البطريرك مار لويس ساكو في كالفورنيا

اهلاً ومرحباً ببطريركنا الجليل مار لويس روفائيل الأول ساكو، في مدينة ساندييغو الجميلة التي تطأها قدماه لأول مرة، في زيارة رعوية الى جاليتنا المتنامي عددها بمرور السنين، هناك مثل حفظناه طويلاً وهو" مصائب قومٍ عند قومٍ فوائدُ" ، فبقدر ما تسوء وتتعقد الظروف في بلاد النهرين، بقدر ما يتنامى عدد الجالية هنا، أو أماكن اللجوء والأغتراب المتعددة- المتباعدة، على سطح الكرة الأرضية.

عندما يأتي الراعي الصالح لتفقد رعيته، تتماوج علامات الفرح والسرور، في وجوه هذا التجمع الذي تطور كمّاً ونوعياً، في كل مجالات الحياة العلمية والتجارية، في هذه الولاية المتميزة من الولايات المتحدة الامريكية. أجيال اخرى تتعاقب هنا لتعطي مراتب أعلى في سلم الرقي، ولتشغل مواقع رفيعة ومتقدمة، ان مصدر الأمل في أجيالنا القادمة، هو سلالتنا البشرية الضاربة عمقاً، في جذورها ببلد النهرين الخالدين، فنحن وان اختلفنا في التسمية لكننا جنس سومريٌ- ساميٌ قديم، اسهم في إرساء أولى الحضارات، وكانت العاصمتان التاريخيتان بابل ونينوى تتبادلان ريادة العالم القديم، فبابل" كَأْسُ ذَهَبٍ بِيَدِ الرَّبِّ تُسْكِرُ كُلَّ الأَرْضِ. مِنْ خَمْرِهَا شَرِبَتِ الشُّعُوبُ.. ارميا 51-7" ، وملك نينوى كان يسمى ملك الجهات الأربعة( ܓܲܪܒܝܵܐ، ܬܲܝܡܢܵܐ، ܡܲܕܼܢܚܵܐ، ܡܲܥܪܒܼܵܐ) .

بطريركنا المتقدم في درجاته العلمية، وشهاداته الأكاديمية، خير عارف بهذا التاريخ الموغل في العراقة، وعلى هذا الأساس ومع تعدد وتنامي معارفه وخبراته وتجاربه، يتعامل مع الأديان والطوائف والأقوام والتجمعات المختلفة، التي يزهو بها عراق اليوم. أن مهمته ليست يسيرة، والتعامل ليس هيّناً، في ظل تلك الأجواء، التي تسود في المجتمع العراقي، خصوصاً بعد عام 2003، حيث ليس فقط تأخرت نتائج، نجاح التجربة الديمقراطية، وإرساء معالم الدولة المدنية، بل سادت الفوضى، ونمت طبقة تجار الحروب، وسياسيي الصدفة، ومزوري الشهادات، وسارقي قوت الشعب. في هذا المعمعان لمع نجم بطريركنا مار لويس ساكو، في محطات عمره الثلاث، الأولى نشأته ودراسته وكهنوته في محافظة نينوى، الثانية مركزه أسقف كركوك( كرخ سلوخ) في سنوات مريرة، قاد السفينة ببراعة الربان الماهر في بحر متلاطم الأمواج وهائج، والثالثة اعتلاء سدة البطريركية في بغداد، فخاض الغمار بنكران ذات، وبالطبع هي الأعظم في كل حياته، كرجل بارز في العراق ومنطقة الشرق الأوسط، التي تشهد تصاعد التيارات المتشددة، والتي تستهدف انهاء الوجود المسيحي، متناسين ان تربتها ومنبعها ونشأتها، في قلب تلك المنطقة الحيوية من العالم، وهي ايضاً المكان او البيئة التي شهدت عصر النبوات وولادة الأديان التوحيدية الثلاث، وحتى الديانات الوثنية الأقدم ضربت جذورها عميقاً، خصوصاً في ارضنا كما أسلفنا. ونضيف ايضاً ان مراحل السبي المختلفة  لشعب اليهود رغم عسرها ومرارتها، لكنها إغتنت وتطورت في البيئة الرافدينية الجديدة، والتي تفاعلت معها بابداع، فأنجزت اهم اسفار التوراة، الذي شكل القاعدة الأساسية لأديان البشر في أرجاء المعمورة.

سيدي البطريرك انت سليل بطاركة المشرق من مار توما الرسول، مرورا بالجاثليق مار شمعون برصباعي، الى بطاركة المدائن واعالي بين النهرين. ان منصبك الرفيع يوازي الأسكيم الاحمر الذي ترتديه ويعني الاغتسال بدم المسيح، الذي ترفع صليبه، ورمز موته وقيامته، وفيه تعرف قيمة الحياة الروحية، وتستمد ديمومتها من تلك التعاليم الإلاهية، التي ترفع البشر وتجلّهم، هم سواسية وكلهم أولاد الله.

نتمنى ان تضع لبنات اساسية ومنطلقات تفاهم أكبر، بين الجالية والكنيسة هنا، وان تسود روح العمل والتعاون بين المركز والفرع، وان تحل المشاكل التي لابد من وقوعها، بالسرعة الممكنة واحاطتها بالحلول الناجحة، قبل استفحالها وتحولها الى عقد مستعصية، ظلت ملازمة لهذه المسيرة سنينا طويلة، شهدناها بحسرة وألم. نتمنى ان يسود الوفاق والاتفاق، لتصفية تركة الماضي، خصوصاً بعد تكليف المطران مار عمانوئيل شليطا اعباء هذا العمل الرعوي في كاليفورنيا، انه أهلٌ لهذه المهمة، ولا تنقصه التجربة، ولا الخبرة، نتوسم فيه الذكاء، الثقافة، الحيوية، والايمان العميق، تلك الصفات وحدها قادرة ان تقهر الصعاب، وتحقق المستحيل، فمسيرته في حقل الرب تميزت بالتقدم الحثيث، إثبات الجدارة، التصميم، والحزم اللازم، هكذا ودعته رعيته في كندا بالدموع والتمنيات، بنجاح مهمته في سان دييغو وتوابعها، وهي ليست سهلة، ولتكن فرصة وجوده الطويل هنا في قابل الايام والسنين، لإرساء العلاقة الوثقى بين المركز في العراق وكاليفورنيا، ولتعطى له مدة كافية حتى تأتي الشجرة التي زرعت باشهى ثمارها، وكلنا أمل وثقة بتحقيق ذلك.

سيكون يوم الثلاثاء القادم الموافق في 29- 8- 2017 يوماً بارزاً في تنصيب المطران مار عمانوئيل شليطا على ابرشيتنا في غرب الولايات المتحدة، سيكون يوما زاهيا وجميلاً يتولى رعايته سيادة البطريرك مار لويس ساكو الجزيل الاحترام، وسيحضره العديد من المطارنة والأكليروس والضيوف وجمع غفير من المؤمنين، سيسطع نور الأيمان، وترتفع المزامير، واصوات الصنج، وأريج المباخر الى الاعالي، ويتصاعد التسبيح" مُبَارَكٌ الْمَلِكُ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! سَلاَمٌ فِي السَّمَاءِ وَمَجْدٌ فِي الأَعَالِي! .. لوقا 19- 38 " .

كل المراسم والمظاهر رغم ابهتها وضرورتها واهميتها، لا تعادل العمل الفعلي، الذي يلي هذا الاحتفال، يلمسه المؤمنون تحت سقف الكنيسة الجامعة، ويكاد لا يساوي شيئا اذا انصهرنا في هذا المجتمع، واذا لم نحسن ادائنا في العالم الجديد، محافظين على هويتنا المشرقية وقيمنا الاصيلة، وان نربي ابنائنا وبناتنا على شق طريقهم بجدارة، في هذه البلاد مترامية الاطراف، وان لا يقطعوا صلتهم بالوطن الام، وان يسهموا في بذل جهودهم، لمساعدة من تبقى هناك، مقاوما الظروف الصعبة، لديمومة شجرة ابائنا واجدادنا من ابراهيم الذي بارك الله في نسله كل قبائل الأرض.

ختاماً يا سيادة البطريرك نتمنى من الرب ان يمنحك القوة والعزيمة لتواصل رسالتك السامية، تحت الشعار الأمضى الذي رفعته( أصالة، وحدة، تجدد) ولتتحقق في سني عملك المجهد، ارساء قيم العدالة والسلام في المجتمع، ونتمنى ايضا ان تقضي اياما سعيدة بيننا، حتى تحين فرصة مغادرتك، مودعا بمثل ما استقبلت به، بالحفاوة والتقدير.

كاليفورنيا في 26 آب اغسطس 2017

  كتب بتأريخ :  الأحد 27-08-2017     عدد القراء :  2104       عدد التعليقات : 0