الفاسدون يصفقون إلى أمريكا

من حق أمريكا على الفاسدين في العراق أن يصفقوا لها ويشكروها، بل دعى أحد السياسيين ضمن محور الفساد، لإنشاء قواعد عسكرية امريكية في العراق، وقال كلاما يفهم منه السامع: إن انسحاب أمريكا من العراق كان خطأ، وكلامه تعبير عن آمال مجموعته السياسية، لأن الفاسدين يشعرون أن من مصلحتهم بقاء المحتل لحمايتهم ولإستمرار إتاحة فرص الفساد لهم، لأن أمريكا هي التي فتحت أبواب الفساد الواسعة، وعندما أشاعت الفساد لم يكن مصادفة، بل عن قصد وتخطيط مسبق، والهدف معروف هو تدمير الاقتصاد العراقي، وتخريب بناء المجتمع وإنشاء سلطة سياسية منخورة، بحيث يضيع السياسي الوطني النزيه بين أمواج الفساد الضخمة، بل ربما يُطعَن في هذا السياسي الذي هدفه بناء الوطن والدفاع عنه ضد جميع أنواع تيارات الهدم من إرهاب وفساد وغيرهما.

 زرعت أمريكا بؤرا للفساد كثيرة، فتنوعت فنونه وطرقه، إذ لم يسمع الشعب من قبل بطرق وفنون الفساد التي جاءت بها أمريكا، وقبل سقوط النظام كان الناس يعرفون أن بعض الموظفين يتعاطون الرشوة من المواطنين في السرّ، وكان المواطن يعطي الرشوة وهو غير ساخط، بل أحيانا يعطيها وهو مرتاح الضمير والسبب لأن الجميع يعرفون، أن الموظف زمن النظام المقبور راتبه ضعيف ويستحق المساعدة، فكان المواطن يدفع بعنوان المساعدة، علما أن الكثير من الموظفين يرفضون هذه المساعدة حتى لو كانوا محتاجين، إذ اتجه بعضهم للعمل خارج أوقات الدوام وفي العطل، حفظا لكرامتهم، وبعض الموظفين عملوا كعمال بناء، والعمل شرف، ورفضوا تعاطي الرشوة رغم العوز والحاجة، لكن الفساد المتعدد الطرق والاشكال جاء مع المحتل الامريكي، وتحول الى تجارة تدرّ الارباح الطائلة للجهة التي تتعاطى بالفساد، وتتم الصفقات بالتوافقات بين المسؤول والجهة مالكة رأس المال، بصفقات تقدر بملايين الدولارات وأحيانا بالمليارات والكل يدعو لمحاربة الفساد، وضاع الفاسدون الحقيقيون وسط هذه الفوضى، والشعب المظلوم حيران ومتخم بالمشاكل.

الفساد الذي يمارسه بعض السياسيين اليوم رسمي، ويمارس بمستويات مختلفة، لم يكن الفاسدون سابقا قبل سقوط نظام صدام يعرفون غير باب واحدة للفساد هي الرشوة، وراح البعض يشرعن الرشوة في ذلك الوقت بعنوان الهدية لسبب موضوعي هو قلّة راتب الموظف، وسواء كانت الرشوة مشرعنة أم لا، فهي لا تعادل إلا جزءا يسيرا جدا من حالة الفساد الواسعة المنتشرة في العراق اليوم تحت عناوين شتى، إذ فتحت أمريكا أبوابا كثيرة للفساد، وأصبح الفساد جزءا من المشروع الامريكي المتعدد الأوجه لتدمير العراق في مختلف المجالات، ومنها التدمير للنظام الاقتصادي والسياسي وبقية نظم الحياة الاجتماعية.

أعطت امريكا الضوء الاخضر لممارسة الفساد وإشاعة الفوضى في جميع المجالات منذ بداية الاحتلال وفي جميع أنحاء العراق، وأول عملية فساد مارسها المحتل مع شلّة من عملائه، هو نهب أموال البنوك، والاستيلاء على بعض ممتلكات الدوائر المهمة من وثائق وغيرها، إذ فُتحت جميع أبواب الدوائر والوزارات للنهب إما من قبل المحتل أو أعوانه أو طبقة من الناس سميت في وقتها بالغوغاء، وهؤلاء يشعرون أنهم مظلومون من قبل نظام صدام وأرادوا الانتقام بطريقتهم الخاصة.

من جرائم أمريكا في العراق، سرقة الآثار النفيسة خاصة الآثار التي لها علاقة بتأريخ اليهود، وهذا أحد الأدلّة التي تثبت أن الحراك الامريكي في العراق هو حراك صهيوني، وأول سارق في العراق هو الحاكم الامريكي (بول بريمر) الذي نهب مليارات الدولارات، وكذلك سرق الكثير من الآثار، ومعه الشلّة الفاسدة ممن تعاونوا مع المحتل، إذ قام بعض الفاسدين بنهب بعض الدوائر والبنوك تحت الحماية الامريكية، وتعد عملية حلّ الجيش العراقي أحد وجوه الفساد، كما أن تدمير الجيش العراقي هو من الأهداف الرئيسية للمحتل، لأن الجيش العراقي كان يحسب من الجيوش القوية في المنطقة المعادية لإسرائيل، وهنا بيت القصيد بالنسبة للمحتل كما أن غياب الجيش العراقي من الساحة السياسية والميدانية هو بمثابة فتح الطريق للفاسدين، وحتى منظمة الامم المتحدة تعاونت مع أمريكا لتأسيس بؤر الفساد من خلال أصدار قرار أممي، يدعو إيداع صادرات نفط العراق في ما سُمي في حينها (صندوق الاعمار) وكان الصندوق تحت تصرف أمريكا واقعا، وشكلا تحت تصرف الامم المتحدة، ولعب الحاكم الامريكي (بول بريمر) الفاسد الامريكي الاول في العراق دورا كبيرا في نشر الفساد، ويفترض بالحكومة العراقية اليوم إقامة الشكوى على امريكا في المحاكم الدولية المستقلة وعلى (بريمر) شخصيا، للمطالبة بالأموال والآثار التي سرقها هو، والتي سُرقت من العراق إبان حكمه، هذا إن كان يوجد مثل هذه المحاكم الدولية المستقلة وغير الخاضعة للنفوذ الامريكي.

وبعد سلطة بريمر تأسس مجلس الحكم، لكن الفساد انتشر كالنار في الهشيم، وأخذ يُمارس من قبل بعض الجهات السياسية كجزء من حقها وحصتها، وبدأ التنافس بين هذه الجهات أيهما يكسب أكثر من خلال الاستيلاء على بعض الوزارات والمؤسسات، مستغلين نظام المحاصصة في الحكومة القائمة، هذا النظام الذي أشاع الفساد ولا يزال عند الكثير من المسؤولين على مستويات مختلفة، فالوزارة التي تكون من حصة هذا الحزب أو تلك الجهة السياسية، تصبح ملكا للحزب أو الجهة السياسية، فهي حرّة في التعيينات والمقاولات، ولا أحد يستطيع محاسبة المسؤول ومن معه من المتعاونين، لأن الآخر يقوم بنفس الدور، وشاع اصطلاح (الكموشن) ويعني إعطاء نسبة من الارباح للجهة المتعاقدة من قبل الجهة المنفذة للمشروع وابتكرت أساليب جديدة في ممارسة الفساد ربما لا توجد في أي دولة أخرى فأصبحنا نعيش حالة الحزبية والتعنصر والكسب غير المشروع على حساب مصلحة الشعب العراقي، واستمر الفساد ينخر في جسد الدولة العراقية مع تعاقب الحكومات حتى يومنا الحاضر، والمضحك المبكي الكل ينادي بمحاربة الفساد، ولا يعرف الشعب من هو الفاسد الحقيقي؟؟!!

إن نظام المحاصصة في العملية السياسية هو البيئة الصالحة لانتشار الفساد واستمراه، وباءت بالفشل محاولات القضاء عليه من قبل بعض المخلصين، بسبب موقف المستفيدين والمنتفعين من المحاصصة، لذا نرى أكثر العناصر دفاعا عن المحاصصة، هي العناصر الفاسدة التي أثْرَت على حساب ضنك العيش الذي يعانيه الأكثرية من أبناء الشعب بمختلف صنوفهم القومية والدينية والاجتماعية، لذا نجد الكثير من الناس قد وصلوا إلى مرحلة الاحباط من أي عملية انتخابية قادمة، لأن الانتخابات لا تنقّي الفاسد عن غيره، فالكثير من الفاسدين يتسللون الى السلطة عن طريق الانتخاب من خلال التضليل وسلوك السبل غير المشروعة، والعناصر الفاسدة تنتقل من عملية انتخابية إلى أخرى، وأن الجهات الرقابية ضعيفة وأحيانا يتسلل إليها الفساد أيضا من خلال نظام المحاصصة، لأن هذا النظام هو البيئة الصالحة لانتشار الفساد وتقوية جذوره ومغذياته ونرى الدول المعادية للعراق ومنها أمريكا تعارض معارضة شديدة دعوات الغاء نظام المحاصصة، وكذلك يعترض الكثير من السياسيين، لأن إلغاء المحاصصة هو إنهاء لوجود هؤلاء الفاسدين، لذا نرى المستفيدين من المحاصصة يزيّنونها بعناوين براقة غير واقعية مثل المشاركة.

الشعب يدعو للمشاركة، لكن وفق المعايير المعمول بها في الدول الديمقراطية والمشاركة هي جزء من الآلية اليمقراطية، لكن المشاركة وفق المعايير الديمقراطية شيء، والمحاصصة بعنوان المشاركة شيء آخر، المشاركة في المعايير الديمقراطية، تعني أن الحزب الذي لا يفوز بالاغلبية التي تسمح له بتشكيل الحكومة، لابد أن يشترك مع حزب آخر لتشكيل الحكومة.

للاسف العراق اليوم يصنف دوليا من ضمن الدول التي ينتشر فيها الفساد بنسبة عالية، ويطمح الشعب العراقي بتغيير التشكيلة السياسية، واستبدال الوجوه الفاسدة بغيرها كفوءة ومخلصة، مع الغاء المحاصصة لأنها التربة الصالحة لنمو الفساد وانتشاره، ويأمل الشعب العراقي بإيجاد حكومة تحاسب جميع الفاسدين من دون محاباة، مع العمل على استرجاع أموال العراق من جميع الناهبين المتواجدين داخل العراق وخارجه، ونأمل من الشعب العراقي أن لا يعيد انتخاب من ثبت فساده وفشله، ونتمنى من الحكومة القادمة فك ارتباطها بأمريكا، وتحويل العلاقة معها على أساس المصالح المتبادلة وكذلك مع بقية الدول، ونتمنى على الحكومة القادمة أن تلتفت الى مشاكل الشعب الحقيقية لإيجاد الحلول المناسبة لها، وفي غير هذه الالتزامات فإن الوضع سيسير من سيء إلى أسوأ لا سامح الله.

  كتب بتأريخ :  الجمعة 25-08-2017     عدد القراء :  712       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 


 
مبروك تخرج ديماس سمير گُلاّ من جامعة اوكلاند في ولاية مشيگان قسم علوم الكمبيوتر
Congratulations on Dimas Samir Gulla's graduation from Oakland University with a Bachelors of Computer Sci...التفاصيل