مرثية لإحد عشاق الوطن الإسم : عدنان حسين عوني الميلاد : 1929 المهنة : محامي

لقد عرفت ( العم عوني ) أو هكذا كنا نسميه منذ سنوات ، وكان شخصية صعبة وسهلة ، ودوداً محباً وغاضباً حين اللزوم ، لا ينسى مناسبة وطنية وقد كان لمناسبة ١٤ تموز مكانة خاصة في قلبه . أذكرُه داخلاً إلى قاعات الإحتفال متوكئاً على عصاه من ناحية ومن الناحية الأخرى على إحدى إبنتيه . كان يُقدس النساء وطالما أحنى قامته حاملاً باقات الورد للمبدعات .

لم أجد شخصاً في الثمانين يحمل ذاكرته الوقادة ، كان يحمل فيها سجل الوطن ، كل وثباته وإنتفاضاته ، أفراحه وأحزانه ، أسماء وتواريخ كانت تبهر الجميع . كنت أجد نفسي مُحاوِرة  جادة وحادة إلا أني أمامه كنت أخسر أحياناً ولم يكن هذا يُغضبني بل كنت أضحك كطفل خسر مسابقة مع والده .

قال لي ذات مرة سأذهب إلى إحتفال الجالية بعيد المرأة وهذه ربما ستكون طلقة الجندي الأخيرة ، قلت له : من يحمل توازنك العقلي لا يموت أبداً ، فالموت هو موت العقل ، وقلت لم أر في حياتي إنساناً بعمرك متفرداً بآرائه ، صلباً في مواقفه ، نقياً في أحاديثه ، ففرح بعد سماعه لهذا الإطراء وشكرني لكني بادرته وقلت : أنت تعلم أنا لا أُجامل أبداً ، وكان بودي أن أُطريه أكثر لكن مصيبتي هو أني أضع مسافة بيني وبين من أحترمه وأعتز به .

إنه الجيل الجسر الذي لم يعد موجوداً في عراقنا ، الجيل الذي صنع القيم وصنع الثورات ولم يتعلم أن يتاجر بالسياسة أو بمصير الوطن ، كان يحمل الإرث القديم والجديد معاً ، يغضب للحق ولا يغضبه إلا الباطل . ذات مرة قال لي أبكاني ما كتبتِ ، هل هذه هي مهمتك ؟ ، قلت له : لست أنا سيدي بل هو الواقع المر ، وما أنا إلا حزمة ضوء ضئيلة . كان طفلاً وقت ما يشاء وشيخاً وقوراً أوقاتاً كثيرة . ولو تساءلنا لِمَ يُحب الناس شخصية مثل هذه ، ربما لأنه يحمل العراق في قلبه أينما ذهب ، يحمل معه إرثه الحضاري وجذوره النبيلة والتي لم نعد نجدها إلا عند أقل القليل ، كما أنه يحمل تألقاً حضارياً متفوقاً وراقياً في تعامله مع الشباب ومع النساء وهذا ما يفتقده المغترب العراقي حيث نجد أن الكثير منا من ينزل إلى الجذور حتى لا يعود بإستطاعته التنفس أو منا من يحلق عالياً بلا أجنحة فاقداً هويته وماهيته وحتى لا يعود يعرف من هو .

حينما نازعه الموت كان يردد آخر ما سمعه عن أخبار الوطن ، قال لإحدى إبنتية ( ضاع الوطن ) ، وحينما سمعت ذلك قلت في نفسي إنه آخر عُشاق الوطن ، أحبه حياً وميتاً ، عاش فيه ونقله معه أينما ذهب ، ولو خُيِر لإختار أن يُدفن فيه ، لكنه حفظ العراق بقلبه كجوهرة ساطعة تلتمع كإلتماع قطرات نهر دجلة أيام صفائه ، وكحلاوة تمر الزهدي ، وعبير عطر الياسمين في كل حديقة عراقية وكبريق نجوم السماء العراقية قبل أن يملأ الدخان الأسود سماء وأرض العراق .

  كتب بتأريخ :  الخميس 05-10-2017     عدد القراء :  704       عدد التعليقات : 0