الصراع السعودي القطري انتظروا سيُرفَع الستار وسيتضح المشهد

صراع السعودية مع قطر ليس جديدا، لكن وصل إلى القمة بعد أن شعرت السعودية رائدة فكر التكفير الوهابي في العالم، أن قطر تنافسها في قيادة وتوجيه هذا الفكر الذي سوقته سياسيا حكومة السعودية الوهابية، والسعودية التي تتولى قيادة هذا الفكر منذ انطلاقته، تشعر أن قطر التي تتبنى فكر التطرف التابع لجماعة الأخوان تنافسها في قيادة الفكر المطوّع لخدمة أعداء الاسلام والمسلمين والذي حوّل الصراع من إسلامي صيهوني، إلى صراع بين المسلمين أنفسهم، والدعوة إلى الصداقة مع إسرائيل، وجوهر الصراع القطري السعودي هو التنافس في قيادة الاتجاه الديني التكفيري الذي حوّل الصراع من إسلامي صهيوني إلى إسلامي إسلامي، بدعم وتوجيه من أمريكا  والصهيونية.  

الصراع السعودي القطري هو تنافس من أجل قيادة التيار الإسلامي المتطرف خادم أمريكا والصهيونية، كانت السعودية ولا زالت هي من يقود هذا التيار في العالم الاسلامي، فدخل جماعة الأخوان منذ تأسيس الجماعة منافسين للسعودية في قيادة خط التطرف الاسلامي، واليوم جماعة الأخوان تدعمهم دول مثل قطر وتركيا وأمريكا وإسرائيل حسب مقتضيات المصلحة في الزمان والمكان المطلوبين، ولهم شيوخهم المختصون بإصدار الفتاوي الجهادية والتكفيرية حسب الطلب مثل الشيخ القرضاوي المقيم في قطر اليوم، وهؤلاء الشيوخ هم غير شيوخ الحركة الوهابية المقيمين في السعودية، وعدم خضوع هذا الخط وأي خط تكفيري آخر للإرادة والتوجيه السعودي أمر مرفوض من السعودية، لكنه مقبول من الأسياد، وهم من يوحي بهذا التنوع في الخطوط التكفيرية، وهذا ما لاتريده السعودية.

حكومة السعودية الوهابية تريد أن تبقى هي من يتزعم ويوجّه هذا الفكر في الاتجاه الذي تريد خدمة للأسياد الذين يحمون عروش هؤلاء الحكّام الخدّام، ولهذا السبب شعرت السعودية بالقلق عندما تولى الأخوان المسلمون برئاسة محمود مرسي الحكم في مصر، فدعمت حراك عبد الفتاح السيسي لإسقاط حكومة محمود مرسي وبسقوط حكومته ظنت السعودية أن قطر ستعود إلى دائرة الزعامة السعودية لتيار الفكر التكفيري المتطرف، لكن مشكلة حكام قطر حتى قبل تولّي الاخوان الحكم في مصر، أنهم متوجهون لتزعم الاتجاه الفكري السياسي الاسلامي المتطرف الذي يمثله جماعة الاخوان، بديلا عن زعامة السعودية التي تريد أن تقود جميع الاتجاهات، فالفكر الاسلامي المتطرف يسير اليوم في اتجاهين ولكل اتجاه من يمثله من منظمات الارهاب إضافة لاتجاه فكر منظمة القاعدة المتمركز في أفغانستان تحت الرعاية الامريكية الصهيونية، وجميع هذه الاتجاهات الفكرية الاسلامية المتطرفة تنتج منظمات إرهابية بمسميات مختلفة، وقد تختفي اليوم منظمة لتظهر بديلتها غدا تحت مسمى آخر، لكنها كلها ترتوي من فكر التكفير الوهابي، وكلّها تحت الرعاية الامريكية الصهيونية، السعودية من الناحية العملية تتمنى أن تتزعم جميع الاتجاهات، لكن إرادة الأسياد هو من خلق هذا التنوع في الاتجاهات والتنوع في منظمات الارهاب، قطر وتركيا اليوم تتزعمان وتدعمان منظمات الارهاب التابعة لجماعة الاخوان والمنظمات المتحالفة معها، ودول الخليج والدول الاخرى ضمن المحور الامريكي كلها تتوزع في رعاية هذه المنظمات والاتجاهات، ومن هذا المنطلق حدثت الخلافات السعودية ومجموعتها الخليجية مع قطر، وهي خلافات ليست جديدة، لكنها اليوم أكثر تصعيدا، لمصلحة يقدّرها السيد.

في فترة حكم أوباما ظهرت مؤشرات الميل الامريكي الصهيوني لصالح الأخوان على حساب الزعامة السعودية، وهذا ما أزعج السعودية لكنها لا تستطيع الاعتراض، في تقديري يوجد اتجاه داخل امريكا يقوده مجموعة من الصهاينة يخطط لإيجاد زعامة إسلامية بديلة عن السعودية أو منافسة لها، تحمل صفة العصرية بديلا عن الزعامة السعودية المتآكلة، وهذا الاتجاه تؤيده إسرائيل أيضا وفي نفس الوقت تتبنى هذه الزعامة الجديدة العداء للمسلمين الآخرين الذين يدعون لمقاومة العدو الإسرائيلي، وظهر هذا الموقف جليّا عندما حكم جماعة الأخوان مصر بزعامة محمود مرسي، سيما وأن السعودية أصبحت زعيمة هرمة لا تصلح للزعامة الاسلامية المعاصرة لأسباب كثيرة، منها العجز السعودي لمسايرة التطوارت الديمقراطية الحديثة، التي تدعو الى تداول الحكم سلميا حتى لو كان شكليا، فالحكم العائلي الوراثي أصبح من الماضي ولولا ضخ المليارات من الدولارات السعودية للحكومة الامريكية لتغير الحال في السعودية إلى حكومة جديدة تتوشح بالديمقراطية، مثل ما يجري اليوم في تركيا بقيادة أردوغان الاخوانجي وجرى في مصر بقيادة محمود مرسي، علما أن صعود الاخوان الى السلطة  بواسطة السلّم الديمقراطي، لا يعني أنهم سيسلّمون السلطة إلى جهات من خارج دائرة الأخوان بسهولة، بل إنهم سيسعون لتغيير الدستور ليصب في صالح بقاء حكم الاخوان للأبد، وهذا ما يفعله أردوغان اليوم، وما أراد أن يفعله محمود مرسي في مصر أيضا، وهذه هي طريقة الأخوان في التعامل مع الديمقراطية، تحويل اللعبة الديمقراطية بالشكل الذي يؤول إليهم، لأن الفكر الإخوانجي هو نفسه الوهابي الذي لا يؤمن بالتداول السلمي للسلطة، يريدون أن تكون الديمقراطية مجرد ديكور فارغ من الروح، وباسم الديمقراطية يصادرون إرادة الشعب من خلال القوانين والدستور الذي يصوغونه بالطريقة التي تصب في صالح بقائهم في السلطة باسم الديمقراطية فهم يصعدون ويستلمون السلطة بالسلّم الديمقراطي، لكنهم يحطمون هذا السلّم لإيجاد سلّم بديل يحمل لون الديمقراطية، لكن لا يرتقي هذا السلّم كائن من يكون، بل ستزّل قدم من  يحاول ارتقاء هذا السلّم المزيف من خارج دائرة الإخوان.

أمريكا انحازت إلى هذا اللون من الحكم المتزين بالديمقراطية، فهو في الوقت الذي يدعي الديمقراطية وهذا ما تريده أمريكا والصهيونية، يقوم هؤلاء الحكام المتلبسين بثوب الديمقراطية بإداء الدور المطلوب منهم لخدمة مصالح أمريكا وإسرائيل، وهذا ما يخفف اللغط حول دعم أمريكا لحكومات وراثية متهرئة مفروضة على شعوبها بالقوة، هذا الهاجس دفع حكومة أوباما لتأييد حكومة الأخوان في مصر رغم الاعتراض السعودي، لكن تغيّر الحال اليوم مع ترامب، كونه تاجر نخاسة ينحاز لمن يدفع أكثر، فدفعت السعودية فانحاز لصالحها ضد قطر التي تتبنى حراك الأخوان السياسي والديني المتطرف المنافس للحراك السعودي السياسي الديني رغم أن منبع الاتجاه الفكري السعودي الاخواني هو واحد، لكن المنافسة من أجل الزعامة والنفوذ هو ما يحصل اليوم بين قطر والسعودية، ومثل هذه المنافسة على النفوذ تجري بين الحركات الارهابية التكفيرية في سوريا اليوم إذ نسمع بين فترة وأخرى، هذا الطرف يكفّر ذاك وبالعكس، فيشتدّ القتال بين الطرفين ويعطي كل طرف قتلى وجرحى والاثنين لازالوا ضمن اللعبة، سواء انتصر هذا الطرف أو ذاك، فكلاهما داخل الملعب الامريكي الصهيوني، هذا السلوك بين التكفيريين ليس جديدا، بل هو محسوب مسبقا من قبل الاسياد.

وعلى ضوء ما تقدم نرى أن الصراع اليوم بين قطر والسعودية ومحورها، هو صراع شكلي تنافسي من أجل بسط النفوذ، فالسعودية لا تريد لقطر أن تنافسها من خلال دعمها للاخوان الذين ينافسون السعودية في زعامة تيار التطرف والتكفير   وكلا الاتجاهين ضمن دائرة المحور الامريكي الصهيوني، أرى صراع العقال السعودي مع العقال القطري ليس صراعا حقيقيا بل هو صراع تنافسي، أيهما يكون ممثلا عند أمريكا وإسرائيل للفكر الاسلامي التكفيري المتطرف، إن إثارة هذه الزوبعة بعد زيارة ترامب للسعودية والتي ظهر فيها منحازا للموقف السعودي مجرد فبركة أمريكية صهيونية، وموقف ترامب من قطر مجرد فبركة لتبرير أستلامه مليارت الدولارات السعودية، وبسبب هذه الزوبعة المصنعة أمريكيا وصهيونيا، أتوقع سيستلم ترامب في قادم الأيام وجبة جديدة من المليارات لكن هذه المرة من قطر سرّا أو علانية، بعدها سيتم الإعلان عن تسوية بين قطر والسعودية الصراع لا يتعدى أن يكون تنافسيا بين الخادمين أيّهما يقدم خدمة أكثر لسيده.

وعندي قراءة أخرى قد يعدها البعض من باب الخيال، هي أن تصعيد الموقف مع قطر سياسيا ودبلومسيا  من قبل السعودية ومجموعتها، مؤشر على بداية الاستفزاز الفعلي لإيران، وربما الاشتباك العسكري معها ولو بشكل محدود، لأن أمريكا تعرف قدرات إيران الحقيقية، ومدى تأثيرها على إسرائيل وذيول أمريكا في المنطقة، فإذا أرادوا استفزاز إيران فهو من باب الإضعاف والضغط لتغيير موقفها تجاه إسرائيل والمقاومة، وهذا هو بيت القصيد المطلوب من إيران أن تنشده، إنهاء حزب الله في لبنان، وعدم دعم أي لون من ألوان المقاومة ضد إسرائيل، فإن رضخت لهذه المعادلة، فستتحول إيران بين ليلة وضحاها من عدو إلى صديق.

إن تصعيد الموقف مع قطر بعد زيارة ترامب، مؤشر لفتح باب الحرب مع إيران بشكل فعلي وبصور عديدة، منها دعم الارهايين لتنفيذ عمليات داخل إيران مع الوقوف بوجهها إن أرادت الردّ على من يدعم الإرهاب ضدها، السؤال وما علاقة ذلك بالتصعيد مع قطر؟ جاء التصعيد مع قطر من أجل عزلها عن اللعبة مع إيران حتى تحمي أمريكا مصالحها في قطر، من أي ردّة فعل إيرانية ضدها لو بقيت محسوبة على السعودية، والأهم حماية قاعدة العديد الجوية الأمريكية في قطر من الهجوم الإيراني فيما لو حصل عدوان على إيران، إذ يوجد في قاعدة العديد الجوية جنوب الدوحة مركز العمليات الجوية الأمريكية لمنطقة الشرق الاوسط التي انتقلت إليها من قاعدة الامير سلطان في السعودية، كذلك توجد في قطر مراكز التجسس الاسرائيلية والامريكية والبريطانية، ومن أجل حماية هذه المصالح أُفتعِل الخلاف السعودي القطري اليوم، لإبعاد قطر عن احتمال تعرضها لهجوم من قبل إيران لو حصل اشتباك مع ايران بأي مستوى، إذن من أهداف التصعيد مع قطر هو حماية قطر وحماية القواعد الجوية الامريكية ومراكز التجسس فيها، ولاحظنا تزامن التصعيد مع قطر والهجوم الارهابي في إيران، إذ تعرضت إيران لهجومين إرهابيين يوم (7/ 6 / 2017 )، الاول على مرقد الامام الخميني، والثاني على مبنى البرلمان راح ضحيته إثنا عشر شهيدا.

هذه البداية في تقديري، لكن نتمنى أن لا تتطور الأمور أكثر، لأن أي تصعيد مع إيران لا يخدم مصالح شعوب المنطقة، بل يخدم مصلحة أمريكا وإسرائيل، كل هذه الجعجعات الغاية منها، تصفية مشروع المقاومة من أجل أن تستقر عيون إسرائيل ثمّ الاعتراف العلني بها وإنهاء القضية الفلسطينية، هذه إحدى قراءاتي للتصعيد مع قطر إضافة لما ذكرنا سابقا، وفي كل الأحوال التصعيد مع قطر هو لعبة أمريكية صهيونية، أدوات تنفيذ اللعبة حكام السعودية وقطر والحكام الاقزام الآخرون، ونحن نسأل هل يظن ترامب أو تظن السعودية أو قطر أو غيرهم من الحكام التابعين، أن الشعوب مغفّلة ولا تعرف خيوط اللعبة؟

إنها لعبة قديمة جديدة، لا السعودية ولا قطر من يحدد مساراتها، بل خطط أمريكية صهيونية جاهزة وما على الحكام العملاء إلّا التنفيذ، الصراع السعودي القطري فبركة ومسرحية أمريكية صهيونية لتحقيق عدة أهداف منها:

ابتزاز الاموال، ولتتجه دول الخليج أكثر إلى أمريكا وإسرائيل، كي تدفع  إلى السيد الأمريكي، وهدف آخر مهم عندهم هو الانتقام من إيران بطريقة من الطرق، مع المحافظة على سلامة قطر من أي ردّ فعل إيراني كونها في تقدير أمريكا وحلفها الشيطاني أصبحت خارج الملعب، الصراع بين السعودية وقطر تنافس بين الخدم أيّهما يقدم خدمة أكثر لسيده .

إنتظروا أيها السادة المشاهدون سيرفع الستار وسيتضح المشهد في قادم الأيام.

  كتب بتأريخ :  الخميس 08-06-2017     عدد القراء :  560       عدد التعليقات : 0