ثقافة الاعتذار

من منا يحمل لقب الانسان الكامل ؟

الجواب بالتاكيد جميعنا نرتكب الاخطاء بحق الاخرين اذا كان على مستوى الفعل او الكلمة او حتى الافكار والسؤال الذي يطرح نفسه : كم مرة اعتذرت في حياتك ؟؟ونحن متاكدون ان هناك الكثير منا لم يعتذر ولو مرة واحد في حياته .

ان الاعتذار من الفضائل الأخلاقية ولعل هذه معلومة لا يعرفها الكثيرون خاصة في مجتمعاتنا التي يعتقد معظم الناس فيها أن الاعتذار ضعف وخنوع وخضوع وتراجع وانسحاب، لأن الحياة أصبحت لدينا كالمعركة، فوز وخسارة .

لقد خلق الله الانسان ضعيفا وقابلا لارتكاب الاخطاء بحق الاخرين عن قصد او غير قصد،ومنحه في نفس الوقت نعمة الاعتذار . الاعتذار مفتاح للارتقاء عن الخطا واصلاح الذات وتطوير السلوك. ويجب أن يكون الاعتذار مع النفس أولا، أي ادراك الخطأ والاعتذار من النفس ثم التوجه للاعتذار من الاخر ,ان من يعجز عن التصافي والتصالح مع ذاته لا يستطيع الاعتذار لأنه اذا لم يتجاوز المسامحة مع الذات فكيف يتسامح مع الآخر؟

الاعتذار فن ذوق الانسان الراقي ، فمع الاعتذار تتسامح النفوس وتتغلب ثقافة المصالحة ونعمة رضا الاخرين على ثقافة الخصام والزعل والتنافر بين افراد المجتمع الواحد. والاعتذار يخلق بيئة تساعد على نمو شخصية الفرد بشكل ايجابي داخل المجتمع. من منا جرب نعمة الاعتذار؟ نعم هي نعمة ترفع من يمتلكها الى مستوى العظماء، فالاعتذار هو ذلك الخلق الذي تستطيع من خلاله كسب القلوب رغم ارتكاب الأخطاء، والقدرة على القيام به تفتح آفاقا للتسامح وتغلق أبوابا للخصام .

ان الاعتذار قمة في النضج والقوة والاصرار على استمرار العلاقه مع الاخر، فكثير من الاشكاليات قد تحل بمجرد نطق كلمات الاعتذار بصدق.

فمن المهم أن نعترف بأخطائنا ونتحمل مسؤولية تصرفاتنا، على ان يكون الاعتذار صادقا ونابعا من القلب والرغبة في تحمل المسؤولية ، والاهم الرغبة في اصلاح الوضع أو العلاقة مع الاخرين على ان لايصبح الاعتذار عادة نمارسها كثيرا لانه سوف يفقد قيمته ومعناه.

البيئة تلعب دورا كبيرا في نشر ثقافة الاعتذار. في بيئتنا الشرقية ونظرا الى تحديد هوية الذكر والانثى ولثقافة النون بين الفَين (انا)  العظمى التي تبدا وتنشا منذ مرحلة الطفولة تجعل من الاعتذار شبه مفقود او غير مالوف ، اضافة الى ربط الاعتذار بمفاهيم مرتبطة بطبيعة المجتمعات حيث يعتقد الكثيرون أن الاعتذار سمة من سمات الإنسان ذي الشخصية الضعيفة، ولكن هذا المفهوم خاطئ تماما وليس له أساس من الصحة. فشجاعة الاعتذار لايمتلكها الكثيرون ، وهي من سمات قوة الشخصية والثقة العالية بالنفس ، وهذا يتطلب ثقافة عالية وفكرا راقيا ، فهو انتصار على الذات المتعالية وايضا مقاومة شهوات الدنيا وبيرقها الاخاذ.وياخذ الاعتذار اسمى معانيه عندما ياتي من القوي للضعيف ، من الاب لابنه ، من الرئيس الى المرؤوس ومن الغني للفقير ....... وياخذ الاعتذار قيمة اكبر عندما ياتي بعد ارتكاب الخطا مباشرة وان يكون في ظروف وبيئة مشابهة او متطابق مع بيئة وظروف ارتكاب الخطا .

ولابد من ان نتعلم ايضا ثقافة قبول الاعتذار والتسامح،  فعدم التعالي والعناد واستصغار الاخر، عندما يعتذر، هي ايضا من صفات الانسان الحضاري، وتدل على الرقي وعلى الحس العالي في قبول الاخر وهذا ما يشجع الاخرين على ممارسة فن الاعتذار.

ولابد من تعليم الصغار على هذه الثقافة، ونشر مثل هذه المفاهيم في مدارسنا ومجتمعاتنا وداخل العائلة لتصبح مفاهيم وتقاليد نمارسها كما نمارس ونتعلم مفردات مثل ، اسف واعتذر وسامحني وغيرها الكثير لتصبح مفردات شائعة ومالوفة مثل صباح الخير او تحية السلام ........

وضرورة تعليم الأطفال الاعتذار عند وقوعهم في الخطأ، فالاعتذار لا يتعلمه الطفل بصورة طبيعية ولكنه  سلوك مكتسب. وأشار الباحثون في هذا المجال إلى أن التقمص العاطفي الذي يعتبر أساس أي اعتذار مهارة معقدة تحتاج لسنوات طويلة ليتمكن الفرد من إجادتها، وأن تعليم الطفل كلمة الاعتذار سيساعده على معالجة أى مشكلة تقابله في المستقبل.

لنجد أن الأجيال الجديدة أصبحت في حاجة ماسة إلى بناء تربوي من نوع جديد، وإلى برامج ومناهج منفتحة، فضلا عن بناء نزعة التسامح وقبول الآخر، ومطالبته بالاعتراف بالأخطاء التي جناها بحق الآخرين.

الاعتذارفي ثقافة الغربيين والآسيويين شئ مالوف اكثر من مجتمعاتنا  الشرقية وتصل الحالة عند الاسيويين بالاعتذار عند ارتكاب خطا بحق شعوبهم الى الانتحار من شدة الاسف والشعور بالذنب.

هناك منزلة عظمى لا يدركها إلا كل من صفا قلبه وسمت روحه , وهي التماس الأعذار للمخطئين حتى قبل أن يعتذروا هم بأنفسهم , فالمدرك لحقائق النفس البشرية والعارف دروبها ومسالكها جيدا قد يجد الأعذار للمخطئ بمجرد وقوع الخطأ , فيسلم قلبه من أي عرض يؤثر عليه وتسلم جوارحه من أي فعل قد يرتكبه ساعة غضبه .

نقترح ان يخصص يوما في السنة يدعى بيوم الاعتذار حيث نبحث عن كل من اخطأنا بحقه ونقدم اعتذارنا له في هذا اليوم ويتبادل الجميع الاعتذار وقبول الاعتذار لنرتقي بعلاقاتنا الانسانية الى فضاءات من الامل والرقي الانساني الرائع.

  كتب بتأريخ :  الثلاثاء 11-07-2017     عدد القراء :  168       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 


 
((((( سلوان صباح دمّان ))))) ( ينال شهادة البكالوريوس في الهندسة الكهربائية )
وأخيراً قطف ولدنا سلوان ثمرة جهوده الإستثنائية وقدراته الإبداعية ونال شهادة البكالوريوس في الهندسة الكهربائ...التفاصيل