ذكرى (دكة عاكف) المؤتمر التأسيسي المئوي الأول في الحلة

أقام مجموعة من مثقفي محافظة بابل في مركز المحافظة – الحلة الفحياء – مؤتمرا عن ما يعرف شعبيا (دكة عاكف)، وعاكف قائد عثماني سفك دماء ثلّة من أهالي الحلة الفيحاء ظلما ممن وقفوا بوجه التسلط العثماني غير المشروع.

أشرف على إدارة المؤتمر مجموعة من مثقفي الحلة، أذكر منهم لا على سبيل الحصر: الدكتور عبد الرضا عوض، والسيد حسام الشلاه، والشاعر صلاح اللبان والاستاذ جبار الكواز، وغيرهم من الادباء والمثقفين، أقيم المؤتمر على قاعة كلية الفنون الجميلة يوم (23/9/2017)، ودُعي الى المؤتمرعدد من الادباء والمثقفين والباحثين وذوي الشأن ممن لهم علاقة بالحدث التأريخي الذي يرتبط بتأريخ الحلة الحديث، وكان مؤتمرا ناجحا بما عُرِض فيه من فقرات، إضافة للرمزية التي اعطاها المؤتمر، كونه أشّر على خطأ المقولة التي تدعي أن الخلافة العثمانية هي خلافة إسلامية واجبة الطاعة، كما أوجب البعض الدفاع عنها حتى بالدم.

ليس الغرض من مقالنا مناقشة الواقعة (دكة عاكف) تأريخيا، بل مناقشة شرعية الوجود العثماني، هل هو وجود مشروع كونه حكم باسم الإسلام، أم أن العثمانيين لا يختلفون عن أي محتل آخر يبرر احتلاله بسبب ما، وهم قد حكموا باسم الاسلام والخلافة الاسلامية زورا كما حكم قبلهم الامويون والعباسيون.

الاحتفالية أشّرت على أن الحكم العثماني الذي حكم باسم الدين، ليس حكما إسلاميا بل هو حكم قومي عنصري باسم الإسلام، رغم أن بعض رجال الدين وبعض الباحثين يؤيدون على أن الحكم العثماني هو حكم إسلامي واجب الطاعة، وأوجبوا في حينها على المسلمين الدفاع عن كرسي الخلافة والسلطنة العثمانية، ويؤيد هذه المقولة الكثير من فقهاء أهل السنة خاصة، لكن بعض فقهاء الشيعة أوجبوا الدفاع عن الخلافة العثمانية في مرحلة الغزو البريطاني للعراق فقط دفاعا عن الاسلام وهذا الموقف استغله العثمانيون، لأنه حتى لو لم تكن الفتاوى تهدف للدفاع عن العثمانيين بشكل مباشر لكنها آلت إالى خدمتهم بصورة غير مباشرة، وقد رحّب العثمانيون بموقف الشيعة هذا في هذه المرحلة لا غيرها، لدرجة أن بعض ((جنرالات الجيش التركي يأتون إلى معسكرات المجاهدين مؤدبين يقبّلون أيدي كبار العلماء ويشكرونهم))-  منتدى الوارث من العتبة الحسينية المقدسة (الربيعي).  

أما بالنسبة لموقف رجال الدين من أهل السنة، مثلا الشيخ محمد صالح المنجد السوري الأصل، والذي يعيش الآن في السعودية ويتحدث بالثقافة الوهابية، سُئِل سؤالا من خلال موقعه الالكتروني (الاسلام سؤال وجواب):

هل كان العثمانيون خلفاء كالعباسيين والامويين؟

طبيعة السؤال توحي أن السائل مقتنع مسبقا أن الخلفاء الأمويين والعباسيين هم خلفاء يمثلون حكم الإسلام، فهم خلفاء شرعيون تجب طاعتهم، وفقهاء الوهابية مع هذا الإتجاه بمن فيهم الشيخ المنجد، وللإجابة على السؤال طرح الشيخ المنجد جملة من أقوال الفقهاء ورجال الدين من أهل السنة، وكلها تؤكد على أن حكم العثمانيين  إسلامي كحكم الأمويين والعباسيين، وهو واجب الطاعة من قبل المسلمين في ذلك الوقت، وناقش المنجد فكرة وجوب أن يكون الحاكم الاسلامي قرشيا، وهذا ما يقول به بعض الفقهاء، لكن الشيخ المنجد يذهب مع من يقول من الفقهاء إلى جواز أن يكون الحاكم غير قرشي، وأغلب الفقهاء في عصرنا يذهبون هذا المذهب، وأجاز بعض الفقهاء السّنة حكم من يحكم باسم الاسلام حتى لو كان ظالما وفاجرا، قال المنجد: قال أحمد في رسالة عُبدوس بن مالك العطّار: ((من وليَ الخلافة، فأجمع عليه الناس ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة، وسمّي أمير المؤمنين، فدفْع الصدقات إليه جائز، بَرّا كان أو فاجرا)).

وهذه هي المأساة والخطأ الفادح تسمية الفاجر خليفة و(أميرا للمؤمنين)، هذه العقلية السلفية وهذا الفكر الجامد بحاجة الى مراجعة وجرأة في تفنيد هذه المقولات التي تنسب الى الإسلام، ومن خلال استعراض آراء الشيخ المنجد والشيوخ الذين ذكرهم يظهر أنهم يعدّون الحكم الأموي إسلاميا واجب الطاعة، وطبعا حكم يزيد بن معاوية معهم، وكذلك حكم بني العباس، وأرى أن الفقهاء والشيوخ الذين يقولون بجواز حكم الظالم والفاجر هم جزء من حاشية الحاكم الذين أطلق عليهم الدكتور علي الوردي (وعاظ السلاطين)، وما أكثرهم اليوم، وهؤلاء وعاظ السلطة هم من خلقوا القاعدة وداعش وأخواتهما، أخيرا يذهب الشيخ المنجد الى قوله: ((إن الولاية العثمانية كانت ولاية شرعية صحيحة، واجتمعت الأمة عليهم)).

إن المسلمين اليوم بحاجة لمراجعة فكرهم وعدم التمسك بأقوال السلف حرفيا، بل لكل عصر ظروفه، وكثير من الحكام العرب اليوم يحكمون باسم الاسلام وهم أبعد ما يكونون عن الإسلام الأصيل، ويحيط بهم طبقة من وعاظ السلاطين يفتون للحاكم الظالم حسب الطلب والحاجة، وقد يكون هذا الحاكم ليس ظالما فحسب بل فاجرا أيضا، واليوم نرى الكثير من وعاظ السلاطين الذين يكفّرون المسلم الآخر المختلف  حتى لو كان من مذهبهم، لكنهم يجيزون التعامل مع الصهاينة، بل يدافعون عنهم في مواقف معينة، والآن عرفنا رؤية بعض شيوخ ورجال الدين من أهل السنة إلى الحكم العثماني، لكن ما هو موقف رجال الدين الشيعة من العثمانيين؟

لم ينظر علماء الشيعة الى العثمانيين على أنهم خلفاء شرعيون، وقد يكون هؤلاء الحكام فاجرون وظالمون، لكن لم يعلنوا الثورة العامة عليهم كونهم مسلمين يحكمون باسم الاسلام، وعلماء الشيعة لم يكفّروا أي مسلم ينطق الشهادتين، العثمانيون حكموا باسم المسلمين السّنة رغم أنهم اضطهدوا قسما من السنة، وأضطهدوا وظلموا أكثر الشيعة بعنوان طائفي، وظلموا الشيعة باسم السّنة الأحناف، والسّنة الأحناف براء من جرائم العثمانيين الطائفية، وليس جميع المسلمين السنة الأحناف أو غيرهم مع العثمانيين في ظلمهم وتهورهم وطائفيتهم، لكن الظالمين من الحكام يستغلون الدين لتحقيق أغراضهم الشخصية بدعم  طبقة من وعاظ السلاطين.

عاشت الدولة العثمانية في صراع مع الدولة الصفوية في إيران، وحكمت الدولة الصفوية باسم الشيعة لكن ليس جميع الشيعة مع الدولة الصفوية بل طبقة من وعاظ السلاطين كما هو الحال موقف السّنة مع الدولة العثمانية، وقع الشيعة ضحية الصراع بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية المحسوبة على الشيعة، فزاد اضطهاد العثمانيين للشيعة كون الدولة الصفوية دولة شيعية، لكن لا يعدها علماء الشيعة دولة تحكم باسم الإسلام، بل ينظرون الى الحاكم الصفوي حاكما مسلما لا تجب طاعته  لأنه حاكم غير عادل، كما ينظرون الى الحاكم العثماني، والطائفة الشيعية وقعت ضحية هذا الصراع السياسي بين الصفويين والعثمانيين، وبسبب حالة الصراع السياسي قدمت الطائفة الشيعية الكثير من الضحايا، لا لشيء إلا لكونهم شيعة والدولة الصفوية دولة شيعية، كانت الدولة العثمانية تتصرف بنفس طائفي، وأشاعت الطائفية للانتقام من الشيعة نكاية بالدولة الصفوية في إيران، وأكبر جريمة قتل طائفية بحق الشيعة من دون أن يرتكبوا أي فعل ضد الدولة العثمانية، هي جرائم السلطان العثماني سليم الأول.

نقل الكاتب (محمد ظاهر الصفار ) عن جرائم السلطان سليم الأول في مقال له منشور في موقع (شبكة النبأ المعلوماتية): ((أعلن سليم الأول الحرب الطائفية على الشيعة في العراق بعد أن استصدر فتوى بكفرهم وجواز قتلهم – فتوى وعاظ السلاطين – فقتل منهم أكثر من أربعين ألفا سوى من أودعهم في غياهب السجون وسار على تلك السياسة من جاء بعده من الولاة العثمانيين وخاصة والي بغداد عمر باشا الذي سلبهم قوتهم وضايقهم في معيشتهم، كما كانت لهم يد في الهجوم البربري الوحشي للوهابيين على مدينة كربلاء عام (1882م) ... الذي جرى في عهدهم وإعطائهم الضوء الأخضر بقتل من فيها وهدم القبر الشريف وحرقه. ومن أبشع جرائم العثمانيين هي حادثة نجيب باشا في كربلاء (1842م) حينما انتفضت هذه المدينة على السياسة العثمانية... فاستباحها قتلا ونهبا وتدميرا حتى اصطبغت أرضها بالدماء.))

هذا جانب من جرائم العثمانيين ضد الشيعة والتي سبقت (دكة عاكف)، وقد شملت هذه الجرائم جميع مناطق العراق التي يتواجد فيها الشيعة، وجرائمهم ليس على شيعة العراق فحسب، بل شملت الشيعة في سوريا ومصر ولبنان، لأن حراكهم ضد الشيعة كان بدافع الطائفية، وهذه المشاعر الطائفية هي جذور أفكار المنظمات الارهابية اليوم، وكان للحركة الوهابية دور كبير في تأجيج الطائفية ونشر فكر التكفير في العالم الاسلامي، منذ عهد العثمانيين حتى يومنا هذا.

حدثت واقعة عاكف (دكة عاكف) في (16/11/1916م)، وبعض المؤرخين يعد هذا التاريخ الواقعة الثانية، إذ سبقتها الواقعة الأولى في (24/8/1916م)، في حين بدأ الاحتلال البريطاني للعراق بوصول القوات البريطانية الفاو في البصرة بتأريخ (3/10/1914م)، أي حدثت واقعة عاكف بعد الاحتلال البريطاني لأجزاء من أرض العراق بحوالي سنتين، والعثمانيون في هذه الفترة مصابون بالهلع والهستريا وهم بحاجة لأي جهد يخدم وجودهم، لذا نراهم قد تصرفوا ضد المعارضين في الحلة بجنون، لأنهم خائفون من انتهاء سلطتهم في العراق.

ورغم جرائم العثمانيين بحق الشيعة، نرى علماء الشيعة قد نهضوا بوجه الاحتلال البريطاني انتصارا للدين وليس للعثمانيين، لكن بصورة طبيعية تكون نتائج حراك الشيعة ضد الانكليز يصب في صالح الوجود العثماني.

أرى في الظروف التي أفتى فيها العلماء بالجهاد ضد الانكليز، كانت الفتوى تصب   من الناحية العملية في مصلحة العثمانيين، لكن الهدف من الفتوى في ذلك الوقت  مقاومة الغازي غير المسلم، أي حماية الدين وليس من أجل الدفاع عن العثمانيين وإن استفاد منها العثمانيون، وتقدير مثل هذه المصلحة يعود الى من أفتى بالجهاد لكن من الناحية الواقعية العملية لا يستحق العثمانيون أن يُدافع عنهم، لأنهم لا يمثلون الإسلام، بل أساءوا الى الإسلام من خلال طائفيتهم وتعنصرهم.

أخيرا بالنسبة الى المؤتمر، في تقديري أنه مؤتمر ناجح قد أدى دوره، فقد كشف الغطاء عن العثمانيين الذين يعدهم البعض خلفاء إسلاميين، وهم أبعد ما يكونون عن الاسلام الأصيل، بل كانوا حكاما جعلوا من الإسلام ستارا لحكمهم القومي العنصري الطائفي، فشكرا لكل من ساهم بالمؤتمر وساعد على إنجاحه.

  كتب بتأريخ :  الأحد 01-10-2017     عدد القراء :  1448       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 


 
حفلة زواج الشاب الوسيم غزوان بطرس إيشو السناطي والشابة الفاتنة وسن مارخال توما في تورنتو كندا
في الرابع عشر من تموز الجاري2018 من يوم السبت عقد قران العروسين غزوان بطرس إيشو السناطي ووسن مارخال توما ف...التفاصيل