«طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ.. لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ»

يا سيدى البابا فرنسيس بابا الفاتيكان.. ما كل هذا الحب الذى تحمله بين ضلوعك لبنى البشر؟ ما كل هذه الرحمة التى يموج بها فؤادك لكل الموجوعين والمقهورين والمتألمين والبؤساء من خلق الله؟ ما كل هذه المحبة والمودة التى تظللها على رؤوس العباد بالتساوى، لا فرق عندك بين دين وآخر، أو عقيدة وأخرى، حتى المارقين من ظل الله، تشملهم مظلتك وحمايتك ورعايتك؟ قل لى يا سيدى: كيف يحتمل قلبك الرقيق أوجاع وآلام الناس جميعاً من كل الأديان والأجناس، والأعراق من شرق الدنيا إلى غربها؟ وكيف تحيط ابتسامتك الوادعة المطمئنة كل أحزان بنى البشر، وبكاءهم وآلامهم، فلا تنضب ولا تجف ولا تهن ولا تفزع؟ قل لى: كيف يتسع صدرك لمن ضاقت عليهم بلادهم بما رحبت، فتحنو وتعطف وتغسل همومهم وأحزانهم دون تأفف أو تعالٍ أو تكبر؟ كيف توزع محبتك على الجميع غير ناظر لدين أو لون أو جنس، بلا زحام أو ضيق أو ضجيج؟ كيف تصلى لغير أهلك وغير عشيرتك ودينك، وللظالم منهم قبل المظلوم، وللقاهر منهم قبل المقهور، وتدعو بالخير وبالخلاص لهما معاً؟ هل شققت لنا عن هذا القلب الكبير، وهذه الروح النقية، وهذه النفس الزكية؟ لنعرف كيف تغرس بذرة الحب، وكيف تحرسها وتطعمها وكيف تسقيها؟ علمنا كيف يصلح القلب فيصلح العمل، وكيف يفسد القلب فتفسد الدنيا والآخرة؟ علمنا كيف تُزكَّى النفس فتفلح، وكيف تخيب النفس فتفجر؟

هل لك أن تفقهنا ألا نخشى فى الحب لوم البلهاء، أو عتاب الدخلاء، أو فتاوى الجهلاء، فهو من الله المحبة، وهو فى الله الحقيقة، والبغض فى الله هو عين الكذب؟ هل تدلنا كيف نرحم كل المستضعفين والمهانين والمغلوبين والمقهورين، فكلهم عيال الله وأخياره؟ هل علمتنا سيدى كيف نبكى على ما ضاع من آبائنا فى حروبهم الطاحنة على إرث البلهاء من أجدادنا؟ وكيف ننصح أبناءنا ألا يرثوا موروث الدم والغل من الحمقى فى عصرنا؟ علمنى بربك كيف أتخذ خليلاً وأخاً من غير دينى، يحفظ عهدى وأحفظ عهده، دون ولاء أو براء، أو معاداة فى الله أو موالاة فيه؟ هلا أخبرت الناس فى بلادى كيف كانت مصر، وكم كانت ملاذاً للخليل إبراهيم وأهله من الجوع والهلاك، وعود أحمد منها بالخير الوفير، وأمنا هاجر أم ابنها إسماعيل. وكيف كانت سيارة من مصر منقذاً ليوسف من غيابات الجب، وقصر عزيز مصر حامياً ومعيناً، وسجنها عصمة له وملاذاً أميناً، وخزائنها رزقاً للناس من السنوات السبع العجاف طيباً ومقيماً.. كيف كان قصر الفرعون لموسى حارساً وحامياً وأميناً، وكان قرة عين لأمه، ونهرها نجاة له ولقومه، وطور سيناء لقاء الله وتكليفه وتكريمه وتكليمه. وكيف كانت مصر قرار سيدتنا العذراء مريم، ومعين نبيها عيسى، ونيلها شرابه وثمرها غذاءه، يرتفع الماء حين يعطش فيشرب، وتميل الثمار فتسقط فى حجره فيشبع.. علمهم أن أرضنا وسماءنا ونيلنا حتى سجوننا كانت صوناً وحفظاً وأمناً وحماية وحراسة لأنبياء الله وسادتنا، فكيف إذا جاءونا جميعاً بشهادة الخير والحفظ والأمان، وجئناهم بأذى أعمالنا وهلاك أفعالنا لأحفادهم؟

علمنا كيف لا نخلع أصولنا ورداءنا ولحمنا وجلدنا وخيرنا وسواعدنا وتاريخنا، فهذه جميعاً خيرنا وعزنا ومجدنا وإرثنا، وعلى محبتها نسير، وعلى خير بلادنا نجود وننعم؟ قل لهم إن على هذه الأرض الطيبة وُلدت كل الأديان، وتربت على نيلها، وسارت فى دروبها، وعبرت أنهارها، فلم يمنعها عن العبادة سوى حاكم ظالم، أو محكوم ضعيف خائف، أو محتل غازٍ سالب ناهب لخيراتها وعقلها؟

هل سألت ربك يوماً ألا يذر على الأرض من الكافرين دياراً كما يسألون، وأن يملأ بيوتهم وصدورهم ناراً كما يطلبون، وأن يحل على بلاد الله من الأمراض والأسقام ما يهلك العباد كما يتمنون، وأن يصيبهم من اللعنة والذلة والمسكنة كما يحلمون؟

هل رأيت الله يوماً فى شر؟ أو فى قتل؟ أو على سيف سياف؟ أو على رمح مقاتل أرعن؟ أو فى ظلم ظالم؟ أو سمعته يوماً يستجير ببشر؟ أو يبارك ذبح الأخ لأخيه؟ أو سبى نسائه أو بيع أولاده أو استحلال ماله ودياره وعياله؟

آه من قولك: إن الله لا يطلب النصر من عباده بل هو الناصر، ولا يطلب العون من الناس فهو المعين، ولا ينتظر العطاء من أحد فهو المعطى، ولا يطلب قتل النفس إلا بالحق.قل لهم إن الأرض يرثها عبادى الصالحون، ربما يسمعك الضالون والمضللون.

عادل نعمان

كاتب وإعلامي مصري

[email protected]

"الوطن" المصرية

  كتب بتأريخ :  الجمعة 05-05-2017     عدد القراء :  1392       عدد التعليقات : 0