فوضى السلاح وذيولها

اعاد الاعتداء الآثم على مقر الحزب الشيوعي العراقي في محافظة الديوانية بقنابل يدوية وقبله اطلاق الرصاص الحي على طلاب عزل محتجين من قبل حماية احد المتنفذين داخل الحرم الجامعي في المدينة, التساؤلات عن مصير البنود الدستورية المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة ومنع تأسيس تشكيلات مسلحة موازية للقوات المسلحة الشرعية وكذلك مصير وجدية الاجراءات الحكومية بأنهاء فوضى السلاح ومصادرته, خصوصاً في المناطق التي شهدت انتشاراً ميليشاوياً او اقتتالاً عشائرياً بالاسلحة الثقيلة والمتوسطة او تهديداً ارهابياً.

ولابد من ان التذمر الشعبي من وجود مكاتب لتشكيلات اسلامية مسلحة في المدن, مستغلة اسم الحشد الشعبي, ترهب المواطنين وتعبث بأمنهم وتتجاوز على حرياتهم وتثلم هيبة الدولة هو ما دفع السيد عمار الحكيم, رئيس اكبر ائتلاف اسلامي, الى الدعوة لغلقها ونقلها الى خارج المدن.

لقد لبت تشكيلات الاحزاب الاسلامية المسلحة دعوة المرجع الديني السيد علي السيستاني, العراقيين, للتطوع لقتال داعش التي باتت تهدد العاصمة بغداد, بعد الانهيارات الامنية عام 2014 بأنضمامها بكياناتها الميليشياوية كاملة وليس كأفراد في العملية. ورغم البلاء الحسن لأفرادها والمتطوعين الآخرين على الجبهات في رد مجرمي داعش عن العاصمة وتقديمهم لشهداء ابرار في سبيل الوطن الا ان قياداتها آلت على نفسها استغلال هذه التضحيات لتعزيز نفوذها ودورها السياسي , فهي لم تذعن لمطلب المرجعية الدينية العليا بنبذ رايات ميليشياتها الخاصة ذي الصبغة الطائفية ورفع العلم الوطني العراقي بدلها والانخراط في قتال داعش الى جانب القوات المسلحة الشرعية ككل متكامل, لهذا يبقى توصيفها بالميليشيات قائماً وموضوعياً.

وحتى بعد سن قانون " الحشد الشعبي ", الذي قيل بأنه شُرع لتنظيم العلاقة بين جموع المتطوعين, ومن بينها هذه التشكيلات, والقوات المسلحة صاحبة الشأن الحصري في ادارة القتال ضد داعش وتحديد الاولويات وطبيعة القوى المشاركة في التحريروحركة قطعاتها, فأن خضوع هذه المجموعات للقانون يبدو شكلياً.

وهي لم تنضج بعد لتغادر نمط السلوك الميليشياوي في التعامل مع المواطنين, حتى بعد مرور ما يقارب السنتين على دعوة المرجعية الآنفة الذكر وقتال داعش. فلا زال قادة في الحشد, مستخدمين سطوتهم, يقومون من خلال زيارات سياسية ميدانية لمسؤولين في الدولة متهمين بالفساد بتوصيل رسائل تحذير للمواطنين المطالبين بأقالة هذه الشخصيات, بأن هؤلاء تبعهم و يخضعون لحمايتهم وحذاري من المساس بهم ! بينما تعبر قيادات اخرى فيه, علانية, عن عزمها المنفرد للمشاركة في مشاريع قتالية خارج الحدود الوطنية ضمن اجندات اقليمية ودون النظر الى المصلحة الوطنية العراقية العليا.

وفي خضم توهانها بين خوض العمل السياسي او لعب دور العسكر, الذي يمنع الدستور الجمع بينهما, نجدها تدخل كطرف في محاور الصراع السياسي... اوتهدد المظاهر المدنية في المجتمع من منطلقات ايديولوجية سلفية مثل أقتطاع مدن كاملة بحجة قدسيتها لتكون فضاءاً لممارسة هيمنتها الفكرية, او بمنع الفعاليات الفنية والثقافية بدعوى التحريم.

وهي تنحو نحو تمييز شهدائها الذين سقطوا في القتال ضد داعش تحت عناوينها الميليشياوية المعروفة,عن غيرهم, حيث تملأ صورهم واجهات المباني ونواصي الشوارع في المدن, في توظيف صارخ لتضحيات العراقيين لمصالح قياداتها السياسية الحزبية وتدخل في " حرب الصور " فيما بينها, في سباق تنافسي بعدد الشهداء واختيار افضل المواقع لعرض صورهم.

ويبقى طبعاً شهداء متطوعي الحشد الآخرين غير المنتظمين بميليشيا - الذين ليس لهم اهداف خاصة سوى تلبية دعوة المرجعية الدينية او دافع وطني بحت لدرء خطر الارهاب عن شعبهم - وشهداء القوات المسلحة, خارج المشهد.

ثم تقوم, تبعاً لذلك, وانطلاقاً من مبادئها العقائدية الجنائزية بتعميم اجواء طقوسية مأتمية على المجتمع واضفاء قدسية فئوية على شهدائها دون غيرهم, وتكتب على الصور عبارة " الشهيد السعيد " تسبق اسمه بينما هي تفرض على المجتمع اجواء الحزن والاكتئاب طول بقاء هذه الصورمعلقة حتى تهرؤها عوارض الزمن والمناخ.

الشائع ايضاً انهم يمنًون على العراقيين, على الرايح والجاي, في تطوعهم للقتال ضد داعش, وكأن احداً ضربهم على ايديهم للتطوع ولم يكن قراراً حراً لهم... خصوصاً عند اي انتقاد لتجاوزات غير قانونية يقوم بها البعض من افراد ميليشياتهم... بأنهم تاج رأس وحامي اعراض المنتقدين حصرياً وليس اعراضهم ايضاً, وهذا تعبير عن موقف استعلائي ينبع من فهم ساذج بأن مكافحة الدواعش وفكرهم الاجرامي لايجري الا بحمل السلاح واطلاق القذائف. كما يغيب عن بالهم بأن السياسات الطائفية لأحزاب الاسلام السياسي المهيمنة... احزابهم ,هي التي, بالاساس, ادت الى استفحال امر داعش ثم الانكفاء امام شراذمها الهمجية.

وفي مقارنة بسيطة بين مقارعي نظام الدكتاتورية البائد من المعارضة الوطنية والديمقراطية والاسلامية وبين البعض من ميليشياويي اليوم, فأننا نرى بأن اولئك لم ينبروا يوماً بتذكير الآخرين بأفضالهم وافضليتهم ولم يفكروا بمقابل نفعي لأيثارهم وتضحياتهم او حلموا بوضع انفسهم اسياداً فوق القانون للتحكم بمصائر مواطنيهم, بل كان خير المواطن العراقي وحريته هو هدفهم ودولة القانون والديمقراطية مطمحهم.

فوضى السلاح وجه آخر للأرهاب... يجب مكافحتها !

  كتب بتأريخ :  الأحد 16-04-2017     عدد القراء :  560       عدد التعليقات : 0