قانون «مكافحة الكراهية» يحض على الكراهية

هذا المشروع بقانون الذى تقدم به الأزهر إلى البرلمان وهو «قانون مكافحة الكراهية والعنف باسم الدين»، هو إعلان صريح ورد رسمى موثق على رفض تجديد الخطاب الدينى، والإصرار على عزله وحبسه عن التطوير، وحجبه عن مسايرة العالم المتمدن، وتحدٍّ صارخ للدستور الذى يكفل حرية الفكر والعقيدة، ويغلق الباب بالضبة والمفتاح على الإبداع وحرية الرأى والفكر لكل طالب أو مبدع خارج المؤسسات الدينية، بل يحض على الكراهية والعنف، ولو حاكمنا بهذا المشروع من حض على الكراهية والحقد والعنف، لحاكمنا تاريخنا كله، حكامنا وحلفاءنا وخلفاءنا، بل طال الكثير من الرموز الدينية والمذهبية التى قدسناها، ورفعت ما حملته من الكره والغل والتحقير إلى مكانة التنزيل، وقتلت مانعى الزكاة والمرتدين دون حكم، ونهبت الأموال بغير حق، وكفرت بلا سند، واحتقرت وأذلت وظلمت الكثير من عباد الله وخلقه دون وازع أو رادع أو مانع. فإن كنتم باحثين عن العدل ورد المظالم لأهلها، وأولها مظلمة الكره؛ حاكموا تاريخكم كله، ولا تحاكموا مَن يحاول أن يعيد للدين حقيقته ومكانته، ويفتح الباب لكل باحث أن يدلى بدلوه، ويناقش ويحاور ويشك ويتمرد، وإن خفتم عليه من الناس فله رب يحميه. هذا الحق منحة من الله لا نردها عليه. حاكموا من عطل العقل وأعطبه، وسحبنا كالبهائم منذ قرون وراء الخرافات والتدليس والأساطير، وليس نحن الذين نرفع من قدر العقل، ونباعد بينه وبين خرافات المخرفين وأساطير الأولين والآخرين، وأنا أدعوكم يا سادة إلى الكف عن الحديث عن حرية الفكر والاعتقاد، فلستم أهلاً لها، ولا مكلفين بها قديماً أو حديثاً، ولا أمناء عليها، ولم تؤمنوا بها يوماً فى تاريخنا كله من اليوم الأول. هذا تاريخ يتسابقون فيه بالفزع والجزع، والقتل والتشريد، ومحاربة الفكر والإبداع، ولم نسمع يوماً فيه عن حرية العقيدة أو المعتقد، فكل من كان على غير ملتنا فهو كافر، وكل من نقض ناقضاً من نواقض الوهابية العشرة فهو كافر، وكل تارك للصلاة يُستتاب أو يُقتل، وكل من والَى كافراً أو شك فى كفره أو ساعده فهو كافر مثله. وكم كنا نود أن يكون الإيمان بالحب وليس خوفاً من ثعبان أقرع أو مرزبة طولها سبعون ذراعاً، ونصلى شكراً وحباً لله دون خوف من عقاب، ونخطئ ويسامح، ونتاجر مع الله دون مكسب اللهم إلا رضاه وحبه، لكن له الأمر من قبل ومن بعد. سأتعرض فى مقالات مقبلة لهذا المشروع، وسأتوقف حال إقرار القانون، أو رفضه، حتى لا أقع تحت مقصلته إذا أقر وشرع، يقيناً منى أن هذا المشروع قد أعد للنيل من كل المفكرين والتنويريين والذين يحملون فكرة الدولة المدنية والداعمين لها، أو حال رفض المشروع، فيكون قد قضى الأمر، وعدنا سيرتنا الأولى. اليوم نتحدث عمّا جاء فى المادة الأولى حول التعريفات، وقد جاء فى تعريف الأديان: هى الأديان السماوية اليهودية والمسيحية والإسلام فقط. وأحب أن أوضح لمن وضع هذا القانون أنه لم يأخذ فى حسبانه القوانين الدولية، والتى تلزم القوانين الخاصة بالدول الالتزام بما جاء فيها من تشريعات، وكان لزاماً عليه أن يحافظ على كل خلق الله دون اعتبار لدين أو عقيدة أو مذهب على إطلاقه، وهو بهذا التعريف قد جعل الحماية من الكره خاصة بهذه الأديان فقط، وهذا يتعارض مع حماية جميع الأديان الأخرى من مغبة الكره والحقد فهى جميعاً فى كنف القانون سواء. ومن هذه الأديان ما هو موجود فى مصر وما هو خارجها كالبهائية، والأحمدية القاديانية وغيرها. أما المهم، وهم «الشيعة»، الذين تعتبرهم معظم مذاهب أهل السنة من العصاة الكافرين، وأولهم السلفية والوهابية والمسيطرون على الاتجاه الدينى فى مصر، فماذا عنهم؟ هل سنعتبرهم خارجين عن حماية القانون كما أنهم خارجون عن الملة؟

وهذا هو رأى مشايخهم وأئمتهم ومرجعيتهم، فهذا رأى اللجنة الدائمة فى السعودية وهم قادة السلفية فى مصر والعالم: «فهم مشركون مرتدون عن الإسلام والعياذ بالله ولا يحل أكل ذبائحهم لأنها ميتة ولو ذكروا عليها اسم الله». وهذا إمامهم البخارى: «لا تشهد جنائزهم لأنهم كانوا على غير ملة الإسلام». وهذا العلامة ابن باز: «لا تخرج الزكاة لكافر، أو مبتدع فالرافضة (الشيعة) بلا شك كفار لأربعة أدلة» (لا محل هنا لذكرها). وهذا ابن عبدالوهاب: «فهؤلاء الإمامية خارجون عن السنة بل عن الملة، واقعون فى الزنا، وإن الشيعة الإمامية من فرق الضلال التى جمعت فى عقيدتها كل شر وانحراف موجود فى باقى الفرق والنحل، ولهذا حكم جمهور العلماء بكفرهم وزندقتهم».. وشيخ الإسلام ابن تيمية: «ليس فى جميع الطوائف المنتسبة إلى الإسلام من بدعة وضلال شر منهم، ولا أجهل ولا أكذب ولا أظلم ولا أقرب إلى الكفر والفسوق والعصيان، وأبعد عن حقائق الإيمان منهم». هذا ما يقال صراحة عند أهل السنة وأكثر، والشيعة أيضاً يعتبرون أهل السنة كذلك. أما الذين لا يصرحون بها، فيضعون للكفر شروطاً لا يخرج شيعى واحد منها، ويكون ما أصابه منها كمن أصاب من كفروه صراحة. فمثلاً «كل من يعتقد أن الأئمة يعلمون ما كان وما يكون وما سيكون فهو كافر». «ومن يطعن فى شرف عائشة التى برأها الله قد كفر». «وكل من يعتقد أن الصحابة قد كفروا بعد النبى فقد كفر». «وكل من قال إن القرآن ناقص وأسقطوا الآيات التى لا تعجبهم فقد كفروا بالله». وهم بهذا فقد جمعوا كل مذاهب الشيعة تحت لواء واحد وكفر واحد، فمنهم من يستظل بواحدة دون الأخرى، ومنهم من يستظل بالأربعة جميعها مرة واحدة، وفى كليهما فهو كافر. قولوا لنا دام فضلكم هل الشيعة من الملة وأهل قبلة حتى يشملهم القانون أم خارجون عن الاثنين؟ وماذا عن التحالف السنى وحرب اليمن وسوريا والعراق مع أو ضد؟ إلى الأسبوع المقبل.

[email protected]

"الوطن" المصرية

  كتب بتأريخ :  السبت 01-07-2017     عدد القراء :  1904       عدد التعليقات : 0