اجتهاد.. توثيق الطلاق شرط لوقوعه

الاجتهاد ليس حكراً على رجال الدين دون سواهم، وليس العلم الدينى عصياً على أصحاب العقول، فقد استقبلته عقول لا تزيد عن عقولنا همزة واحدة، وكانت تفكر وتتدبر وتتوسع فى الفهم، وكلما ضاقت على الناس وسّعها عليهم النبى. فهذه امرأة تشكو من زوجها ظهاره لها كظهاره لأمه، فيحرّمه وكان معمولاً به، ولولا شكواها لكان كثير من النساء على الرجال كظهور أمهاتهم، وهذه امرأة لا تطيق زوجها وتخاف ألا تقيم معه حدود الله، فيطالبها برد حديقته ويطالبه بتطليقها. وينهى عن زيارة القبور، وحين يرى أنها ترقق القلب، وتذكّر الناس بالآخرة أجازها، وينهى عن أكل لحوم الأضاحى فوق ثلاث ليال، وحين يعلم أن الناس تحبسها لغائبها بعد هذه المدة، أجاز أكلها بعد اليوم الثالث حتى لا يحرم الغائب فضل الحاضر. فهذه تصرفات النبوة قد اختلفت حسب ظروف الناس ومعيشتها وأزمانها، فنهى عن أمر ثم أجازه، وأجاز آخر ثم نهى عنه. وفرضت الضرورة أيضاً على الفقهاء التوسعة، فبعضهم قد رأى فسخ عقد الزواج تلقائياً إذا أسلمت المرأة تاركة زوجها غير المسلم، حفاظاً على دينها والتزاما بظاهر النص، والبعض رأى تخيير الزوجة، والبعض رأى بقاءها فى بيته، حتى اتفق الجميع على حسن المقصد وبقائها فى كنف زوجها، واستمرار عقد الزواج حفاظاً على الأسرة والأولاد، فالحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً، ومرهون بمقصده وهدفه، فإذا ضاق على الناس وجب أن نوسعه عليهم، وإذا ابتعد وجب أن نلحقه بهم، وإذا ارتفع وجب أن نرفعه ليطول مطالب الناس ومقاصدهم، وإذا تحايل الناس عليه وجب علينا حمايته وتقويته حتى لا يجترئ عليه ظالم. ولا ينصرف هذا إلى العبادات وأحكامها، فهى نافذة دون علة أو سبب ولا تدور إلا مع نفسها، فالصلاة كتاب موقوت، والصوم فى شهره وأوقاته محددة، والحج فى أشهره المعلومة وطقوسه فلا تغيير ولا تبديل. أما المعاملات فلها شأن آخر، والطلاق معاملة وعلاقة وثيقة، وميثاق غليظ بين طرفين وجب فيه إنهاؤها دون ظلم (تسريح بإحسان) وهو شرط واجب التنفيذ. وليس الدين ملكاً لأحد دون الآخر، فهو ملكنا جميعاً نسكن فيه ونلتحف به، ونجتهد فيه جميعاً، وليس قاصراً الفهم فيه على فئة تستحوذ عليه، فهذا الإمام أبوحنيفة يبيع الأثواب فى دكان بالكوفة ورثه عن أبيه. وهذا مالك بن أنس يعمل بالتجارة. وهذا أحمد بن حنبل فقير معدم وكان يعمل من كدّ يده ليتكسّب رزقه القليل، وبعضه كان من ريع دكاكين ورثها عن أمه، وكلهم تلقوا العلم ودرسوه. فهو حقنا جميعاً أن نتعلمه ونعلمه ونجتهد فيه. وتعالوا معاً نجتهد فى إثبات أن التوثيق شرط لوقوع الطلاق. فى سورة الطلاق (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ) ونفسر الآية على جزأين. الأول: فإذا شارفت المطلقة على انقضاء عدتها، وهى ثلاثة أشهر، فأمام الرجل أمران، إما أن يمسكها ويراجعها ويستمر معها، وإما أن يفارقها بالمعروف دون أذى وعلى وجه جميل. والجزء الثانى: وهو المهم (وأشهدوا ذوى عدل منكم)، من الفقهاء من أوجب الشهادة فى الرجعة فقط، ومنهم من أوجبها فى الطلاق وفى الرجعة، ومنهم من رآها واجبة فى الرجعة ومندوبة فى الطلاق. إلا أن الأصوب والأرجح للمصلحة هو وجوب الإشهاد فى الرجوع وفى الطلاق، لأن (وأشهدوا) كما جاءت فى الآية على سبيل الأمر، وجاءت أيضاً بعد ذكر الاثنين معاً. والمقصد من الإشهاد، كما قالوا: حتى لا يقع بينهما التجاحد والخلاف، وحتى لا يموت أحدهما فيدعى الآخر ثبوت المراجعة أو الطلاق، فيرث من لا حق له أن يرث بإثبات المراجعة زوراً، أو يحرم الورثة أحدهما من حقه فى الميراث إذا مات وأثبتوا استمرار الطلاق زوراً، ويكون الإشهاد فى حالة الطلاق والمراجعة على أهمية واحدة. فالإمامية والجعفرية يرون أن «شهادة عدلين من الرجال شرط لوقوع الطلاق، فإن فُقد لم يقع». والشيخ الطوسى يقرر أن «كل طلاق لم يحضره شاهدان عدلان وإن تكاملت سائر الشروط فإنه لا يقع». وهذا الإمام السيوطى: «النكاح بالشهود والطلاق بالشهود والمراجعة بالشهود». وهذا ما قاله الشيخ أبوزهرة: «لو كان لنا أن نختار للمعمول به فى مصر لأخذنا هذا الرأى: يُشترط لوقوع الطلاق حضور شاهدَى عدل». وعلى هذا يكون الطلاق أو المراجعة المكتومة بين الرجل والمرأة دون شهود كأن لم يقعا.

الأخيرة: ما الهدف من الشهود؟ الهدف هو ألا ينكر الرجل الطلاق أو يقرر المراجعة دون وقوعها. وشهادة الشهود هى توثيق وفقاً للعرف السائد فى حينه، فلم يكن فى هذا الزمن وحتى عهد قريب توثيق وإثبات المعاملات من البيع والشراء والرهن والدين والمرابحة والمتاجرة والزواج والطلاق سوى شهادة الشهود، ولما تعقّدت المعاملات، وتوسعت، وأصاب الناس ما أصابها من خراب الذمم والضمائر وأصبح الرجوع إلى الشهود أمراً صعباً، فمنهم من يرحل ومنهم من يهاجر ومنهم من يموت، فقد رأت البشرية تحويل التوثيق من شهود العدل إلى توثيق هذه المعاملات فى دفاترها وسجلاتها، وتصبح الدولة فى هذا طرفاً أصيلاً فى الإثبات، حفاظاً على مقدرات الناس وحقوق الأولاد والأسر، وبالتالى وجب على الحكم أن يدور ويلف ويرتفع مع ما تقرره الدولة من طرق الإثبات، وتتحول شهادة الشهود إلى إثبات فى سجلات الدولة، ومنها معاملات الزواج والطلاق، ويصبح الطلاق الموثق والرجوع الموثق هو المعمول به ولا اعتبار لغيره. والله أعلم.

adelnoman52@yahoo.com

  كتب بتأريخ :  الجمعة 17-02-2017     عدد القراء :  384       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 


 
((((( سلوان صباح دمّان ))))) ( ينال شهادة البكالوريوس في الهندسة الكهربائية )
وأخيراً قطف ولدنا سلوان ثمرة جهوده الإستثنائية وقدراته الإبداعية ونال شهادة البكالوريوس في الهندسة الكهربائ...التفاصيل