(أنت إرهابي) (you are terrorist)

العنوان مقتبس من كتاب مختار الأسدي (الصندوق الأسود ج1 )، وهو يتحدث عن مذكراته أيام المعارضة العراقية في إيران: ((في ندوة عقدها المركز الوثائقي لحقوق الإنسان في العراق الكائن بطهران)). لمناقشة ((هضم حقوق الانسان في العراق ووحشية النظام العراقي ودمويته)). وكان ضمن المدعوين عضوة البرلمان البريطاني (إيما نيكلسون)، المهتمة بحقوق الانسان التي دُعيتْ لإلقاء كلمة في الندوة، وقبل أن تلقي كلمتها، استمعت إلى كلمة مدير المركز الذي استعرض مظلومية الشعب العراقي، فعلقت على الكلمة، ونقل الأسدي تعليقها: ((كان أول ما قالته وأكّدت عليه هو افتخارها بأن الغرب والحضارة الأوربية والديانة المسيحية قد تجاوزت الأساليب الوحشية .. منذ أكثر من مائة سنة ثم راحت تبتئس على حال الإسلام والمسلمين في نهاية القرن العشرين)).

وأضاف الأسدي: ((علّقتُ – بعد الاستئذان طبعا – بأن لا تنسى محاكم التفتيش وصكوك الغفران والفترة المظلمة التي مرّ بها الغرب، وذكّرتها بأننا ضحايا صنيعتهم صدام)). ويستمر في سرد وقائع اللقاء مع عضوة البرلمان البريطاني، إذ نقل لها قصة حقيقية جرت في العراق أيام حكم صدام، ولاستخلاص العبرة والفائدة ننقلها للقارئ الكريم: ((خلاصة القصة هو طرد مجموعة من المدرسات في إحدى المدارس الثانوية ببغداد، وكانت أسباب الطرد  كما جاء في نص الكتب الرسمية الحكومية آنذاك: فصل المدّرسة (فلانة) من المدرسة لإعدام ولديها (المتهمين بالتخريب ضد أمن الدولة)!! فصل مديرة المدرسة ومعاونتها لقيامهن بزيارة المدّرسة المذكورة في بيتها وتعزيتها بإعدام ولديها. فصل مدّرستي العلوم والفيزياء لعدم إخبارهما الجهات المسؤولة بالزيارة المذكورة في بيتها وتعزيتها بإعدام ولديها، فصل مدرستين أخرتين من نفس المدرسة والسبب كما جاء النص بالحرف الواحد هو: لإبداء تأثرهما وحزنهما داخل المدرسة..)) وبعد سرد القصة، طلبت (إيما نيكلسون) من الأسدي إعادتها، وظهر التأثرعلى محياها ((بعد أن اغرورقت عيناها بالدموع)). وأثارت (نيكلسون) سؤالا ردّا على كلام الأسدي الذي قال لها  أن (صدام صنيعتهم):((ومن أخبر الجهات المسؤولة في السلطة بأن المدّرستين المذكورتين أبديتا تأثرهما وحزنهما داخل المدرسة؟ هل نحن الانكليز؟)) أرى  سؤال (إيما نيكلسون) للأسدي ذكيا، ونحن نسأل أيضا: هل الخلل في الغرب الذين صنعوا صدام، أم الخلل فينا نحن الشعوب المسلمة، وأخص الشعب العراقي وبقية الشعوب المظلومة بحكامها؟ لماذا ننسى سنّة الله تعالى في التغيير؟

((إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم)) الرعد:11

((ليس من شك أنّ من استنكف عن الهوان، واستهان بالحياة وأبى إلّا الكرامة أو الموت شمله الله بعنايته وأخذ بيده إلى ما يبتغيه ويهدف إليه، ومن خلد إلى الراحة والكسل مهما كانت نتائجه يخذله الله ويكله إلى ضعفه، ولا ينظر إليه أو يسمع له وإنْ ملأ الدنيا تضرعا وبكاء وعبادة ودعاء.. وأنه جلّت عظمته يبقي الانسان في البؤس والهوان ما دام في جموده وركوده، لا يقاوم باطلا ولا يحرك ساكنا للتخلص مما هو فيه، الله لا يغيّر ما بنا من عبودية حتى نثور على الظالمين والمستبدين والله لا يغيّر ما بنا من شتات حتى نخلص النوايا))1 ، فالتغيير لا يأتي من فوق إنما بأيدينا وهذه الآية الكريمة هي من شعارات حزب الدعوة الإسلامية منذ تأسيس الحزب، والاستاذ مختار الأسدي يعرف هذا كونه من الدعاة القدماء، وفي تقديري أن هذه الرؤية قد تغيرت عند البعض من أعضاء الحزب بعد إعدام الشهيد الأول محمد باقر الصدر (رض)، خاصة عند بعض الذين هاجروا من العراق أيام الظلم الصدامي، وقد عرض كتاب (الصندوق الأسود) للأسدي جانبا من هذه المعاناة مع رفاق الدرب، إذ عكس صورة الصراع بين النظرية والتطبيق ومعاناة أصحاب المبادئ الصادقين من نتائج هذا الصراع أيام المعارضة في إيران، فكيف بنا اليوم؟ إذ وصلت حالة الصراع إلى القمة بعد تسلّم المعارضة السلطة في (2003) سيما وأن الشعب العراقي قد استقبل بعد سقوط صنم بغداد الكثير من هؤلاء السياسيين كفاتحين ومحررين ومنقذين، وتصور الشعب المظلوم أن الخير سيعم العراق تحت قيادة هؤلاء الفاتحين، لكن للأسف خابت الآمال!! علما أن الكثير من هؤلاء ينتمون إلى الأحزاب الإسلامية السنية والشيعية، مما ولد شعورا لدى الكثير من أبناء الشعب العراقي بفشل الأحزاب الدينية في العمل السياسي، بعد أن تعلقت طموحات البعض منهم للفوز بالمناصب والمكاسب الشخصية، متجاوزين قيم المبادئ التي ترفعها تلك الأحزاب، وارتاح الكثير منهم لما زرعت أمريكا من بذور الشقاق والصراع بعنوان المحاصصة التي مزقت نسيج الدولة العراقية.

القصة التي سرد أحداثها الأسدي، نستوحي منها حالة الظلم الكبير الذي تعرض له الشعب العراقي أيام حكم الطاغية صدام، لكن الظلم في القصة ليس غريبا على الشعب العراقي، سيما وأن الشعب قد تعرض لظلم أكثر قساوة، خاصة أيام ما بعد الانتفاضة الشعبانية. بعد سرد القصة وحالة التأثر التي أبدتها (نيكلسون)، تحوّل مجرى الحديث حسب رواية الأسدي إلى ((موضوع المساعدات الإنسانية التي جاءت بها من بريطانيا لمساعدة أبناء الأهوار في جنوب العراق)). يقول الأسدي: ((فعلقت مازحا إنها مساعدات سياسية وليست إنسانية لأنها جاءت من نفط العراق الذي استحوذت عليه بريطانيا وأعادته إلينا اليوم على هيئة مساعدات إنسانية)) يقول مختار الأسدي: ابتسمت (إيما نيكلسون) وقالت: (you are terrorist) أي (أنت إرهابي)! ولا أعرف لماذا وصفت الأسدي بهذا الوصف؟ كما لم يوضح هو لماذا وصفته بهذا الوصف؟ أخيرا نسأل أسئلة عامة، يسألها كل عراقي اليوم:

أين ذهبت وارادات نفط العراق التي تقدر بمليارات الدولارات بعد أن تسلّم سياسيو المعارضة السلطة؟

لماذا الفساد المستشري في جسد الدولة العراقية على مرأى ومسمع سياسي المعارضة بالأمس وحكام العراق اليوم؟

لماذا الصراع على المناصب والمكاسب الشخصية والحزبية بين سياسي المعارضة بالأمس وحكام العراق اليوم؟

ومن الذي يدافع عن العراق اليوم ضد داعش؟ هل الجماهير المظلومة أم سياسيو السلطة الذين يتصارعون على المصالح الشخصية والحزبية؟

واستثني طبعا بعض الرموز من السياسيين الذين هم قدوة للآخرين في الدفاع عن العراق والشعب العراقي الذين تركوا عوائلهم واستبسلوا في ساحات الجهاد استجابة لفتوى المرجعية في الجهاد الكفائي، أو لا زالوا في السلطة لكنهم يسبحون عكس تيار الفساد الذي ينخر بجسد الدولة العراقية، تقديرنا الكبير للمجاهدين الذين يحملون أرواحهم على أكفهم دفاعا عن الوطن والمقدسات، والسياسيين الوطنيين المخلصين النزيهين الذين يبذلون الجهود المضنية وهم في السلطة من أجل تعديل المسار، إن الشعب االعراقي يقدر هؤلاء جميعا، ومنزلتهم عند الله أكبر، لأنهم هم القادة الوطنيون الحقيقيون، سواء كانوا في ساحات الجهاد، أو داخل مؤسسات الدولة.

................................

1 -  مغنية، الشيخ محمد جواد، التفسير الكاشف ج13

ملاحظة: المكتوب بين قوسين منقول عن كتاب (الصندوق الأسود)، مختار الأسدي.  

  كتب بتأريخ :  الخميس 16-02-2017     عدد القراء :  504       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 


 
تخرج ابن القوش البار نصير جلال گُلاّ من اكاديمية الشرطة في مشيكان
تم تعيين الشاب الالقوشي نصير جلال گُلاّ شرطي في مشيكان وهو ابن المرحوم جلال گُلاّ و السيدة اميرة گُلاّ وشقي...التفاصيل