العراق والأكراد: تأملات وشجون
بقلم : إبراهيم أحمد
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

بعد أن كان ثمة أمل أن تتولى الحلم الكردي قوى ديمقراطية تقدمية ووطنية من الشعب الكردي لتحققه بما يليق به من سلامة ورقي ونجاح، استولى عليه متزعمون عشائريون وإقطاعيون وأمراء حروب.

فجيعة حقا أن ترى حلما جميلا يمرغ في أوحال المطامع الشخصية والطغم التي تستولي عليه وتكرسه لرغباتها ونزعاتها للزعامة والثروة والنفوذ. كان حق الأكراد ولا يزال في دولة خاصة بهم على أرضهم أحد الآمال التي عاشها جيلنا وأجيال سابقة ولاحقة وضحّت من أجلها.

مئات المناضلين العرب قتلوا مع المناضلين الأكراد في السجون والمظاهرات والكفاح المسلح في الجبال وكان الحلم الكردي جزءا من قضيتهم، وأحد أسباب وجودنا في المنافي هو إيماننا بذلك الحلم المشروع.

لكن هذا الحلم نُكب كما نكبت الأحلام الكبرى الأخرى وأجهضت أو تعطلت لأسباب كثيرة. وعشنا معا عربا وأكرادا وتركمانا وأزيديين وآشوريين وكلدانيين الكوارث ذاتها وشربنا كأس الأحزان معا، ويجافي الحقيقة والعدل من يقول إنه وحده عانى من القتل والتشريد والإذلال والتدمير.

وبعد أن كان ثمة أمل أن تتولى هذا الحلم قوى ديمقراطية تقدمية ووطنية من الشعب الكردي لتحققه بما يليق به من سلامة ورقي ونجاح، استولى عليه متزعمون عشائريون وإقطاعيون وأغوات وأمراء حروب وراحوا يتلاعبون به حسب أمزجتهم ومصالحهم، مسببين المزيد من الصعاب والمعاناة للأكراد والكثير من الألم والإحراج لأصدقاء ومناصري الشعب الكردي في قضيته العادلة.

مصيبة معظم الحكام والمتزعمين في العراق وبلاد العرب والمسلمين أنهم لا يقرأون، وإذا قرأوا يتجاهلون التاريخ لكي لا يروا مصائرهم عبر أشباههم في الزمن الغابر، لذلك هم يفضلون أن يقرأ لهم كتبتهم ومستشاروهم ما يودون سماعه من إطراء وثناء، فيوهمون أنفسهم أن كل شيء على ما يرام، وأنهم على أحسن حال، وهم أفضل من في الدنيا.

والسيد مسعود البارزاني ليس استثناءً عن المتزعمين من العرب والأكراد الذين ظهروا في العقود الخمسة الأخيرة في العراق، وهو نسخة طبق الأصل من والده مصطفى البارزاني الذي لم يكن يقرأ ولا يكتب غير سجل حضوره الشخصي في الوضع العراقي باسم الأكراد.

مسعود البارزاني تجاهل دروس التاريخ وقرر الخروج من أزمته في انتهاء ولايته وبدء تململ الشعب الكردي ضد حكم العائلة وشبكة الفاسدين فيها وحولها، فلجأ إلى ما أعتقد أنه يضع أزمته في ثلاجة، لكنه وضعها في فرن متفجر حين زج نفسه والشعب الكردي معه في متاهة لا تفضي مخارجها إلا إلى مداخلها. فكان نموذجا آخر لمن يلعب بالقضية العامة من أجل قضيته الخاصة!

ذكرنا موقفه الأخير بتلك الأيام المشؤومة حين ركب فيها صدام حسين رأسه وغزا الكويت ورفض كل القرارات الدولية والرجاءات بالانسحاب منها، فكانت الكارثة وكانت النتيجة أنه بغزوته حرر الكويت من احتلاله السابق لها، فهو كان قبل غزوها العسكري يحتلها بصوره ونفوذ مخابراته وسفارته التي كانت تصول وتجول برضا الكويتيين كجزء من تضامنهم معه في الحرب الإيرانية العراقية، لكنه طرد نفسه بنفسه من الكويت حين صحا الكويتيون أخيرا على أصوات مجنزرات دباباته وطائراته ومرارة حقيقته وأخيرا هزيمته التي دفع العراقيون ثمنها الباهظ، فهل يضمن مسعود موقعه ومنصبه إذا انتهت مغامرته القومية إلى كارثة أيضا؟ ألا يمكن أن تنقلب نزعة عبادة الفرد السائدة حوله إلى الكفر به ونبذه والاتجاه إلى زعامات أخرى تتسم بالعقلانية والموضوعية وتغليب المصالح العليا للبلاد والشعب على كل مصلحة؟

الأكراد، وكل المراقبين في العالم، كانوا يعرفون أن نتيجة الاستفتاء ستكون لصالح استقلال كردستان، فهو حق طبيعي لكل الشعوب التي حرمت من كيانها الخاص، خاصة أن متزعمي الأكراد ربّوهم على كره الدولة العراقية ومناهضتها والتمرد عليها منذ قيامها عام 1921، فلم يكن لدى معظم الأكراد “شعور وطني عراقي عام” كما لدى معظم التركمان والمسيحيين مثلا، بل نزعة قومية انفصالية تصل حد الشوفينية، لذا لم تكن ثمة حاجة لبذل الجهد والمال والأخطر ردود الأفعال الخطيرة والمكلفة من أجل نتيجة معروفة سلفا.

وإذا كان البارزاني يحتاجها كورقة مكتوبة فهو قبلها كانت في يده أوراق كثيرة مكتوبة وغير مكتوبة، لماذا جازف بها من أجل هذه الورقة التي كانت قوتها وهي مجهولة أكبر من قوتها وقد صارت معلومة بنسبة كذا وكيت؟

ولا نظن بأن البارزاني لم يقرأ التاريخ. فهو ليس غبيا ويتمتع بذكاء يكفي لجعله متزعما للأكراد للسنوات الطويلة الماضية، كما لا يمكن تصور هذا الاستفتاء أنه جرى دون تنسيق وتخطيط مع دول وجهات في المنطقة والعالم، أو في الأقل عبر حوارات خفية ومعلنة معها، شارك فيها خبراء وأذكياء ومتمرسون لا يقلون دهاء عن وزير الخارجية الأميركي الأسبق، هنري كيسنجر، أو زبغنيو بريجنسكي.

لذا من الخطأ والإجحاف حصر التفكير بنتائج صناديق الاقتراع التي كما قيل إنها هي نفسها التي استعملت في الاقتراع على الدستور القائم بـ”نعم” في كردستان والذي صار اليوم ملعونا، ونفسها التي اقترع بها في الانتخابات التي أنتجت التحالف العنصري الكردي الطائفي الشيعي الذي حكم العراق لعقد ونصف العقد وأدى به إلى خرابه، الذي يقول البارزاني إنه أجبره على ترك العراق للعراقيين يتولون خرابه وحمل مصائبه، وكأنه لم يكن أحد المساهمين في ذلك، وإنه قرر اقتطاع كردستان والفرار بها إلى بقعة غير معلومة لا في التاريخ ولا في الجغرافيا. لذا سنحاول معرفة ماذا كشف الاستفتاء في واقع العراق وفي المنطقة وفي العالم، وأي مصائر تحمل هذه السحب السود المتجمعة في الأفق.

كاتب عراقي

إبراهيم أحمد

  كتب بتأريخ :  الثلاثاء 10-10-2017     عدد القراء :  704       عدد التعليقات : 0