الثأر والحقد الشخصي في الجهاد «31»

لا يمكن للعقل أن يقبل الجهاد الذى يهدف إلى تبليغ الرسالة السماوية إلى الناس أن يكون على النحو الذى نراه، مهما أوتى المستخدمون من الرصانة والحصافة فى السرد والنقل، أو حبكة الروايات التاريخية كدليل، فطالما كانت الوسيلة من وضع النفس البشرية فلن تخلو من عيوبها ومثالبها وأطماعها، ولو كان من عند غير الله لوجدنا فيه اختلافا كبيرا، والوسيلة منتج بشرى، يخضع فيها سلامة المنتج إلى كفاءة التوصيل، ومناسبة الوسيلة من زمن ومكان إلى آخر، والوسيلة تخضع لظروف الحياة وضروراتها، وأخلاقيات الناس ومثالبها، والحاجة الاقتصادية وأطماعها، فتشكل فى نهاية المطاف وسيلة متعارضة مع جوهر الدين أحيانا، متصادمة مع القيم الإنسانية فى جزء، متخاصمة مع الحضارة فى قسم، مسحوب فى شطر منها إلى أغراض شخصية وضغائن وأحقاد، والدين مترفع ومنزه وعال، (ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتى هى أحسن).

وكما كانت الغنائم محددا جوهريا، وأحد المحفزات الرئيسية للجهاد، وبغيرها كانت النتائج مختلفة لا محالة، فقد كانت تصفية الحسابات الشخصية والثأر أيضا لها من القوة والغلبة أن تفصل الصراع، لتجاوزها المقبول والأعراف، وبغيرها كانت النتائج أيضا لها شأن مختلف، حتى ولو كانت أحداثا فردية، يكفيها ردة فعل ولى الأمر!! وهى التى تسحبه إلى الحكم العام، والموافقة عليه تجعله تكليفا يهتدى به، ودليلا فى يد الإرهابيين يستميلون به الباحثين عن رضا الله، وحجتهم فى هذا، هل نهى الرسول عن الفعل الشخصى أم ترك الناس تصنعه على هواها؟ أو هل حاسب النبى من فعله بغض النظر عن نتائجه حتى لو كان فيه مصلحة للمسلمين من عدمها؟ فليست أوامر الله ونواهيه تخالف حكمة الله البالغة ورحمته المبتغاة لعباده، وكان من باب أولى إنكار هذه الروايات برمتها، والتأكيد على عدم حدوثها، حتى لا تصبح رخصة شرعية للمخالف وللمجاهد الأرعن فى نفس الوقت، وليس التأكيد على حدوثها، والبحث عن أسانيد شرعية واهية، وكأنما «جاء يكحلها عماها»، أما إذا أصروا عليها فللناس فيها رأى وموقف آخر مستقبلا. ولنا فى هذا بعض الأمثلة: فهذا سيف الله المسلول خالد بن الوليد حين أرسله الرسول إلى «بنى جذيمة» فى ثلاثمائة مقاتل، منهم من قبيلة «بنى سليم» لردهم إلى إيمانهم، وقد كان «لبنى سليم» ثأر عند «بنى جذيمة »، فقد قتلوا منهم «مالك بن شريك وأخوين له»، وكان أيضا لخالد بن الوليد ثأر عندهم أيضا فقد قتلوا عمه «الفاكه»، وكان سببا فى توجسهم وخوفهم اللقاء بخالد وبنى سليم، فقال لهم: أسلموا؟ فقالوا له: أسلمنا ونقيم الصلاة ونعبد رب محمد، فأمرهم بوضع السلاح فوضعوه، فأسرهم دون قتال، وأمر بقتلهم، فقتل بنو سليم من كان منهم تحت أيديهم أسرى، وامتنع الباقى عن قتلهم، ولم ينكر عليه أحد ما فعله، وقال الرسول اللهم إنى أبرأ إليك مما صنعه خالد، وأرسل الرسول بفدواهم. القصة الثانية قتل بلال بن رباح لأمية بن خلف، فقد قتله وهو فى الأسر وفى حمى عبدالرحمن بن عوف «وكان بلال عبدا عند أمية بن خلف، وعذبه فى الجاهلية ليبعده عن دين الله، حتى اشتراه أبوبكر بن قحافة وأعتقه. وهذا ابن مسعود فى رواية قتله لأبى جهل «عمرو بن هشام»، أبى الحكم، وهو صريع يحتضر من هول ما أصابته الرماح والسهام، يتقدم ابن مسعود ولا يستنكف أن يحز رأسه وهو يموت انتقاما منه، فقد قطع عمرو بن هشام أذن بن مسعود فى الجاهلية، فقطع بن مسعود رأسه فى الإسلام وهو أسير يحضره الموت. وهذا خالد بن الوليد يقتل مالك بن نويرة فى حروب الردة، ويتزوج بأرملته الجميلة، حتى إنهم قالوا: إن سبب قتله لمالك رغبته فى الفوز بجمالها، وقالوا فى روايته: دخل بها ولم تبرأ رحمها بعد. وحين دافع السلفيون عن خالد ويا ليتهم لم يفعلوها، وكان أولى بهم أن ينكروا الحادثة برمتها، فقد أعطوها مبررا هزيلا ومخجلا حين برروا قتله لامتناع «مالك» عن تقديم الزكاة، فليس هناك حكم فى الإسلام لقتل مانع الزكاة أو المرتد، فهى حجة عليهم وليست لهم. وقالوا كانت امرأة مالك الجميلة، أسيرة عنده، وزوجة المرتد المقتول من نصيبه، وقد ناقضوا أنفسهم فلم يقتله خالد بنفسه بل قتله أحد جنوده، فلماذا لم تكن أرملة المرتد من نصيب من قتله؟ والأقرب أن الرواية صحيحة بدليل عزل عمر بن الخطاب خالدا بعد توليه الخلافة مباشرة، فقد كان لعمر رأى فيما صنعه خالد. فلا شرف فيما صنعه خالد حتى يتفاخر بفعلته الرديئة السلفيون ويبحثوا ببجاحة عن شرعية هذا العار. ولقد شرحنا من قبل فى مقالات عدة مقتل كعب بن الأشرف، وعصماء بنت مروان، وفاطمة بنت ربيعة «قرفة» ورافع بن الحقيق، وفى رواية مقتله أمر غير مقبول حين تسوروا بيته ليلا، ونادوا على زوجته أن جاءوه بهدية، ولما فتحت امرأته الباب أجهزوا عليه طعنا بالسيوف وكان الخزرج بهذا يرغبون فى التقرب للرسول بمقتله، كما تقرب له نفر من الأوس بقتل كعب بن الأشرف. ولم يفلت الجهاد من تصفية الحسابات حديثا، فكل الجهاد الآن حرب طائفية دينية، بين فريقين متقاتلين بمسمى واحد وإن اختلفت فانلة اللاعبين

adelnoman52@yahoo.com

"المصري اليوم"

  كتب بتأريخ :  الخميس 15-06-2017     عدد القراء :  96       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 


 
الدكتورة رينا ثائر حيدو بمناسبة تخرجها من كلية الصيدلة جامعة لوما لندا في ولاية كاليفورنيا
بكل فخر واعتزاز من عائلة ال حيدو في سان دييكو وبمناسبة تخرج بنت أخي الدكتورة رينا ثائر حيدو من كلية الص...التفاصيل