العلاج في الخارج دليل على فشل الحكومات

لم يشهد العراق على مدى تأريخه الحديث انهياراً في النظام الصحي بمستوى مايشهده الآن، على الرغم من التخصيصات المليارية (بالدولار) منذ سقوط النظام الدكتاتوري السابق، بمافي ذلك فترة الحصارالدولي الذي فرض عليه بعد احتلاله للكويت، فقد كانت المؤسسات الصحية العراقية تقدم خدماتها للمواطنين مجاناً، وبمستويات أفضل مماتقدمه الآن في زمن ( الديمقراطية)، ناهيك عن مستوى كفاءة الاطباء والكوادر الوسطية والادارية وانضباطهم في الدوام الرسمي والعيادات الخاصة، والالتزام ببدل الكشف المقرر رسمياً، وعلاقتهم الانسانية بالمرضى، ومستوى التزام الصيدليات باسعار الادوية وصلاحيتها، و صولاً الى ضوابط فتح الصيدليات ومذاخر الادوية وأهلية العاملين فيها.

النتائج الطبيعية لهذا الانهيارتتجلى في ظاهرة سفر العراقيين باعداد متزايدة للعلاج في الخارج،ولان سفرهم محدد الى البلدان التي تمنحهم الفيزا فقط، فان مافيات الفساد المتخصصة في هذا الجانب، استغلت حاجتهم للعلاج لاغراضها في الكسب غيرالمشروع بعيداً عن القيم الانسانية، واعتمدت من جانب آخر اساليب الارهاب ضد الاطباء العراقيين المجتهدين في علاج مواطنيهم، لدفعهم الى مغادرة العراق تحت التهديدات المختلفة، وصولاً الى الخطف والاغتيال، من اجل تحقيق اهدافها التخريبية .. ا.

بين الحين والآخر تتناقل الاخبارسفرالمسؤولين للعلاج او اجراء الفحوصات في الخارج، ابتداءاً من الرؤساء ومروراً بالوزراء والمسؤلين الكبار، وصولاً الى المدراء العامين ومن سواهم ودونهم، يغادرون بصحبة عوائلهم وبطاناتهم، كانهم في رحلات (طبية) سياحية مدفوعة تكاليفها من المال العام، فيما تنقل الصحافة المرئية والمسموعة والمكتوبة صورهم وكلماتهم الرنانة في احتفاليات افتتاح المشاريع الصحية المكلفة الملايين في المدن والقصبات، تنفيذاً لبرامج احزابهم وحكوماتهم المدعين انها لخدمة الشعب، وكأنهم من جنس آخرغير جنس شعوبهم .

المفارقة في عراقنا (الديمقراطي) أن تكون اولى اولويات المسؤول هي العلاج في الخارج، حين يتحول بين ليلة وضحاها الى كائن لايثق بالاطباء العراقيين ولابالعلاج المتوفرفي المؤسسات العراقية، بعد أن كان قبل تعيينه لايملك ثمن شراء علبة كاملة من الباريستول، مستعيضاً عنها بشريط ( عشرة حبوب) كافية لعلاجه .

ليس من الوطنية ولامن الانسانية ان يتفرج قادة السلطات في العراق على افواج العراقيين المغادرين يومياً الى ايران ولبنان والهند وتركيا وغيرها من البلدان للعلاج، والاغلب الاعم منهم الفقراء الذين يستدينون اثمان السفروتكاليف الاقامة والعلاج، او يصرفون مدخراتهم على علاج انفسهم او ذويهم، بل أن من واجبات هؤلاء المسؤولين الاساسية توفير المناخات الملائمة لعودة الكفاءات الطبية المتخصصة، واستيراد الاجهزة والمستلزمات الطبية المتطورة من المناشئ الرصينة، والمراقبة الصارمة لشركات استيراد الادوية ووضع ضوابط لالتزام الاطباء في العيادات الخاصة ببدلات الكشف ومراقبة الصيدليات، والاهم هو تطوير الخدمات الطبية المجانية في عموم المستشفيات الحكومية، على الاقل لذوي الدخل المحدود، الذين يمثلون النسبة الغالبة من عموم سكان العراق الآن .

أن توفير الخدمات الصحية للمواطنين هو احد اهم حقوقهم المشروعة والمقرة في الدستور، واحد اهم واجبات الحكومة، وأن اي تقصير فيها يتسبب في تهديد الحياة الطبيعية للمواطنين، ويمثل تجاوزاً صريحاً على الدستور والقوانين الحاكمة لاداء السلطات، ومن دون ذلك يبقى السفر الى الخارج للعلاج دليلاً صريحاً على فشل الحكومة والنظام السياسي القائم في العراق .

علي فهد ياسين

  كتب بتأريخ :  السبت 19-08-2017     عدد القراء :  232       عدد التعليقات : 0