ثقافة قبول الاخر

أن مصطلح ثقافة قبول الاخر ظهر عام 1997 بعد صدور مسرحية الكاتب الكبير ادوارد البي عن قصة حديقة الحيوان، وقد جاء على لسان احد شخوصها "ان الجحيم هو الاخر" .

الاختلاف وجد مع تواجد الخلق وان الاختلاف حقيقة كونية لايمكن نكرانها او المجادلة فيها، وان الاختلاف  مصدر للتنوع الحياتي الذي جعلها تبدو كلوحة رائعة الجمال والالوان والاشكال.

الانسان بطبيعة تكوينه يسعى الى التمييز عن الاخر وان يعيش في عالمه الافتراضي ، وفي نفس الوقت هو كائن اجتماعي من حيث بنائه الفسيولوجي يسعى الى تكوين علاقات اجتماعية مع الاخر .

وهذا الاختلاف جعل التنوع كأنه لوحة فنية تمازجت فيها الألوان والرسومات وتناسقت فأخرجت لوحة بديعة فريدة. وان الانسان نفسه  خاضع لقانون الاختلاف فتختلف افكاره وتختلف قناعاته ورغباته خلال رحلة حياته، فاذا كان الانسان كوحدة صغيرة مكونة للمجتمع البشري يمتلك الكثير من الاختلاف والتناقضات في داخله، فلماذا لايقبل الاختلاف مع الاخر ؟ ولكي نتقبل الاخر ونفهمه لابد من تعريف ودراسة الاخر ومن هو الاخر ؟.

الأخر هو كل من يكون خارج دائرة الأنا وال نحن وممكن ان يكون الاخ، الاخت، الصديق، الجار ،زميل العمل، الزوجة ، شريكي في الوطن او خارجه . في مجتمعاتنا الشرقية تقبل الاخر قد يكون مفهوما جديدا وغير مالوف وذلك لانطلاقنا من مفهوم هو ان نقبل الاخر كما نحن نريد وليس قبول الاخر كما هو، وقد نجعل الاخر عدوا بمجرد ان يختلف معنا بالرائ ، او بمجرد ان مصالح الاخر قد تضاربت مع مصالحنا. ويتم البناء على هذه المواقف والتي قد لاتتغير بتغير المكان او الزمان. وان الاختلاف في الراي يتحول الى خلاف في القلب ايضا .ويعود السبب الرئيسي الى التمسك ببعض العادات والتقاليد القاتلة لقبول الاخر . يجب أن يسود الاحترام والفرح والقبول للاخر كما هو وليس كما نحن نريد من غير اي تمييز فكري ، ديني، طائفي أو عرقي. وأن تعددية الآراء والأفكار والنظريات لاتمنع من العمل سويا للوصول إلى كل ما يسعد الإنسان على هذا الكوكب. والكثير من الامم والشعوب اكتسبت قوتها من اختلافها وتنوعها وخير مثال على ذلك الولايات المتحدة الامريكية.

اننا بحاجة الى قبول الاخر وتحويل الاخر الى اللاآخر عبر ايماننا بان الذي يجمعنا يتجاوز ما هو ظاهري وشكلي. وبالتاكيد ان قبول الاخر سيقودنا الى التغيير، ولا نقصد تغيير الاخر بل تغييرنا نحن كي يمكننا من قبول الاخر.وعلى المستوى الشخصي ترسيخ مفاهيم كالموضوعية على حساب الذاتية ونشر ثقافة التنوع والاختلاف على حساب ثقافة التجانس والتشابه والتحول من ثقافة القهر الى ثقافة المشاركة ومن السلبية الى الايجابية والاهم من كل ذلك التحول من وهم التطابق إلى وعي الاختلاف.

ومن العوامل الأخرى التي تساعد على قبول الاخر ، المحبة واحترام الاخر وتشجيعه والانصات اليه وسماعه واعطاؤه فرصة للتعبير عن رأيه. وان فن الانصات والحوار من اهم عوامل قبول الاخر والتضحية من اجل الاخر. ويجب عدم الايمان باننا دائما مستقيمون واعداءنا دائما اشرار .

وهل لوجود الاخر فوائد ؟ بالتاكيد الأخر فرصة لتكوين فضائل : فكيف يتعلم الأنسان الأحتمال والعقاب والصفح دون وجود أخر يخطئ إليٌ فأمارس انسانيتي معه. وهكذا نقتني الفضائل من خلال تعاملنا مع الأخرين . ومن كلمات ايليا ابو ماضي ": أنا لولا أنتَ ما كنت أكتب! إذ أنني من أجلك اكتب ، حيث يختلط فكرى بفكرك، ويصير لنا فكر واحد، وليس آخر. فأنت هدفي، وأنا وسيلتك. وأنت أذني، وأنا فمك،وكلانا واحد". وحقًا ماذا تكون جدوى كلماتي من غيرك؟! إنها لا شيء!  فالانسان  وحدة صغيرة في هذا المجتمع والعالم فان لم تخطا معي كيف اتعلم التسامح والغفران وان كتبت فمن يقرا ماكتبت سوى الاخر. والراعي ماجدوى عمله ان لم تكن هناك رعية والامثلة كثيرة . ولابد ان نذكر بان قبول الاخر يجب ان يكون عن قناعة ومبني على المساواة لا الشفقة والتفضل عِبْرَ الإقرار بأن الجوهر الواحد الذي يجمعنا يتجاوز المظاهر أو الأسماء التي تفرقنا.

وللوصول الى ثقافة قبول الاخر يجب ان نبدأ مع الصغار ،  اذ  قد عوّدنا مجتمعنا وطلبتنا على ثقافة التلقين وليس ثقافة الحوار وتعليم الطفل الحفظ وليس التنوع في الاجابات معتمدا على القدرة على ايجاد الحلول المناسبة.

يجب الاهتمام بسلسلة من الأمور والنقاط التي تساعد في قبول الآخر ومنها تغيير وتعديل مناهج التعليم لزرع ثقافة قبول الاخر، توجيه وسائل الاعلام المختلفة كي تؤكد على ثقافة قبول الاخر ونبذها لكل الثقافات التي تشجع على التعصب والتطرف، التركيز على ان يكون الخطاب الديني خطاباً معتدلاً ويدعم ثقافة التسامح وقبول الاخر، خلق مجتمع مدني ديمقراطي اضافة الى تحقيق الاكتفاء الذاتي بالنسبة للحاجات البشرية المعنوية والمادية بناءً على هرم ابراهام.

ان ثقافة اللون الواحد وثقافة الغاء الاخر وتهميشه وسيادة المفاهيم الاقصائية سوف لن تؤدي الا الى المزيد من التفكك المجتمعي والعنف وسيادة العنف بدل اللاعنف وتزايد الحقد والكراهية والتعصب بين ابناء المجتمع الواحد، قد نتجاوز بذلك الى الشكل الاخر للقبول عند الاختلاف بين ايمان وايمان والذي لايشير الى صحيح واكثر صحة او افضل او اعلى وادنى بل قد لايتجاوز مسالة الاقتناع بهذا الدين الذي توارثناه من اجدادنا ويجب الادراك بان ما استطيع بلوغه عبر عقيدتي يستطيع الاخر ايضا بلوغه عبر عقيدته لان الاديان من ناحيتها الوظيفية تكاد تكون واحدة الى درجة التطابق.

حكمة سليمان الحكيم "رابح النفوس حكيم"

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 20-09-2017     عدد القراء :  504       عدد التعليقات : 0