تمويل الجهاد وشرف الوسيلة «32»

قلنا سابقا إن المنهج البشرى للدعوة إلى الله ونشر رسالته، يصيبه من الفساد والجنوح قسط مما يصيب المناهج البشرية الأخرى، ويصاحبه من الأخطاء والزلل، ما وصله حظه ونصيبه من أخطاء غيره، ويواجه من النقد والذم مادام نقد النظريات الإنسانية وذمها قائما، وكان حريا أن يكون المنهج المعتمد منهجا إلهيا صرفا، لا يدخل فيه اجتهاد شخصى لمجتهد، ولا يحشر فيه دوافع بشرية لبنى الإنسان، ويكون نبل الهدف ملتزما ومتوافقا مع شرف الوسيلة ولا يتعارضان، ولا يرفضه الناس ولا يستنكفونه، ويشعرون بالرضا والسعادة والطمأنينة إذا هموا بها،

ويتسابقون إلى فعله فى العلن بمباركة ورضا من الجميع، ولا يتصادم مع الفطرة والقيم الإنسانية المألوفة، ومقبول من الإنسان السوى المعتدل البسيط كما الراقى من البشر، والجاهل والمتعلم، فإذا كانت أطماع الناس فى أموال الغير ورغبتهم فى الانتقام والتشفى، جزءا يستند عليه صاحب الحق، فيكون قد بنى الأمر على غير المراد، ويكون كمن سرق ليتصدق، وهى صدقة مرفوضة، وحق بنى على باطل، كولد ربى من سحت فنبته من حرام. فكيف لدين الله ورسالاته؟. قلنا فى مقالين سابقين، الأول: عن الغنائم والأسلاب واعتماد فكرة توزيعها كما كان معمولا به فى الجاهلية، وتحفيز المقاتلين بالغنائم وأسر الرجال وسبى النساء للاستمتاع بهن، يضع الجهاد فى سبيل الله كالاجتهاد فى الاستيلاء على حق الغير، والغزو فى سبيل الله، كالإغارة على ممتلكات الغير، والمجاهدين فى سبيل الحق كالمحاربين فى سبيل الباطل، اللهم الفرق فى لون الراية التى يحملها كل فريق، وإن اختفت فلا تعرف الفارق بين غزوة فى سبيل الله وغارة فى سبيل الغنائم، أو بين الظالم والمظلوم.

وفى المقال الثانى كان عن الضغائن والأحقاد، وكيف كانت محركا فى الجهاد، وعاملا على الانتصار وحسم المعارك، لخروجها عن الأعراف، والغلبة فى المعارك عادة لمن يسرف فى القتل ويكسر القواعد المعمول بها والملزمة للناس فى الحروب، وكانت الرغبة فى الانتقام وقتل الأسير والمحتضر عند الموت- وقد كان منهيا عنه فى الجاهلية- تشعل المعارك وتخرج المجاهد عن إنسانيته، وشرف الجندية المتبع، فمن يحمل رغبة الانتقام فى صدره تثنيه عن نبل المقصد ورفعة الهدف، ويكون الطريق إلى الله محمولا على ذات المنهج البشرى يتساوى فيه خطأ مجتهد، ومجتهد جاهل، وجاهل لا يصيب، ولكل منهم حسنة حتى لو قتل أو سرق أو زنا، ولا يتفق كل هؤلاء على الإطلاق على ما يقرره الله، فلا خطأ فيه، ولا اجتهاد فيه للعلماء أو الجهلاء، ولا انحراف عن نبله وشرف مسعاه. ولا يقل تمويل الجهاد فى مثالبه وسوءاته عن سابقاته، فماذا عنه؟ وماذا به؟ ويقصد بالتمويل التدفقات المالية ومصادرها للإنفاق على شراء السلاح والعتاد وكل ما يلزم الجهاد والمجاهدين من مأكل ومشرب وعلاج ورواتب وعطايا، وغالب أمواله سطوا على أموال الغير بغير حق، إما بالاستيلاء عليها واغتنامها بالحرب، أو مصادرتها دون حرب، بعد هروب أصحابها خوفا من بطش المقاتلين والغازين،

وقد كان مألوفا هذا فى الغزوات قديما وحديثا مرورا بغزوات الوهابية، فكان أصحاب القرى يفرون إلى الصحراء ويتركون بيوتهم من هول ما سمعوه عن بطشهم، فيستولون على أموال الناس دون جهد، ومنها تجارة المخدرات، وبيع الأعضاء البشرية، وتجارة الآثار واللوح الفنية، والبترول، ودية المخطوفين من أبناء الأغنياء، هذا جزء من مصادر التمويل الحديثة، ونزيد عليها ما كان معمولا به قديما ومازال معمولا به شرعا، وهو بيع الأسرى من النساء والأطفال بعد قتل المحاربين، والفدو وأموال الجزية والخراج والصدقات، وكلما زادت المصادر وزادت الأموال، زادت معها مخصصات وعطايا ورواتب المجاهدين والجند، وكانت محفزا ومشجعا لانضمام المقاتلين للجهة أو للفصيل الذى يحقق أعلى عائد ويدفع أكثر من غيره.

وقد كانت داعش أكبر استثمار وأكثر ربحا وأعلى فائدة، يتسارع هؤلاء القوم للعمل تحت رايتهم، ولم يكن إقامة الدولة الإسلامية هو المحرك الرئيسى لهؤلاء، وللأسف لم يكن هذا حديث العهد فقط، بل كان منذ زمن بعيد حين كانت الغنائم والأسلاب «من قتل قتيلا فله سلبه (مابحوزته)، ومن أسر أسيرا فهو ملكه»، محركا رئيسا ومحوريا فى انضمام هؤلاء إلى الجهاد، بغيره لم يكن يؤتى أكله، أو يتحقق الهدف منه. فكيف بالله نقول للناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، ثم نقبل الردىء منه على رأس القائمة وهو نشر الدين، وكيف نقول عن زانية تصدقت «ليتها لم تزنِ ولم تتصدق» ويكون رفع راية الدين على جماجم الناس، وهو أشد وأغلظ عند الله من الفواحش ومن هدم الكعبة. كذب من قال وطمع من صدقه.. نهاية داعش والمجاهدين الخميس المقبل.

[email protected]

"المصري اليوم"

  كتب بتأريخ :  الخميس 22-06-2017     عدد القراء :  1744       عدد التعليقات : 0