ليست مهمة الأزهر.. بل مهمة المفوضية

كان أولى وأجدى وأنفع أن يراجع الأزهر الشريف، لما له من قدر عظيم لدى المسلمين، مناهجه الدراسية فى المعاهد الأزهرية التى تنتشر بطول البلاد وعرضها، وأن يبادر إلى رفع ما يحرض على الكره والعنف ويمتهن معتقدات الغير ويحط من قدره، سواء فى مناهجه أو فى كتب التراث. تسعة آلاف وخمسمائة معهد أزهرى، يدرس فيها نحو عشرة ملايين فى سن المراهقة، وفى سن تشكيل منهجهم العقلى، يُحملون حملاً على كره الغير وتحقير أديان الآخر وازدراء معتقداته، سواء من المناهج الدراسية، أو ما يحيط به من ثقافة سلفية وهابية صحراوية اخترقت حياتنا واخترقت أزهرنا فى غفلة من الزمن فى العقود الأخيرة التى واكبت المدّ الوهابى. وإلا قولوا لنا من أين جاءتنا ثقافة حرق الكنائس واستضعاف الآخر ومنعه قهراً من إقامة طقوسه الدينية فى قرى مصر وبعض مدنها؟ قولوا لنا من أين جاءونا بهؤلاء المشايخ الذين يدعون ليل نهار على منابر المساجد على غير المسلم: «اللهم شتت شملهم، ويتّم أولادهم، وفرّق جمعهم، وخرّب بنيانهم، وبدّل أحوالهم، واقطع أعمارهم، واجعلهم وأموالهم غنيمة للمسلمين»؟ ولو سألت كل هؤلاء وغيرهم حول سند الدكتور سالم عبدالجليل فى رأيه المعلن على شاشات التليفزيون هو وغيره، حين أعلن صراحة أن عقيدة المسيحيين عقيدة فاسدة، وأنهم سيقفون جميعاً على الصراط يوم القيامة يواجهون مصيرهم إلى النار؟ سيجيبونك جميعاً دون تردد بصحة ما استند إليه وهو الآية «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»، ولن يتخلف واحد منهم عن مساندته وتأييده، والموافقة على أمانة السند والبرهان. وهنا أتساءل: ماذا لو كانت تهمة التحريض على الكراهية لها سند يؤيدها ويدعمها من النصوص، كما جاء فى موقف سالم عبدالجليل، وقد فسر الآية السابقة تفسيراً صحيحاً ومتفقاً عليه ومجمعاً على تفسيره فى كل كتب التفاسير، ماذا سيكون موقف القاضى فى نظر القضية؟ هل سيعتبره تحريضاً على الكره والعنف أم سيعتبره حكماً صحيحاً وتفسيراً سديداً لا عقوبة عليه؟ وهناك فى هذا الأمر أحاديث ونصوص، ومن إجماع الفقهاء الكثير، والذى يضع القاضى فى حرج بين قانون يجرم ونصوص تجيز وتبيح، بين عقوبة فى القانون وسماح وإجازة فى النصوص. بالضبط كما فى حالات بناء الكنائس، تصريح ببناء كنيسة فى يد الكنيسة، وحديث فى يد السلفيين يمنع: «لا قبلتان فى أرض واحدة».

الأمر الثانى أن الدستور المصرى قد حجب ومنع الجميع من حق إصدار القوانين الخاصة بمنع الكراهية والتمييز بما فى ذلك الأزهر أو الكنيسة أو أى جهة منفردة، وأباحها فقط للمفوضية العامة المستقلة (أى مفوضون من جهات ومؤسسات مختلفة من الدولة حتى لا يُصبغ القانون بصبغة سياسية أو دينية أو طبقية).

ونعود إلى نص المادة 53 من الدستور، وهو الأصل فى العلاقة بين كل الأطراف «إن المواطنين لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين أو العقيدة أو الجنس أو الأصل أو العرق أو اللون أو اللغة أو الإعاقة أو المستوى الاجتماعى، أو الانتماء السياسى أو الجغرافى أو لأى سبب آخر، وإن التمييز والحض على الكراهية جريمة يعاقب عليها القانون، وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على أشكال التمييز، وينظم القانون إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض». ونحن متمسكون بما جاء بالدستور، فهو حق للمفوضية دون غيرها، وليس من حق مؤسسة دينية أن تصبغه بصبغتها، وتحدد من وجهتها ومنهجها وعقيدتها من تشملهم الرعاية والحماية من الكره، ومن يخرج من رحمتها، كما جاء فى تعريف الأديان فى المذكرة الإيضاحية، وهى الديانات المسيحية واليهودية والإسلام، فحجبت عن الآخرين غيرهم من خلق الله أن يستظلوا بظل القانون، وأن يشملهم عفوه ورحمته، وهو حق للناس أجمعين، لكل من يعيش تحت ظل هذا الوطن حتى لو كان مرتداً عن أديان الله جميعها. أو تجرم النيل من الصحابة كما جاء فى المذكرة الإيضاحية، وهو أمر بعيد كل البعد عن الهدف والمقصد من القانون، إلا إذا كان الإيقاع بمن يقصدون الإيقاع بهم والزج بهم فى السجون. وهذا له مقال آخر.

الدستور واضح وصريح، وقد أوكل هذا الأمر نصاً لا لبس فيه لمفوضية مستقلة ممثلة عن المجتمع كله حتى يخرج القانون حامياً لكل فئاته، ملبياً لرغبات وأحلام وطموحات الجميع، دون صبغة دينية أو سياسية أو طبقية تصبغه وتلونه على هواها. وإذا تعلل الأزهر بأن الدولة قد تقاعست وتكاسلت عن إنشاء هذه المفوضية، فكان من باب أولى حث الدولة على إنشائها، أو تقديم مقترح للرئاسة بتشكيل المفوضية ذاتها، وليس الافتئات على الدستور والحصول على حق ليس حقه أو يكلف نفسه بما لم يكلف به، سوى أن يضع بصماته على حرية الفكر والإبداع، ونكون قد خرجنا من سلطة دينية إلى أخرى دينية أيضاً، وفسرنا حياتنا تفسيراً دينياً، وعرفنا التعريفات المدنية التى حارب العالم من أجلها حتى خرج من عباءة الكنيسة وسطوتها وسلطانها فى القرن السابع عشر، إلى تعريفات دينية مرة أخرى فى قرن الحداثة والعلم، وكأنك يا ابو زيد ما غزيت ولا رحت ولا جيت، ولا قمنا بثورة أو اتنين.

[email protected]

"الوطن" المصرية

  كتب بتأريخ :  الجمعة 07-07-2017     عدد القراء :  1136       عدد التعليقات : 0