الإرهاب من القاعدة إلى الدواعش

لا تتعجب من شدة الكره الذى تحمله الوهابية لكل الفرق والمذاهب الإسلامية وتكفير غيرهم من المسلمين، فهى عقيدة لا يتنازلون عنها، وأدبيات محفورة فى ذاكرة أجيالها، راسخة رسوخ الجبال، فمنهم من قال قديما: (نحن جماعة الحق ومن عدانا ليس مسلما)، وعدانا يعنى سوانا أو غيرنا. ومنهم الشيخ ابن باز حين قدم نصيحة للمسلم كيف يواجه أهل الزيغ والضلال، وحددهم تحديدا قاطعا، وهم (الذين يسيرون على نهج المعتزلة أو الشيعة أو الصوفية أو الأشاعرة أو الأحناف، وغيرهم من المشركين الضالين)، ولم يترك الشيخ من المسلمين على الحق والإيمان أحدا سواهم، وبين القديم منهم والحديث تتكاثر صور التكفير والكره، بما لا يحتمله العقل أو المنطق. وسافر الفكر الوهابى خارج حدوده، واخترق عقول المسلمين، وتسلل رويدا رويدا إلى المدارس والمعاهد والمساجد فى حماية ورعاية أموال النفط، وسيطرت أموال الوهابية على أنظمة الحكم الإسلامية الفقيرة، ولا أتصور أن الأمر كان عفويا بل كان ممنهجا، وأشك أن إفقار بعض الشعوب المسلمة، ومنها مصر، كان مخططا له، حتى يخضع فقرها لأموال وأفكار الوهابية، وكان دخول مصر حرب اليمن فى ستينيات القرن الماضى هو بداية خراب هذه الأمة واحتياجها، وأول سطر فى كتاب إفقارها. ودخلت حياتنا لغات ومفردات ليست من نبت ثقافتنا، فاستبدلنا بسبوع الوليد العقيقة، وشارك الرضيع ثدى أمه فحل كبير يرضعه خمس رضعات مشبعات حتى يصبح أخا له، يدخل على أمّه دون محرم تحت عنوان مخجل وهو رضاعة الكبير، وكذلك التداوى ببول الإبل، والحجامة، ومضاجعة الوداع، والطب النبوى، وسمعنا عن الشيطان الرجيم الذى يشارك الرجل الفراش والزوجة، إذا كان يضاجعها عارية دون ساتر.. حتى الأذان الذى كان يشجينا ويطربنا غيّروه بصراخ وعويل، وكأننا ذاهبون إلى حرب وليس إلى صلاة، حتى غلب الشكل والمظهر على الجوهر، وأصبحت الدول الإسلامية التى يؤذن فيها للصلاة فى اليوم خمس مرات، وتتكدس المساجد فيها بالمصلين من الفجر حتى العشاء، وتسمع قراءة القرآن فى السيارات والمحال، ويجوب الحجاب والنقاب الشوارع ليل نهار، من أكثر دول العالم خرابا للذمم، وفسادا ورشوة وتزويرا وتزييفا وتحرشا بالنساء، وأن الدول الكافرة هى أكثر الدول شفافية والتزاما بالقانون واحتراما للنساء ورحمة بالحيوانات، حتى مات مَن مات من المسلمين فى عرض البحر حين تاقت أرواحهم إلى الوصول إليها، تاركة أرض الخلافة للعيش فى دول الكفر والزندقة. كيف خرجت القاعدة، ومن هو الأب الشرعى الذى جنى علينا وما جنينا على أحد؟ القاعدة كالمولود من زواج «الرهط»، وهو زواج جاهلى، يشترك فيه رهط من الرجال فى مضاجعة امرأة واحدة، وبعد الوضع تختار المرأة منهم أباً لصغيرها، ولا يجوز لأحدهم رفض طلبها طالما كان أحد المشاركين فيها. من هم رهط القاعدة؟ أول المشاركين المخابرات الأمريكية، لرغبتها فى تفكيك الاتحاد السوفيتى، وثانيهم الأنظمة العربية التى رأت فى الجهاد الأفغانى خلاصا من شبابها المتطرف، وتمنت لهم ذهابا بلا عودة، لتأمن شرورهم حتى لو كان ثمنه الحور العين بعيدا عنها. وثالث المشاركين مشايخ الإرهاب الذين علقوا آمالهم على تبنى فكرة الخلافة حتى لو كان مولودها من حرام. بقى أن نعرف من هم الرجال الثلاثة الذين أحبوها وكانت تحت رعايتهم؟ هم ثلاثة من العرب: أولهم عبدالله عزام فلسطينى الجنسية، وثانيهم: أسامة بن لادن سعودى الجنسية، وثالثهم: أيمن الظواهرى الهارب من مصر من تنظيم الجهاد.

ويهمنا منهم أسامة بن لادن، ابن المليونير السعودى محمد بن لادن، والأخ من الأب لاثنين وخمسين ابنا وابنة، وترتيبه السابع عشر، أمه عليا الغامدى، علوية من سوريا طلقها أبوه وهو صغير، أسس القاعدة فى نهايات سبعينيات القرن الماضى، وكان الهدف منها هو تسجيل أسماء المجاهدين الوافدين إلى أفغانستان، وترتيب بياناتهم وأحوالهم المعيشية فى المعسكرات، تمهيدا لنقلهم لمراكز التدريب الخاصة بالمجاهدين فى قاعدة بيانات، وتطورت من قاعدة بيانات إلى قاعدة جهاد وحرب، لكنها لم تكن على مستوى الفرق القتالية فى أفغانستان، كمجاهدى برهان الدين ربانى، أو أحمد شاه مسعود، أو حكمتيار، وكلهم وهابيو الفكر والدراسة، بل زاد نفوذ القاعدة خارج حدود أفغانستان فى دول العودة بعد تفكك الاتحاد السوفيتى. كان غزو العراق للكويت هو بداية خريف الغضب بين السعودية وأمريكا من ناحية، وأسامة بن لادن من ناحية أخرى، وبداية الشقاق والاختلاف بينهم، وبعد أن كان أسامة بن لادن ملىء القلب والروح، يجند المجاهدين ويجمع الأموال بحرية، يصبح عدوا لمن كان من صلبه، وتُسحب منه جنسيته وتصادر أمواله، والحب الذى جمعهما قد حُوّل إلى طلاق بائن بعد دخول القوات الأمريكية إلى أراضى السعودية لطرد صدام من الكويت.. لماذا؟ الأسبوع المقبل.

عادل نعمان

كاتب وإعلامي مصري

adelnoman52@yahoo.com

  كتب بتأريخ :  الثلاثاء 14-03-2017     عدد القراء :  320       عدد التعليقات : 0