سرعة هزيمة داعش أفشل مشروع التقسيم

مشروع داعش الامريكي الصهيوني منذ انطلاقه في سوريا والعراق كان يهدف تحقيق عدة أهداف، ومن الاهداف المهمة لمشروع داعش، تقسيم سوريا والعراق الى دويلات قومية ودينية مذهبية صغيرة متناحرة، خاضعة في النفوذ لدول المحور الامريكي الصهيوني، من أجل خدمة إسرائيل وتطمينا لوجودها، لهذا وجدنا إسرائيل من أقوى المؤيدين والداعمين لمشروع داعش، وفي نفس الوقت نجد إسرائيل من أقوى الداعمين لمشروع (الدولة الكردية) المزعومة في شمال العراق وقد أكد ذلك الكثير من المسؤولين الصهاينة في تصريحاتهم.

اسرائيل اليوم من أكثر المتحمسين لمشروع انفصال كردستان العراق، وحتى أمريكا، لكن الذي اختلف أن أمريكا كانت تقديراتها وحساباتها أن تبقى داعش في العراق على الأقل عشر سنوات، وبعض المسؤولين الأمريكان والمحللين والستراتجيين أعطوا سقوفا زمنية لبقاء داعش في العراق مدة أطول من عشر سنوات، قدر البعض منهم بقاء داعش في العراق مدة ثلاثين عاما، وخلال هذه المدة كانت أمريكا تخطط لتقسيم العراق وسوريا، وكانت الحسابات الأمريكية، أن تقسيم سوريا سيكون ممهِدا لتقسيم العراق، وسمع الجميع التقديرات الامريكية والاوربية عن مدة بقاء الاسد في السلطة، حتى أن فرنسا أعطته مهلة أسابيع لتسليم السلطة.

أمريكا عندما تعلن اليوم أنها مع وحدة العراق، ربما يكون هذا صحيحا في الوقت الحاضرعلى الأقل، لأن تحرير مدن العراق من داعش جرى في وقت قياسي لم يكن واردا في الحسابات الامريكية، لأنها أرادت أن تبقى داعش في العراق مدة طويلة حتى تكمل مشروعها في سوريا ومن ثم العراق، وربما يكون البيان الاعلامي تغطية على الموقف المؤيد للتقسيم وانفصال كردستان، وهذا هو دأب السياسة الامريكية، الاعلام شيء والفعل شيء آخر، ففي كثير من المناسبات أعلنت أمريكا عداءها لداعش، لكن قوافل سرقة النفط من سوريا والعراق تسير تحت حماية الطائرات الأمريكية، ودعم داعش لوجستيا من قبل الطائرات الأمريكية جرى بشكل علني في كثير من المواقع في سوريا والعراق، كذلك عمليات الإخلاء لقيادات داعش التي تُحاصَر من القوات العراقية أو السورية جرت مرات عديدة، هذه هي أمريكا لا مصداقية عندها، سياستها الكذب والتزوير والتشويه.

داعش مشروع أمريكي لتحقيق أهداف في العراق وسوريا، وأول هذه الأهداف التقسيم، لكن جرت الرياح بما لا تشتهي السفن، صمود الشعب والجيش السوري مع الدعم الروسي والايراني أفشل المشروع الامريكي، وصمود الشعب والجيش العراقي البطل الذي قوّته فتوى المرجعية بالجهاد الكفائي التي أفرزت تشكيل  الحشد الشعبي أفشل المشروع الامريكي في العراق، أمريكا ليست ضد التقسيم لأنها هي من تريده، وهي التي أوجدت داعش وغيرها من منظمات الإرهاب لتحقيق هدف التقسيم وأهداف أخرى، لكن مستجدات الميدان في العراق وسوريا، هي التي أربكت المشروع الامريكي وأفشلته، وكانت التقديرات الامريكية أن داعش وأخواتها ستُسقِط النظام في سوريا خلال أشهر معدودة، فاصطدم هذا الحلم بواقع جديد، وكان المقدّر في الحسابات الامريكية أن تبقى داعش في العراق مدة أطول حتى ترتّب أمريكا أوراقها، فشل هذا الهدف ايضا بفضل انبثاق الحشد من رحم الشعب العراقي الذي أسند الجيش العراقي وباقي صنوف القوات المسلحة المقاتلة والداعمة.

ارتبك المشروع الأمريكي الصهيوني في العراق وسوريا بهزيمة داعش، لأن أمريكا كانت قد أعلنت أن داعش ستبقى في العراق مدة أطول وكذلك في سوريا لكن هذا الحلم باء بالفشل الذريع، ودعاة الانفصال من الكرد يعرفون  جيدا الغرض من مشروع داعش، وكلنا نتذكر موقف أمريكا في بداية دخول داعش الى العراق عندما تحركت فصائل منهم باتجاه أربيل، إذ تدخلت أمريكا بقوة ومنعت هذا التوجه وغيّرت مسار الارهابيين نحو مدن العراق الأخرى، فدعوة أمريكا الى وحدة العراق الآن إما أن تكون غير حقيقية، وأما أنها تنتظر فرص أخرى تخطط لخلقها كي يعلن مسعود البرزاني مشروع الانفصال، لأن الواقع يقول أن أمريكا لن تختلف مع إسرائيل في الأهداف، بل هي في خدمة الأهداف الاسرائيلية.

ربما الحسابات الامريكية لانفصال كردستان مؤجلة، بسبب الواقع الجديد الذي لم يكن في الحسبان، وهذه الظروف الجديدة ليست في صالح أعلان الانفصال في الوقت الحاضر على الأقل،  إذن أمريكا ليست ضد انفصال كردستان بل ربما ترى أن الوقت غير مناسب الآن، بسبب انهيار داعش بسرعة في العراق وتحرير حلب ودير الزور ومناطق أخرى مهمة في سوريا، مما عرقل مشروع التقسيم في سوريا والعراق، لكن إسرائيل متحمسة للتقسيم أكثر من أمريكا لأنها خائفة من وحدة العراق، كما هي خائفة من وحدة سوريا، وهي متحمسة لوجود عناصر كردية تتناغم مع رغبة إسرائيل في التقسيم، ويتزعم هذه العناصر الكردية مسعود البرزاني الذي يرتبط مع اسرائيل في علاقات حسنة، وقد صرح بذلك مسؤولون كرد وإسرائيليون، لقد ذكرت أحدى الصحف الاسرائيلية أن نتنياهو صرّح: أنه علينا أن ندعم التطلعات الكردية من أجل (الاستقلال) وأشار إلى أن الاكراد (شعب مناضل أثبت التزامه السياسي واعتداله السياسي ويستحق الاستقلال).

والمعتدل عند نتنياهو هو من يقيم علاقة مع اسرائيل، وعلاقات مسعود البرزاني رغم أنها سرّية، لكنها باتت مكشوفة في كثير من المواقف، وترتبط كردستان العراق بقيادة مسعود البرزاني بعلاقات مع إسرائيل تعوّل عليها الأخيرة كثيرا لقرب كردستان من إيران، العدو رقم واحد لإسرائيل حسب تصريح المسؤولين الاسرائليين، وموقع كردستان بجوار إيران هو الذي يدفع إسرائيل أكثر لإعلان تأييدها لانفصال الاكراد عن العراق، فهي تخطط أن تكون كردستان قاعدة متقدمة مدعومة من أمريكا وإسرائل بوجه إيران، ومن أهداف إسرائيل أن تكون كردستان ممرا للإرهاب إلى داخل إيران، وقد اعلنت إيران القبض على بعض الارهابيين الذين دخلوا عن طريق كردستان، وأعلنت ذلك في أكثر من مرّة.

ولا ننسى أن كردستان العراق بزعامة مسعود البرزاني ترتبط بعلاقات اقتصادية مع إسرائيل، إذ قامت حكومة كردستان ببيع نفط كركوك المسروق الى إسرائيل عن طريق تركيا كذلك كانت داعش تصدر النفط المسروق من العراق وسوريا الى اسرائيل، والكل شاهد وسمع عن رتل ناقلات النفط الخام من سوريا والمتجهة نحو تركيا ومن ثم الى اسرائيل التي قصفتها الطائرات الروسية داخل سوريا، وكذلك القوة الجوية العراقية التي قصفت رتلا آخر داخل العراق كان ينوي الاتجاه نحو تركيا ومن ثمّ الى اسرائيل.

المعتدل السياسي عند نتنياهو، هو من يقيم العلاقات مع اسرائيل، وقد وصف نتنياهو بعض البلدان العربية بالاعتدال لأنها أقامت علاقات مع إسرائيل، وإن لم تخرج هذه العلاقات إلى العلن، ويقصد السعودية ومحورها من الحكومات العربية الوراثية، أما من يعلن وقوفه الى جانب الشعب الفلسطيني، ويدعو لعودته الى وطنه فلسطين، ويدعم المقاومة لتحقيق حقوق الشعب الفلسطيني فهو ارهابي عند اسرائيل، وهذا هو مفهوم الارهاب والاعتدال عند أمريكا واسرائيل، ووفق هذا المفهوم عدّ نتنياهو السعودية وحليفاتها العربيات التي تقيم علاقات مع إسرائيل علنية أو سرّية من الدول المعتدلة.  

أمريكا اليوم في مأزق بعد فشل مشروع داعش في العراق وسوريا، إذ كان المعوّل أن تحقق داعش عدة أهداف، منها تقسيم سوريا الى دويلات صغيرة تجلب الامان الى إسرائيل، وتكون حاجزا بين ايران وحزب الله في لبنان، وكذلك في العراق يكون ثلاث دويلات كردية وسنية وشيعية، ولابد أن تكون متناحرة ومتقاتلة، وبذلك تكون اسرائيل في أمان بعد إنشاء هذه الدويلات، وتكون ايران كذلك في عزلة ويصبح من الصعب أن تتصل بحزب الله في لبنان، وهذا ما تتمناه أمريكا وإسرائيل.

داعش بالنسبة لدعاة الانفصال من الكرد فتحت لهم الباب لتحقيق طموحاتهم، إذ مكنتهم من الاستيلاء على المناطق المتنازع عليها في بعض المحافظات العراقية بل هناك روايات تؤكد أن بعض الشخصيات الكردية الداعية للانفصال قد سهّلت لداعش وتعاونت معها، إذ ذكرت مجلة نيوز ويك الامريكية أن مسرور البرزاني رئيس مجلس الامن في اقليم كردستان، وهو ابن مسعود البرزاني قد تعاون مع داعش وسواء كان الخبر صحيحا أم لا، فنحن اليوم لا تفصلنا عن موعد استفتاء مسعود البرزاني (25 /9/2017) سوى أياما قليلة، ويوم (13 ايلول) يُتوقع وصول وفد امريكي مبعوث من الرئيس ترامب الى مسعود البرزاني للتباحث بشأن الاستفتاء، وبغداد رفضت الاستفتاء على لسان رئيس الوزراء حيدر العبادي، ودعت مسعود البرزاني لإرسال وفد للتفاوض، ومجلس النواب أصدر قرارا بعدم شرعية الاستفتاء، فماذا نتوقع أن يكون؟؟!!

أتوقع تأجيل الاستفتاء.. تحت عنوان أو حجة معينة، وقد يكون بقرار من برلمان الاقليم سيما وأن الكتل الكردية المقاطعة قد عادت للبرلمان، وإن أصرّ البرزاني على الاستفتاء فهذا يعني أن أمريكا أعطته الضوء الأخضر في الخفاء، أما إسرائيل فقد أيدته في العلن على لسان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. ولكن ماذا ستكون النتائج لو أُجري الاستفتاء؟

أتوقع المزيد من التعقيد وسفك الدماء لا سامح الله تعالى، وأتوقع أن تكون النتيجة موت حلم البرزاني في الانفصال عن العراق المتوافق مع الحلم الاسرائيلي وإلى الأبد ولو بعد حين، وربما يقود ذلك الى تغيير في منظومة النظام السياسي من خلال تغيير الدستور، مع الغاء فكرة الاقاليم، أخيرا ندعو الله تعالى أن تسير الأمور لصالح الشعب العراقي بكافة مكوناته القومية والدينية، وأن يبقى العراق حرّا موّحدا بشعبه المتنوع بوجه أعداء العراق الذين يريدون تمزيقه.

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 13-09-2017     عدد القراء :  552       عدد التعليقات : 0