ننفتح خارجياً.. ولكن!

لا يمكن لحريص على البلاد ومستقبله أن يرفض تحسن علاقاته الخارجية ، خصوصا مع الدول المجاورة، التي أصبح التوتر سمتها البارزة، ليس بعد 2003 بل قبل ذلك بسنوات طويلة. ولا يمكن لأحد - من حيث المبدأ- أن يقف بوجه الانفتاح الذي تبديه دول أدمنت التوتر مع العراق، خصوصاً في مرحلة ما بعد نظام صدام مما يستدعي التدقيق في ما وراء هذه الانفتاح المفاجئ.

منذ 2003 حرص العراق على اقامة علاقات جيدة مع كل الجيران، لكن الرغبة وحدها لم تكن كافية لبناء علاقات جيدة، أو طبيعية على الاقل- في غياب رؤية واضحة تقوم عليها استراتيجية ثابتة لسياستنا الخارجية.

فكان الارتباك واضحا في الاداء الدبلوماسي العراقي الذي بدا عفوياً في أكثر الاحيان. بعض السبب في سوء علاقاتنا الخارجية يعود أيضاً الى الانقسام السياسي الداخلي الحاد بين المكونات، وتبايناتها الشديدة في الكثير من الملفات الاساسية. هذا الامر دفع جهات داخلية الى تحريضِ أطرافٍ اقليميةٍ ضد النظام السياسي الجديد، فانعكس تردياً في علاقاتها بالعراق. خارجياً كان لصراع المحاور الاقليمية والدولية دور كبير في تدهور علاقات العراق الخارجية.الاحتلال الاميركي كان حتى العام 2011 ذريعة لتدخل دول اقليمية بحجة الهائه واعادة نقل تجربة العراق الى هذه الدول، فكان أن دعمت دمشق وطهران عمليات قيل انها تستهدف القوات الاميركية لكنها كانت تطيح بحياة العراقيين الابرياء في الاسواق والاماكن العامة وامتد عنوانها المقاوماتي ليغطي الكثيرمن التفجيرات الارهابية ذات المضمون الطائفي التي كانت تستمد دعمها اللوجيستي من الجانب الرسمي السوري، فانعكس تدهوراً في العلاقة مع سوريا قبل ان تتبدل المعادلة بعد ارتداد الارهاب الى الداخل السوري وتصبح دمشق شريكة لبغداد في مواجهته في اطار ما يعرف بمحور المقاومة الذي دفع المحور الاخر الذي يضم عدداً آخر من الجيران على رأسهم تركيا والسعودية والاردن وقطر الى دعمه حركات ارهابية عديدة انتهت كلها بما سمي بتنظيم "داعش”. هذا ايضا انعكس تدهوراً في علاقات العراق مع هذه الدول.هكذا بات العراق ضحية صراع المحاور الخارجية على أرضه مرتين، الاولى اضطراب امنه الداخلي وفقدان السيطرة على عدد من المحافظات، والثانية علاقاته الخارجية التي تدهورت لينعكس ذلك زيادة في التدهور الداخلي. ولم تكن الادارة الاميركية السابقة بعيدة عما جرى بل كانت سياساتها محركاً رئيسياً للكثير من هذه التطورات. في ظل الادارة الاميركية الجديدة، تغيرت آليات التحرك الاميركي في الملف الاقليمي، وبمجرد زيارة الرئيس الاميركي الجديد دونالد ترمب الى الرياض بادرت الاخيرة الى ارسال اشارات ايجابية الى العراق، وتغيرت اللغة السعودية الى شديدة الايجابية مقترنة بدعوات رسمية لشخصيات عراقية رسمية وغير رسمية. لكن هذا التطوراقترن بتصاعد الحديث عن مواجهة ايران في العراق باسلوب جديد بانت ملامحه من الخطاب غير الرسمي الذي ظهر في العراق فجأة متناغماً في مفرداته وتصريحاته مع نظيره السعودي بما يعنيه من نوايا لكسب فئات عراقية جديدة الى محور المواجهة مع ايران.

في هذه الحالة سنكون مرة اخرى ضحية صراع المحاور الاقليمية ولكن بشكل جديد قد يتجلى انقساماً داخل المكوّن الواحد بين المحورين الايراني والسعودي. هنا تبدو الحاجة ضرورية للحذر والتصرف بحنكة تستطيع توظيف هذا الاقبال الاقليمي، خصوصا الخليجي، على العراق لمصلحة البلاد. هذا يتحدد بالوعي وبالرؤية الواضحة المستندة الى مصلحة العراق أولاً، وعليها تُبنى ستراتيجية واضحة لبناء علاقات متوازنة مع الاطراف الخارجية التي تتخذ من العراق ساحة لصراعها.

  كتب بتأريخ :  الخميس 17-08-2017     عدد القراء :  320       عدد التعليقات : 0