السلفيون يديرون السياحة فى مصر

ليس العنوان بصادم، بل هو حقيقة تستحق الإثابة والمراجعة، معظم الذين يعملون بالسياحة يعملون للضرورة وللحاجة، ولسان حالهم يدعو ربهم أن يعفيهم منها، ويسألونه عملا خيرا منه، فلا قناعة لدى قطاع عريض منهم بالعمل فيها، ويعتبرها الكثيرون منهم رجسا من عمل الشيطان، وهى إلى الكفر أقرب من الإيمان، ومعصية وجب الاستبراء منها. لقد سلموا عقولهم لهؤلاء المشايخ، الذين جمعوا الملايين من وراء جهلهم وتفاهتهم، ويدعونهم إلى ترك أعمالهم فى السياحة والاستعانة بالفقر والحاجة وطلبات الأولاد بالدعاء والصبر على البلاء، ويعيشون هم فى بحبوحة من الرزق، ورغد من العيش، وركوب أغلى السيارات، ونكاح البنات الصغيرات، وهذا ما جاءنا على لسان كل المشايخ، حديثهم ما قاله الشيخ الشعراوى عن السياحة إغلاقها، دون حاجة لتشغيل الشباب، أو زيادة موارد الدولة، وقال نصا: من يخاف على نفسه الفقر فليرجع إلى الآية (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء)، وكانت هذه الآية بمناسبة منع المشركين من دخول المسجد الحرام (بعد عامهم هذا)، وكانت زيارتهم للبيت الحرام مدعاة للرزق، ولم يكن لأهل مكة غيرها والغزو على عباد الله من سبيل، وقد كان البيت الحرام قبل الإسلام مزارا لكل الأديان، وتجارة وتبادلا للمنافع والمصالح، ولهذا شرعوا الأشهر الحرم ثلاثة متصلة للحج، وشهر منفردا للعمرة!

وقال الشعراوى حرفيا «إن الله قادر أن يفجر لنا بئرا من البترول عوضا لنا عن إغلاق باب السياحة كما عوض الله أهل مكة» أو ربما فتح علينا بغزوة أو غزوتين لبلاد الكفر، نصيب من أولادهم ونسائهم ما نصيب، ونفوز من لحمهم ما نفوز، فنبيعه فى سوق النخاسة، ونجمع من ورائهم الخير الوفير، عوضا عن هذا، كما قال إمامهم الحوينى، وكنت أود لو قابلت الشيخ الشعراوى ساعتها، وطالبته أن يسأل لنا ربه بئرين من البترول قبل إغلاق السياحة وليس بعدها، فحال الناس لا يحتمل تركها بلا مورد، فليس الأمر مع الله «سيب وأنا أسيب»، وإلا قل لى: هل يخفى على الله حالنا حتى يتركنا للحرام، وعنده من الخير الحلال الوفير؟.

وارجعوا إلى السلفيبن الأغنياء من أموال النفط، وأموال البسطاء الفقراء المهووسين بهم، محمد حسان ويعقوب والحوينى وغيرهم، فمنهم من يحرم العمل فى السياحة تحريما قاطعا، ومنهم ما يجعلها فى حكم المضطر، وأن يفلت منها إذا استطاع إلى ذلك سبيلا، وإذا سألناهم من أين ملايينكم؟ قالوا: من السياحة الدينية. فلا عجب على الإطلاق أن يخرج علينا عاقل، وليس مصادفة أن يكون من خريج جامعة الأزهر! يقتل سائحتين ألمانيتين ذبحا بسكين، ويصيب أكثر من ست سائحات من جنسيات مختلفة فى مدينة الغردقة، ويقول: هذا تطبيق لشرع الله. ولا ينسينا هذا مذبحة الأقصر فى الدير البحرى والذى راح ضحيتها العشرات ذبحا، وكان مبرر المتطرفين من مشايخهم أن هؤلاء السياح لا عهد ولا أمان لهم، لأنهم دخلوا البلاد بإذن سلطات كافرة.

يحكى صديقى عن الشماتة والتشفى اللذين رآهما وسمعهما من الناس حين احترق كازينو «كليبسو» فى الغردقة منذ فترة، وكم كانت قاسية ومخجلة، حتى من العاملين فى مجال السياحة، ومنهم من كانت لقمة عيشه وعيش أولاده منها. لقد خربوا العقول، وجمدوا القلوب، وشحنوا النفوس بالكره والغل، وملأوا العواطف شماتة وحسدا. يبحثون فى تاريخنا عن القتل وسرقة واستحلال حقوق الغير، ويحرمون على الناس لباس البحر، يهدرون دم الغير، ويحرمون مناولة شارب الخمر، يحللون وطء السبايا ومضاجعتهم على قارعة الطرقات، ولم تبرأ دموعهم بعد على فراق قتلاهم، ويحرمون على الناس الحب البرىء فى الشوارع، ويستحل المشايخ الملايين من شاشات التليفزيون، ويحرمون على الشباب البائس الفقير العمل بالسياحة ويغلقون فى وجوههم أبواب الرزق. هذا هو حالنا، دولة يسيطر عليها فكر سلفى، اخترق ملبسها ومأكلها ومشربها وعقلها، فأصابها الفقر بعد عز، والجوع بعد شبع، والتخلف بعد علم، ولبست لباس الخوف بعد الأمان والراحة.

هؤلاء المشايخ الذين يدعون إلى التطرف، لابد أولا: من عزلهم وعزل أفكارهم بعيدا عن الشباب، فمهما حاولنا الإصلاح وهم أحرار فى الظهور على الشاشات والمنابر يسممون أفكار الشباب، ويفتحون لهم أبواب التطرف على مصراعيها، فلا جدوى منه ولا فائدة، فإذا انصلح حال أحدهم مال بعده العشرات، وإذا أصاب أحدهم الصواب ورجع إلى عقله ورشده أفسدوا وضللوا مكانه المئات، فهى ولادة سهلة وميسورة، وجنين ينزلق محاربا من مهده، وثانيا: استبعاد هؤلاء الشباب الذين يحملون هذه الأفكار من العمل فى مجال السياحة فورا، فى الفنادق أو المؤسسات أو الشركات العاملة فى هذا المجال لمجرد استشعار أفكارهم، فهم قنابل موقوتة ستنفجر يوما ما، فلو سألت كل قاتل منهم، وكل من حمل سلاحا ضد سائح، ستجده تحت ولاية شيخ سلفى من هؤلاء. يا سادة، أول طريق الإصلاح فى منظومة السياحة فى مصر هو عزل هؤلاء المخرفين والمخربين من طريقها وعن طريقنا، وإسناد إدارة منظومة السياحة لغير السلفيين من رجال السياحة أصحاب الخبرة، بعيدا عن الاختراق والاحتلال السلفى لأنظمة وإدارات الدولة.

[email protected]

"المصري اليوم"

  كتب بتأريخ :  الخميس 20-07-2017     عدد القراء :  1384       عدد التعليقات : 0