدد احراراً، هنا يفرض الواقع متطلبات جديدة، في تسهيل عودة أهالي تلكيف المسيحيين سكانها الاصليين، وبناتها في مختلف العصور، اذا توفرت وسائل عديدة لواقع جديد، من حماية تلك المناطق من تدنيسها مرة اخرى من قبل الغزاة والجيران غير الآمنين، ومن ثم ايجاد الفرص الطيبة لاعادة بنائها وفق متطلبات العصر، وتوفير فرص العمل، والمدارس الجيدة، والصحة المطلوبة، والخدمات العصرية التي بمجملها تجمع نازحي تلكيف حتى من البلدان الاجنبية، وخصوصا الكادحين منهم ومن في نفسه حب البلاد، وان كان في التضحية لبعض الوقت، والزمن كفيل بإسعاد من يرى فيها مكان اقامته وحياته الى الأبد.

على الجهات المسؤولة ايلاء الاهتمام اللازم بتلكيف، وباقي بلدات وقرى سهل نينوى المحررة حديثاً من داعش، وبذلك تضمن استقرارها على المدى الطويل، فيسهم اهلها بما عرف عنهم جديتهم وحيويتهم، في إغناء البلد ورفده بالطاقات الخيّرة، والأيدي الماهرة، والكفاءات العلمية، وفلاحين من طراز يعتمد على المكننة الحديثة، الممزوجة بالتجربة التاريخية لمزارعي سهل نينوى.

ليقلب الجميع صفحة جديدة في العلاقات، دون وصاية من أحد، فلا فضل لأحد على آخر، الا بالعمل المخلص والإنتماء الحقيقي الى الوطن، لتكن المحبة والاحترام المتبادل، هي السائدة بين كل اقوام واديان العراق، في ظل ديمقراطية حقيقية، وإبعاد كل تسلط حزبي، ديني، قومي على الآخرين الذين غدوا أقليات في العدد، بعد ان كانوا يملؤون البلاد بعددهم وعظمتهم في مجرى التاريخ، الذي يبقى جرساً يوقظ الجميع، في عصر النكبات والانحطاط الذي نعيشه.

الغد لناظره قريب، كون الجيران قد خبروا بتجربتهم المرّة، استغلالهم للآخرين وتغيير معتقادتهم الدينية بالقوة، قد خبرو كيف يغدوا السيف ذو حدين! في معترك الحياة. الفترة الانتقالية الحالية قد تمتد الى عقود، حتى يتأقلم الجميع للواقع الجديد، فيعودوا الى العمل والكسب بعرق الجبين، وليس بالنهب والسرقة والغزو والقتل، التي كانت سارية المفعول في الازمنة المظلمة، وحاول الملثمون الجدد، وحملة الرايات السوداء، في عصرنا العاصف بالتطورات المذهلة، احيائها من جديد، فخاب مشروعهم او في طريقه، ليصبحوا عبرة لمن يعتبر.

البلدات المحررة وفي المقدمة تلكيف، التي كانت يوما مركز ثقل المسيحية في العراق، بحاجة الى حماية لبعض الوقت حتى تستتب الامور، الحماية وان كانت دولية ضرورية، لمراقبة سلوك الجميع، في تصريفهم لاعمالهم اليومية، حتى يصبح القانون سائداً وسيداً للموقف، وبعيداً كل البعد عن الطائفية المقيتة التي اوصلت البلاد الى هذا المنحى، وبعيداً عن القومية الضيقة، والتسلط الديني من خلال احزاب تمسك بالسلطة في ظرف استثنائي، كل ذالك زائل لا محالة مع الوقت اللازم، فالجميع متعطش الى الحرية والعدالة الاجتماعية، الى دولة علمانية مدنية، لا قومية عنصرية، لا طائفية، ولا مناطقية بل الجميع سواسية امام قانون راسخ، وحكومة مختارة من برلمان حقيقي منتخب ديمقراطياً.

هناك اسماء تاريخية معاصرة من اهالي تلكيف رفعوا اسمها وعرفهم الكثير من   العراقيين، ينبغي تدوين اسمائهم لكي لا يلفهم النسيان، وليبقوا مشاعل نور في الزمن المظلم: المؤلف روفائيل بابو اسحاق، الأنبا شموئيل جميل، الأنبا داديشوع نكارا، البطريرك يوسف الثاني آل معروف، الصحفية مريم نرما، المؤلف يوسف مالك، المحامي جورج تلو، الكاتب يوسف ناظر، رئيس البلدة داؤد منصور سيسي، المؤلف يوسف هرمز جمو، الأميرة ماري تيريز أسمر، الشاعر توما تكتك قاشا، الملفان والمؤلف القس ميخائيل ججو بزي، المخرج والممثل زهير كرمو، وغيرهم كثيرون قد لا تسع صفحات كتاب بضمهم.

ونختتم الموضوع بكتابة سريانية على بابٍ مطل على حوش الرهبان ترجمتها" الصخرة التي تنتصر ولن تغلب بالصعوبات، هكذا سيكون ثبات ابنائك وقوتهم بالأيمان، ليكثر السلام والأمن في ارجائك، ولتنزل عليك البركات والمسرات. لينال الذين يقصدونك رغباتهم، ويشتركون في آخر المطاف بكنيسة الأبكار السماوية" .

ܡܲܪ ܓܵܐ ܕܢܝܼܢܘܹܐ ܬܸܠܟܹܐܦܹܐ.......... ܐܝܵܠܲܚ ܡܸܪܝܸܗ ܘܐܝܼܠܝܼܦܸܐ

ܒܚܸܟܼܡܬܼܵܐ ܡܵܐ ܟܲܪܝܼܦܹܐ.......... ܘܢܵܐܫܹܐ ܡܸܢܲܝܼ ܢܟܹܐܦܹܐ

[email protected]

California, February 2 2017

  كتب بتأريخ :  الخميس 02-02-2017     عدد القراء :  2376       عدد التعليقات : 2

 
   
 

نبيل يونس دمان

الأخ العزيز يونس كوكي المحترم
اطلعت على تعقيبك باهتمام، شكرا لك


يونس كوكي

الاخ نبيل احييك على هذه المثابرة في مواضيعك الشيقة ، انا شخصيا وومنذ عقود في مجالسنا الخاصة الكثير كان يلومني لعدم تفاؤلي عند البعض قد يكون خيال ، فقبل ان اقرر الهجرة رغم تحاربي السابقة بالسفر خارج العراق دائما كنت ارى العيش بوطن الاباء و الاجداد لا احلى منه وكلما كنت اتوجه الى القوش و اصل الى ال ( قييلا ) كانت تلمح عيناي موقعان في القوش وكنت امني نفسي بان احصل على احدهما لانفذ ما في خيالي ليكون كنجمة ثابتة ، ولكن كنت اصطدم بالواقع المرير وكنت اقول ان نفذته سيكون في المستقبل من نصيب الغزاة لامحالة ، وهذه لحد الان لم تحصل الحمد لله و لجهود الغيارى الصامدين فيها الى الان ، عزيزي من بقي من اهل تلكيف الاصلاء فيها واخر زيارة قام بها احد الاصدقاء قبل داعش وهو من اهلها صدمنا عندما قال ان ساكنيها من المسيحيين لا يتجاوز عددهم الف و خمسمائة شخص اما الغزاة العربان المتوحشين فيها ما يقارب خمسة و ثلاثون الفا ، وعدد المسيحيين في ما يسمى العراق يرثى لهم وايران لازالت تبتلع ما تبقى منه ، فهل من حل واقعي بعيدا عن الامنيات الميتافيزيقية ان يعيد وضع البلد الى العافية المطلوبة وشعبه غارق بعبادة الخرافة و حب الجارة ايران منذ الاف السنين ؟