الـ BBC ومرصد الأكاذيب!

ليست ثمة مبالغة في استدعاء حقيقة ان "هيئة الإذاعة البريطانية BBC" قد فقدت في السنوات الأخيرة الكثير من "مصداقيتها" كمنصة إعلامية كبيرة، وهي تتعكز اليوم على "عراقتها" لانتشال ما يمكن انتشاله من تلك "المصداقية"، باعتبارها مؤسسة عولمية قبل أن تصبح العولمة واقعاً مكرّساً دولياً ومفهوماً حيوياً متفاعلاً في عالم اليوم منذ بواكير الألفية الثالثة!

ما يفاقم التعقيد في تقييم مصداقية منصة إعلامية كالـ BBC (بقسمها العربي) هو هيمنتها على حصّة كبيرة من رقعة تشكيل اتجاهات الرأي العام للمتلقي العربي، وكذلك المهتمين بشؤون المنطقة وقضاياها الشائكة، بواقع ان هذه الهيمنة مرتكزة منذ عقود طويلة على إمكانات كبيرة ودعم أكبر من مؤسسة الحكم في بريطانيا، ناهيك عن الأجندات التي لم تعد أكثرها خفية والتي تتبناها الـ BBC، رغم ان هذه الأجندات ترتدي قناع "الحياد" بنسخة متطورة ليس من اليسير فكّ طلاسمها (للمتلقي غير المتخصص على أقل تقدير..)، فأضحى مفهوم "دسّ السم في العسل" يضيق كثيراً على متبنيات وأداء هذه المؤسسة الإعلامية. بيد انه لم يكن شاقاً تشخيص مسار ليّ عنق الحقائق (وفي أحيانٍ كثيرة تشويهها) من قِبل الـ BBC في العقدين الأخيرين، عبر تناولها لأحداث المنطقة الحافلة بالتعقيدات والمستجدات، والمشرعة الأبواب بوجه الأجندات السياسية والإعلامية الغربية كما أثبتت التجارب.

لقد شكّلت تعقيدات الشأن العراقي منذ السقوط في 2003 وما رافقها من استفحال خطر الإرهاب التكفيري، ومروراً بما يسمى بأحداث "الربيع العربي"، وتالياً اندلاع الأزمة في سوريا منذ 2011، وما تبع ذلك من شنّ الحرب على اليمن، قد شكّلت بمجملها معالم انهيار تلك "المصداقية" التي تتبجح بها الـ BBC وتدّعي الريادة فيها، نتيجة لما اقترفته في تشويه الحقائق أو التعتيم عليها، والطَرق على متبنيات ملتوية تنسجم في الصميم مع مقولات الإرهاب ومتبنيات من يخططون لتدمير مقدرات المنطقة وطاقات شعوبها عبر ضرب السلم الأهلي بكل وحشية، وهذه الوحشية ليست بالضرورة يتم تكريسها عبر الأنشطة العدوانية الإرهابية؛ بل يمكن أن تشيعها سطور مسمومة في خبر مغرض او تحليل مشوّه، أو عبر التكتم على حقيقة جليّة بعينها، وحرف الأنظار عن مخاطر حقيقة وتوجيهها نحو مخاطر مزيفة، مثلما يندرج ضمن هذا السياق تكثيف السلبيات بغية تهيئة الرأي العام للسقوط في هاوية اليأس، والاستسلام لـ"الأمر الواقع" الذي هو محض خراب، مع طمر متعمد لكل إيجابية تسهم في رفع معنويات المقهورين والمنكوبين المستهدفين بأجندات الإرهاب وحماته والمتآمرين (مع تنوّع منطلقاتهم)! لقد كانت الـ BBC (بقسمها العربي) من أمهات مؤسسات الإعلام العربية التي روّجت بحرص مبالغ فيه لمصطلح "الحرب الأهلية" في العراق بعد السقوط، كما كانت تفرز أي ضحايا للعنف في العراق على أساس طائفي أو عرقي (رغم عدم صحة ما تنقله غالباً)، حتى لو كان الخبر يتعلق بحادث سير! وقريب من هذا النهج قد مارسته في الشأن السوري منذ بواكير الأزمة السورية في 2011.

* * *

أبرز ما يمكن اعتباره اختباراً جليّاً يكشف بوضوح إدمان الـ BBC على نحر الحقائق وترويج الأكاذيب بأبشع صياغاتها، هو تناولها للشأن السوري منذ بداية الأزمة في 2011، وإذا شئنا الدقة بعد عامٍ من تلك الأحداث، حيث باتت "مصداقية" فضائية وإذاعة الـ BBC العربيتين مع موقعها الرسمي على النت مرهونة بشكل كبير بتبنّي "تقارير ونشرات" ما يُعرف بـ" المرصد السوري لحقوق الإنسان"، وبدقة أكبر ما يبثّه مؤسسه ومديره "رامي عبد الرحمن"، اذ بات الاعتماد على ما يتفوه به الأخير من على شاشة وإذاعة الـ BBC العربيتين هي "الحقائق بعينها" التي تلتزم بتبنيها (والبناء عليها) وسائل إعلام القسم العربي للـ BBC، رغم ما يكتنفها من تحريف أو غموض، وتضارب في المعلومات وافتئات على الحقائق، وتحريف للوقائع وتسفيه للعقول! وما يُلفت حقاً هو هذا الإصرار العجيب من الـ BBC على هذا التبني الذي يطيح بكل وضوح بما تبقّى من "مصداقية" تتبجح بها هذه المؤسسة، كل ذلك يتم عبر الركون الى تقارير هاتفية أو نشرات خبرية موجزة يلقيها رامي عبد الرحمن يوميا تقريباً من مقر إقامته في "كوفنتري" في بريطانيا، وذلك ضمن النشرات الخبرية او البرامج السياسية لشاشة وإذاعة الـBBC ، ويدّعي عبد الرحمن انه يستقي معلوماته من "منابع ذات مصداقية ومحايدة"! كما يزعم انه يتعامل مع شبكة من 100 مراسل منتشرين في عموم سوريا، وبالذات في المناطق الساخنة، وهؤلاء يزودونه بالتقارير الخبرية والمعلومات ذات الصلة.. والواقع يفصح بأن احصائياته –المثيرة للشكوك والجدل- عن عدد ضحايا المعارك من كل الأطراف من قتلى وجرحى (التي يبثها سريعا بعد وقت قصير من الحدث) لن تقدر على مواكبتها الميدانية السريعة في ظروف الساحة السورية 10 وكالات أنباء دولية محترفة مجتمعة معاً!

ان شطراً كبيراً من "التقارير" التي ينشرها رئيس المرصد المذكور من على شاشة وإذاعة الـ BBC تجعل أية ضوابط مهنية وتقنية لمطبخ تحرير الأخبار وإعداد النشرات الخبرية في القسم العربي للـ BBC تحت وطأة التشكيك في مهنيتها وريادتها؛ بل ومادة للسخرية والتندر، وهذا أساساً يجيء منسجماً مع الانحدار المشهود لهذه الجوانب التقنية والمهنية في السنوات الأخيرة من القسم المذكور، كاحتواء النشرات والتقارير الخبرية على قدر كبير من الأخطاء اللغوية وافتقاد الدقة في ذكر أسماء الأشخاص والأماكن والتواريخ (وغير ذلك كثير)، ولن يكون غريباً اذاً أن يتقمص رامي عبد الرحمن دور المراسل الميداني (وهو في محل إقامته في بريطانيا) فيذكر تفاصيل مثل أرقام العجلات التي تم تدميرها –مثلاً- في العملية الفلانية في سوريا قبل نصف ساعة، ناهيك عن ذكر أسماء القتلى والمصابين والى أي المدن والأحياء ينتسبون بالإضافة الى تشخيص أعمارهم، والى أية طائفة أو مجموعة عرقية ينتمون! طبعاً هو يذكر ذلك وفي ظنّه -أو هكذا أوحي له- بأنه يضفي "منتهى المصداقية" على ما يروّجه (والأحرى مما تروّجه بواسطته الـ BBC) لتلبية حاجة المتلقي العربي الباحث عن مصداقية ما (والتي باتت نادرة) في مثل هذه الأخبار والأحداث!

وما يزيد الطين بلّة ان القسم العربي للـ BBC يفسح المجال بكل تلذذ لـ"النشرات الموازية" التي يلقيها رئيس المرصد المذكور؛ بل وتعيد الفضائية أو الإذاعة العربية بثّها أكثر من مرة في نشرات إخبارية لاحقة طوال اليوم! رغم ان هذه المؤسسة تتشدد بصورة مبالغ فيها بشأن إضفاء أي نوع من المصداقية على أية معلومة لا تستقيها من مراسليها في ساحات كثيرة، أو لا تريد لأحدّ ان يصدقها، وتختصر تشكيكها بعبارة "لم يتسنَ للـ BBC التأكد من صحة الخبر والمعلومة من مصادر مستقلة"!!

* * *

بدا واضحاً للمتابعين للشأن السوري بأن العلاقة التي تربط رامي عبد الرحمن بالـ BBC ليست بالشيفرة المعقدة، حيث ارتأت هذه المؤسسة الإعلامية وانسجاماً مع أجنداتها ان تسوّق للمتلقي الأكاذيب والتلفيقات وتمارس تشويهها للحقائق عبر ما يبثّه عبد الرحمن، لتنأى عن أية مسؤولية مباشرة –أو هكذا ارتأت- بشأن انعدام المصداقية فيما يُنشر! وهو تكتيك التزمت به وفي ظنها أنه ناجع ويسوّق ما تسعى اليه بأقل التكاليف ولا يطيح بهيبة المؤسسة! لكن سرعان ما ارتدّت الرمية عليها سلبياً، حيث بات تكتيكاً مفضوحاً؛ خصوصاً وان الرهان على شخص عبد الرحمن كان أخرقاً، لجهة كونه لا يحوز أدنى مصداقية تتطلبها طبيعة المهام الإعلامية التي تغطي شأناً شائكاً كالشأن السوري، وفاقم ذلك ان عبد الرحمن شخص تحوم حوله الكثير من الشكوك حتى في أوساط المعارضة السورية؛ بل وذهب البعض لاتهامه في مناسبات متفرقة بأنه متواطئ مع السلطات السورية، وينفرد لوحده بإدارة ورئاسة "المرصد السوري لحقوق الإنسان" منذ سنوات بعد أن أطاح بزملائه المعدودين، ويزعم انه محامٍ سابق، ولقد عيّنته المجموعة المعارضة "هيئة التنسيق الوطني في سورية" مستشاراً حقوقياً لها في 2014 ليبثّ تقاريرها، ولكن المعلومات التي نشرتها وسائل إعلام المعارضة السورية تفيد انه خريج الإعدادية في بانياس السورية، واسمه الحقيقي الذي يفصح عنه هو "أسامة سليمان"، وأعتبر الإسم رامي عبد الرحمن "اسماً حركياً"، ولم تسمح له الظروف مواصلة الدراسة لاحقاً، وقد حصل على اللجوء السياسي في بريطانيا عام 2000 بمساندة من "حزب الوحدة الديموقراطي الكردي – يكتي" حيث معروف في بانياس انه يتحدّر من أصول كردية، ويتحرّج كثيراً حينما يواجهه البعض بأن له شقيق يستقر في اليونان وهو من أعضاء جماعة "الإخوان المسلمين"، كما يمارس مهنة بيع الملابس في متجر صغير يديره مع زوجته في "كوفنتري".

تعرّض مرصد عبد الرحمن للهجوم الإعلامي بشدة من العديد من تشكيلات المعارضة السورية، ويُأخذ عليه تحريفه للحقائق والوقائع، وانه يفبرك ما يشاء لملء التقارير التي يقدمها لوسائل الإعلام، ويتم اتهامه عدة اتهامات ابرزها؛ عمالته للسطات السورية، وتنفيذ أجندات غربية فاعلة في الشأن السوري، كما ان هذه الاتهامات جعلته معزولاً عن مؤسسات المعارضة السورية (السياسية خاصة). أما أبرز الانتقادات التي تعرّض لها فجاءت في تقرير لمدونة تابعة لصحيفة "اللوموند" الفرنسية عام 2014 بقلم المحلل لدى الصحيفة "لفرييه أغناس Leverrier Ignace" تحت عنوان: "المصداقية المفقودة لدى المرصد السوري لحقوق الإنسان"، تناول بإسهاب الشكوك التي تحيط بطبيعة نشاط المركز والهالة المصطنعة حوله، وكيف ان المركز يُختزل فقط بشخص مديره ومؤسسه وناطقه عبد الرحمن! وعن المعلومات التي يوردها الأخير لوسائل الإعلام يذكر؛ "المعلومات برمّتها قابلة للتشكيك، حيث يقوم بجمع معلوماته من صفحات الجروبات السياسية على وسائل التواصل، أو الفصائل المقاتلة سواء من طرف النظام أو من طرف المعارضة دون إمكانية التحقق منها.. كما لا يعمل على إعداد دراسات خاصة موسعة خلافاً لما جرت عليه العادة من قبل منظمات سورية أخرى للدفاع عن حقوق الإنسان"! ويختم الكاتب الفرنسي تقريره بالقول: "إن تحريف الحقائق الذي ينتهجه المرصد بدلائل أو دونها تسوقنا في النهاية إلى الاعتقاد أنها تُقاد من قبل نصاب، مشعوذ، أو محتال"!

كما وجّهت "الغارديان" البريطانية في تموز 2012 انتقاداً لاذعاً للمرصد السوري ومديره عبد الرحمن، اذ جاء فيها: "من الغرابة أن يكون المرصد الذي يتخذ من بريطانيا مقراً له، المصدر الوحيد للأنباء عن سوريا، فيتم النقل عنه دون تدقيق أو دون القليل منه فقط"!

من الملاحظ هو ان مؤسسة الـ BBC قد تجاهلت الى حدّ كبير التواصل مع "منظمات حقوقية" سورية كثيرة كانت قائمة أساساً قبل أن يُتداول ذكر المرصد السوري ورئيسه عبد الرحمن، وقد آثرت تلك المنظمات النأي بأنشطتها عن تشكيلات المعارضة السورية (قبل أحداث 2011 وبعدها)، وهي متمرسة ومختصة أكاديمياً في أنشطتها أكثر بمراتب من مرصد عبد الرحمن الذي يملأه شخص واحد!

بهذا تكون الـ BBC قد حسمت خيارها لتكون مرصداً للأكاذيب، وإن جاءت هذه الأكاذيب عبر أبواق توظفها وتديرها بالريموت كونترول!

abbasbaghdadi@gmail.com

  كتب بتأريخ :  الجمعة 17-02-2017     عدد القراء :  408       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 


 
الف مبروك رسامة الشماس أنمار جلال تومي
احر التهاني والتبريكات للشماس أنمار جلال تومي بمناسبة رسامته اليوم في كنيسة الشهداء في مشيكان من قبل المطرا...التفاصيل