رثاء الى فراشة الطفولة بهرا

رغم قناعتنا التامة بأن نهاية كل كائن حي هو الموت الا  اننا نمقته ونكنّ له كل البغضاء والكراهية لأنه أحيانا يأتينا فجأة وعلى حين غفلة ويفاجئنا حينما يختطف من بيننا  أحبة منهم أطفال صغار بعمر الورد حديثي العهد مع الحياة ، وهذا ما فعله قبل اربعين يوما حينما جاء مسرعا قبل اوانه  وأدمى  قلب الطفولة باختطافه سوسنة جميلة زاهية كزهو الربيع اسمها بهرا واطفا فيها وهج الحياة المتدفق ، فتاة صغيرة موغلة بالحب والرونق والجمال والبراءة والممتلئة بالنشاط والحيوية والثقة بالنفس .. آه ايتها الزهرة الجميلة التي توها تتفتح ، الى اين الرحيل بهذه العجالة أما كان على وحش الموت أن يتأنى بعض الشيء  باختطافه  هذا الملاك الصغير . لا أدري كيف ابدأ وماذا أكتب برثائي اليك ايتها المغادرة قسرا الى دار البقاء ، ولا أدري ماذا عساي اسطر على اسطر وريقتي عن رحيلك الذي ادمى جوارحنا ، قد تقف الكلمات مخنوقة في دواخلي  وقد ينجمد مداد قلمي حزنا وألما على انطفاء شمعتك التي لم تستغرق طويلا في لهيبها .. فراق ابدي لا عودة فيه وآلام وأشجان منيت به عائلة الراحلة  ، فقدت الامل والتمني برحيل صاحبة الوجه الباسم ، تلك الوردة الفواحة عطرا والتي أصابها الذبول بين ليلة وضحاها ، حتى باتت ذكرى أليمة لكل من عرفها .. خسارة فادحة بفقدانك ايها الملاك المتجسد بوجه طفلة طرية العود ، تلك الطفلة التي توها بدأت مشوارها مع الحياة ، غادرتنا بغمضة عين دون ان تقول حتى كلمة وداع ، والتحقت بالعليين لتسكن الى جوار القديسين والابرار ، الى عالم آخر غير هذا العالم الذي كان يجمع شملها بابويها وشقيقتها الصغيرة اينانا وبجديها المفجوعين واعمامها وعمتيها ومحبيها الكثر .. رحلت تاركة في قلوب عائلتها وأقربائها واهل بلدتها غصة وجرحا لا يندمل ووجعا لا تمحيه ذاكرة السنين .. بهرا التي نعرفها بابتسامتها الرقيقة وضحكتها العريضة التي تنم عن حبها للحياة ، ياسمينة بعمر الورد ذبلت قبل اوانها فابكت بذبولها حتى الصخر .. ووقع خبر فراقها  كالصاعقة على كل حي وزقاق ، رحلت  بهرا العزيزة تلك الفتاة الصغيرة التي كانت أشبه بالفراشة البيضاء ، المتنقلة من جنينة الى اخرى ومن زهرة الى زهرة وفي كل انتقالة تترك عطرها الذي كان يعطر الأرجاء بعرف عبيرها ، فتزهو معها الحياة وتورق بها فرحة الايام . ليس بمقدوري ان استعرض غناها في اخلاقها

وتصرفاتها وذكائها سحر كلامها بالرغم من قصر عمرها ، لقد كانت حينما تعود من مدرستها في القوش تغمرها الفرحة وهي تحمل معها وعلى ذلك الوجه الملائكي ابتسامتها المعهودة واملا وحلاوة الحب لتوزعه بين ثنايا دارها لتزيل عن كاهل ابويها قساوة الايام . لا أدري بأية كلمات احدثك ايها الموت ايها الوحش الكاسر ، ما بالك فرشت سوادك الحالك لتغطي حياة بهرا الممتلئة عطاء وحيوية .. يا لجبروتك وقسوتك التي اوقفت  قلبها الصغير وقطعت عنها نبضها النابض بالحياة ،  بهرا شدة ورد معطرة ببراءة الطفولة ، يفوح منها عطرا زينت به عائلتها الصغيرة ثلاثة عشر ربيعا متوجا بأمل وحلاوة الطفولة ، ادخلت خلال تلك السنين الرجاء والبهجة الى قلوب احبتها . قبل اقل من عام شاءت الأيام أن تغادر بهرا مع ابويها وشقيقتها الى خارج الوطن بعد انضمامهم الى قافلة الهجرة بحثا عن الامان والاستقرار وبعيدا عن الحروب والاقتتال .. وطال الانتظار في محطة الانتظار ، وبات رتيبا حتى تمادى  شوقها ملتهبا الى موطن ذكرياتها الى بلدتها مرتع طفولتها الى حكايات جدتها التي كانت تغازلها بحنانها الدافقالذي خزنته لها ايام الفراق ، فتذرف دمعا حين سماع صوتها عبر الهاتف .. وراح  حنين بهرا يذكرها  وهي في غربتها بتلك الايام التي كانت  ترافق ابويها في زيارات الاهل والاحبة  ، وحنينها الى صديقاتها وزميلاتها ومعلماتها وكل شيء لها معه ذكرى .. وتجسد ذلك الشوق وكاد يحقق املها المنشود وطموحها حينما قررت العائلة العودة الى ارض الوطن بعد ان ملوا الانتظار دون جدوى .. فلم تسعها الدنيا من الفرحة ، لكن القدر اللعين حال  كعادته  دون ذلك ووقف حجر عثرة دون تحقيق امنيتها  ، فأرسل وحش الموت  كالبرق ليخطف هذا الملاك الصغير ويوقف مشاعرها واحاسيسها وفعاليتها الجميلة في الحياة .. وهكذا أوقف  قلب بهرا  الصغير عن الخفقان فأغمضت اغماضتها الاخيرة  خارج حضن الوطن وتحديدا في  احدى مستشفيات الاردن ، في غربتها الأليمة التي لم يكن هناك من يواسي أبويها  ويكفكف دموع اينانا الصغيرة ..  ورحلت بهرا ورحلت معها تلك الابتسامة التي تزيدها سحرا وجمالا ، انطفأت تلك الابتسامة التي كانت تغدق بها ليس على اسرتها فقط بل على اقربائها ومعلماتها وزميلاتها وجيرانها واهل بلدتها . وفي صباح يوم الاحد الموافق 11/6/2017 تهافت الناس من مختلف احياء القوش والمناطق المجاورة بسياراتهم الخاصة الى حيث مفرق القوش لاستقبال جثمان الراحلة القادم من الاردن / اربيل حتى امتد رتل سيارات المستقبلين الى مدى الرؤية .. ولم تمض الا دقائق حتى بان الرتل وبمقدمته سيارة (جي ام سي ) التي كانت تحمل نعش بهرا فوصل النعش  ترافقه عدة سيارات قادمة من اربيل وانضمت الاخرى التي كانت تنتظر في مفرق القوش لتشكل جميعها رتلا ممتدا من المفرق الى منزل جدها السيد كريم يلدكو وهناك بعد وصول الجثمان تعالت صراخات النساء ونحيبهن ، منهن من اغمي عليها واخرى صرخت ملء صوتها تنادي بهرا واخرى حاولت فتح التابوت لتطبع على وجنتي بهرا قبلة الوداع الاخيرة ، واخرى راحت تنعى بهرا بكلمات تناجي القدر الذي سرقها مبكرا .. همسات هنا وأنين هناك وحزن وألم على فراق .. ولم تكن الا لحظات حتى اكتظت الباحة والشوارع القريبة من الدار بالاهالي ، للمشاركة في تشييع الراحلة ومواساة اهلها على مصابهم الجلل .. واقتربت لحظات الوداع الاخيرة حينما قرع ناقوس الرحيل وبعد الطقوس المتبعة والصلاة على روحها الطاهرة راحت الجموع ترافق موكبها الى حيث يرقد الاباء والاجداد ، تغمرهم مشاعر الالم مع صلاة رجال الدين والشمامسة وقد خيم الصمت والسكون ارجاء البلدة وتوشحت الجموع بالاسى والحزن .. كان الناس يحثون الخطى للانضمام الى موكب التشييع لمرافقة جثمان بهرا ..

فوصلوا الى حيث بيتها الابدي ووسط بكاء ونحيب ودموع امها وجدتها وعمتيها وكل المواسين الحاضرين ، أخذت بهرا مكانها لتنتقل منه الى جوار ربها في فردوس الجنان حيث الحياة الابدية ، واقيمت على روحها صلاة الوداع شارك فيها الاباء الافاضل والشمامسة وبكل خشوع المواسين .. وبعد ان ووريت الثرى ارسلت بهرا طيفها محملا بكلماتها الاخيرة تقول فيها  : اعذراني يا أماه وانت يا سيدتي نانتي الغالية على ما جرى وكفكفا دموعكما ولا تبكيا على فراقي فدموعكما تحرق قلبي وتؤلمني في مماتي .. وأنت يا سيدي ومعلمي وتاج رأسي رفقا بنفسك من الحزن وانكسار الخاطر بفراقي فلا تحمل نفسك ما لا طاقة لك فيه فقد كان هذا قدري ولا مفر منه .  وفي ختام رثائي  اقول لك وداعا وسلاما وانت تغادرين الى دار البقاء في فردوس الجنان ، وداعا يا غرسة زيتون وانت تفارقين ابويك وشقيقتك التي كانت تنتظرك حينما تغيبين عنها ساعة او اثنتين ، ترى كم سيطول انتظارها الآن .. وداعا ايتها الغائبة الحاضرة فبالرغم من انتقالك الى حياة الابدية ستبقين مع عائلتك وبينهم مهما طالت السنين وسيبقى صوتك يرن في مسامعهم وتراتيل حديثك يذوب في اعماقهم  وستسكنين ثنايا اوجاعهم تتوجينها بكل جدارة وكأنك لم ترحلي .. فارقدي بسلام ايتها الراحلة العزيزة بهرا فانك ستبقين حاضرة في جميع تفاصيل حياتهم . واخيرا لا يسعني ونحن نعيش آلام فراقك الأربعيني الا ان نبتهل للرب ان يشملك بوافر رحمته ويسكنك فسيح الجنان .. ويمنح عائلتك المفجوعة جميل الصبر والسلوان .

  كتب بتأريخ :  الخميس 13-07-2017     عدد القراء :  408       عدد التعليقات : 0