لقد وصلتهم الرسالة من كردستان العراق

في يوم 17 حزيران عام 1980 يكون قد مضى على التحاقي بقوات أنصار الحزب الشيوعي العراقي ستة شهور ونصف بالضبط , كنت ورفاقي نقوم فيها بوضع اللمسات الأخيرة لعمل قاعدة بهدينان وخاصة مرحلة بناء القاعات للسرايا والفصائل ومن ثم التهيؤ للمشاركة في المفارز القتالية. .كانت تلك الشهور صعبة ولكنها ممتعة حقاً حيث التعامل ولأول مرة مع الطبيعة الجبلية وثلجها الذي يغطي كل شيء وجوها القارص وخاصة تلك السنة التي هطلت فيها الثلوج بشكل ملفت بحيث أن حركة وصول الأنصار الجدد تعرقلت الى حد كبير وقد انتظروا بفارغ الصبر قدوم الصيف لكي يصلوا بيسر وسلام ..كان شهر حزيران دافيء وهواءه منعش وقد إزدانت القاعدة بالخضرة الجميلة التي إنتشرت حوالينا وصرنا نفكر ببناء الكبرات أي السقائف التي نستظل بها من وهج الشمس وننام تحتها وقت القيلولة ..فكرت أن أعمل كبرة صغيرة لي وقمت بتفحص المكان الكائن خلف قاعة السرية الثانية وشرعت بتنظيفه من الاوساخ والاحجار ورتبت أرضاً صغيرة لا تتجاوز المتر ونصف ثم بدأت حملة بمفردي لجمع الأغصان من شجر العفص والبلوط المتناثرة هنا وهناك وعملت منها كبرة صغيرة كنت التجأ اليها حاملاً كتاباً أو مجلةً من التي بحوزتي أو التي أستعيرها من بعض الأنصار ثم ما يلبث النعاس أن يتغلب عليّ وأنام لمدة ساعة أو أكثر بقليل ..وخلال هذه المدة من الزمن لم أسمع عن عائلتي إلاّ النزر اليسير من المعلومات حيث كنت أول الملتحقين فيها بقوات الأنصار ثم التحق بعدي ثلاثة إخوة بمدد متفاوته , وكان الحنين يشدني اليهم والى بقية الرفاق الآخرين وخاصة من أبناء محافظتي وكم تمنيت أن يلتحقوا معي ونجدد معهم أواصر الصداقة المبنية على المعرفة والمحبة والاحترام , كان معي ثلاثة منهم وهم النصير أبو نرجس والشهيدان أبو آذار وأبو علي النجار وهم جميعاً أكبر مني سناً ومن الذين لم تربطني بهم علاقة تنظيمية داخل الوطن قبل الحملة على الحزب الشيوعي وخاصة عام 1979 ولذلك كنت أتمنى لو يلتحق معنا عدد من رفاقي الطلبة من الذين عملت معهم سابقاً في تنظيمات إتحاد الطلبة أو الخلايا الطلابية الشيوعية بالمدينة وبالذات من أقرب أصدقائي وفكرت ببعض الأسماء لا سيما وقد عرفت أنهم حاليا في مدينة عدن اليمنية .. لما لذلك من تأثير معنوي وحافز قوي للعمل الانصاري المختلف كثيراً عن عمل الحزب ونضاله في الحياة المدنية السابقة لا سيما وانني كنت في مرحلة الشباب الأولى وبعمر صغير قياساً لمهام شاقة تتطلب المساعدة والتفهم من قبل الجميع ولو أنني لاقيت ذلك من قبل الكثيرين وخاصة في المفارز القتالية حيث اننا كنّا نواجه الموت في كل لحظة وحياتنا تتطلب نكران الذات في سبيل الآخرين الذين نعمل معهم ..

كان الوقت ضحى أحد الأيام وكنت قد إستلمت وبفرح غامر أول رسالة من أخي الأكبر وصلتني عبر الطريق الحزبي شارحاً فيها ظروفه العائلية والرفاقية وكونه الآن في اليمن مع جموع غفيرة من الشيوعيين وأن اعداداً منهم تنتظر الالتحاق بالانصار وبعضهم قد أكمل دورة عسكرية لتحقيق هذا الغرض ...فرحت كثيراً بالرسالة وقد إطمئنيت على رفاقي وعائلتي ولكن الظروف التي أحاطت بي وخاصة عمل القاعدة حالت دون الكتابة الفورية والرد على رسالته وأيضاً لم اعرف عنوانه وكيف أراسله وإستفسرت من بعض القياديين حول ذلك فطلبوا مني الكتابة وإغلاق الظرف وهم سيتكفلون بتوصيلها عندما تسنح الفرصة , جلست أفكر ماذا أكتب لأخي من كلمات..إنتزعت ورقة من دفتر قديم كان معي واحضرت القلم وقلت لنفسي سوف أكتب له عن عملي ولأول مرة في حياتي مع رفاقنا الأكراد والذين أحببتهم وخاصة الايزيديين منهم وكانوا الأقرب الى قلبي ثم قلت سوف أكتب له عن نهر الخابور الجميل الذي ننتزع منه الصخور عنوة ونعمل بها قاعة أو مطبخ أو مشجب للسلاح أو غير ذلك وطرأت على بالي فكرة معاتبة أبناء المدينة وأصدقائي على تأخرهم بالقدوم والتوجه نحونا وفكرت أن أبعث اليه ببعض الاشعار الثورية كمحفز لهم ..هكذا فكرت ..!! إختلطت عليّ الأمور وصعب تجميع ما كان ببالي من كلمات ولذلك إبتدأت رسالتي لأخي ب ..من غابات البلوط والجوز .. من شذى الورود الملونة الجميلة ..من الماء الرقراق البارد ..من النسمات المنعشة ..من بين سواعد الأبطال أهدي اليك كلماتي وبها أحمل أحر وأجمل التحيات الأخوية مقرونة بحبي وتقديري ....ثم أتحدث له عن صدى رسالته لي وما تركته من أثر عميق في روحي وقلبي وخاصة الجزء المتعلق فيها بوضع عائلتنا ومصير كل واحد منهم ..أقول له برسالتي ..أنني مرتاح جداً ودائم الفرح وسعيد وكلنا أي /الأنصار/ سعداء ..فرحون وشامخون رغم عوادي الزمن وإننا نتجدد وننمو ونتطور يوماً بعد آخر بإرادتنا الفولاذية وبسواعدنا الشابة وعقولنا المتفتحة ..ولقد تعودنا على الفراق رغم الذكريات التي تحاول جاهدةً أن تلين من عودنا ولكن عودنا قوي كالخيزران ونحن متأكدون من أن لقاءنا بكم سيكون قريب ..قريب جداً ..ثم أواصل بقية الكتابة له وأقول ..ما أجمل الحياة حينما تكون حقيقية حيث العمل طوعي وبرغبة صادقة وبتفاعل مع الآخرين ..عمل بحركة مستمرة ويكاد ينعدم فيها الروتين القاتل وبما أننا نعيش مع شتى أنواع الأنصار ومن كل الأديان والقوميات والمدن تقريباً , لذلك فأن خبرتنا بصنوف الحياة كلها ستزداد وهذا الشيء سينعكس إيجابياً على تطور شخصيتنا ولأن التفاعل ديناميكي سريع فأن ذلك سيضع الأصابع كلها على مناطق الضعف هنا وهناك ويقوّم الشخصية ويعززها لا سيما ونحن نعيش في مكان هو المحك الحقيقي للإنسان الثوري...ومن هنا أقول لأخي ..لابد وأن أشير لك بأنني أعاتب / شباب ولايتنا / وغيرهم من الذين انتهزوا الفرص للهروب وعدم المجيء الينا في كردستان بالوقت الذي يوجد بيننا أنصار كبار السن وقد تجاوز بعضهم سن الخمسين بعدة سنوات ..! ماذا ينتظر هؤلاء ! أيريدون أن نعود الى الطريق السابق نعيش بذلة وخنوع..! في الوقت الذي كان يعلن فيه الكثير منهم أنه بلا جدوى ..أتمنى أن يتخلصوا من الأنا التي يقول عنها الرفيق أبو گاطع , أعوذ بالله منها ..! لا أقول أكثر من هذا أملي أن يلبي طلبي شبابنا الواعين بهذه المهمة النبيلة , وفي نهاية الرسالة وبعد السلام عليه وعلى عائلته الصغيرة والرفاق والأصدقاء أكتب له بعض الابيات الشعرية الثورية من قصيدة للشاعر الفلسطيني معين بسيسو ومنها ما كتبت له نعم قد نموت ولكننا سنقتلع الموت من أرضنا ..أنا الآن بين مئات الرفاق ..اشد لقبضاتهم قبضتي ..أنا الآن أشعر أني قوي واني سأهزم زنزانتي ..الخ / وأضع تاريخها الذي هو 17 حزيران عام 1980 من كردستان العراق ..ولما إستطعت من زيارته في دمشق صيف عام 1991 حدثني عن الرسالة وكيف أنهم فرحوا بها ووضعوها ضمن مواد النشرة الجدارية في المعسكر الذي كان عدد منهم يتدرب فيه على السلاح تمهيداً للإنخراط في صفوف قوات الأنصار..وقال أن رسالتك معي الآن ..!! ثم بحث عنها ووجدها وكانت فرحتي بها لا توصف وتفاجئت بركاكة بعض العبارات وعدم صياغة بعض الجمل بشكل جيد ..وهي الآن معي أتشوق من خلالها لذلك اليوم المجيد من أيام عملي ضمن هذه القاعدة الخالدة ...قاعدة بهدينان .وأخيراً أود الإشارة الى أن النصير الشهيد وضاح والذي كان في حينها معهم في اليمن ذكر لي الآتي ..إشسوت بينة رسالتك أنا والشهيد علي إبراهيم وصرنا نلح على الرفاق حتى نصل اليكم بأقرب فرصة . !. قال لي تلك الكلمات قبل أقل من شهر على مصرعه وقبل أن تستقر رصاصات نفر من عناصر الاتحاد الوطني الكردستاني في قلبه الطيب هو ورفيقاه مازن الشاب الكربلائي الهاديء الوديع وسمير عينكاوا حينما ذهبوا بمهمة البحث عن جهاز إطلاق صاروخ الستريللا المضاد للطائرات والذي كان قد دفنه في مكان يعرفه هو فقط وضمن نطاق مسؤوليته عنه فكان كمينهم الغادر لأنصارنا بالمرصاد يوم الثاني عشر من آب عام 1983 في وادي كومتان حيث خضبت دمائهم الزكية تربة الوادي وأينعت خضرته أكثر فازدادت إخضراراً !

  كتب بتأريخ :  الجمعة 16-06-2017     عدد القراء :  328       عدد التعليقات : 0