ثقافة المكان في المجموعة القصصية ( المعفاة ) حامد فاضل

يتميز الاديب في  اسلوبية خاصة تنتمي الى ابداعه  , في تعاطي تقنيات السرديات النص   , هذه الخصوصية  , تجعله يتجاوز ثيمات  السرد التقليدي في فن القصة القصيرة في تقنياتها الحديثة  , فقد يعتمد على امكانيات واشكال متنوعة من الادوات التعبيرية والرمزية في باطن  حثيثات المتن  , عمودها الفقري , ثقافة المكان او  نصية المكان  , في ابرازها بكل مفاعيلها المتوقدة ,  في اطار جمالي مزدوج , في  ثنائية . السرد / الحكي , اختيار براعة   اللغة الشعرية , في اقتحام  المعطيات في اشباع جماليات السرد , بالبلاغة المتفجرة في الاعماق   ’ التي تتمدد في توسع   احداثيات النص,  في روية متداخلة  , بين الخاص والعام . او الذاتي  والموضوعي , في اطار الهم العراقي وهمومه الضاربة في الاعماق القهر والعسف  , في الصراع القائم بين قطبين متعارضين على طول الخط . السلطة الطاغية في مخالب وانياب ظالمة في تعسفها الارهابي , لقوى المناهضة والمناوئة والمعارضة لها , ان هذه السرديات تعطينا ,  الصورة الكاملة في عمق الصراع الضاري , بين الجلاد والضحية , بين السجان والسجين . نجد في  ثنايا النص العام  , خريطة متكاملة , لساحة الصراع وادواته القمعية  في السجن والنفي  , واختيار ساحة الصراع ,  بأن تدور احداثه في ساحة   ( السماوة وباديتها ) البلدة المنفية , لكنها تملك الروحية  , التي تشتعل بشرارات المناهضة والتحدي ,  بشكل صلب وجسور, ضد الحكومات المتعاقبة , انها تمثل في رمزيتها الدالة , تحدي الظلم والطغيان , الذي يغلف  ثوب العراق عامة , هذه هي ابداعيات جمالية السرد , اي ان هذا المكان النصي ( السماوة ) هي الوعاء الذي تصوغ فيه السلطة الطاغية , اجراءاتها التعسفية الظالمة , لمن يقف في وجهها . وفي تداعيات , ساحة لتصفية الحسابات ,  هذا المناخ السائد والجاثم , بأن يصوغ القاص حكاياته السردية في براعة مركبة ,  يصوغ االخيال ليحاكي تجاذبات الوقع , ويصوغ الواقع في تجاذبات الخيال , لكن  ضمن موضوعية الواقع الفعلي بكل تفاصيله  , في براعة الوصف والتصوير , المتكامل في تقنياته . ان الصراع الناشب وفي  اختيار ( السماوة وباديتها ) لتصفية واجهاض روحية  المعارضين , وهي في نفس الوقت  تعطي روحية لديمومة استمرار ومواصلة ,  التحدي والصراع , بما يعرف عنها ( السماوة ) عن روحها  الوثابة في التصلب النضالي المتواصل  , في مواقفها المشهودة لها . في احتضان  الذين يتعرضون الى الملاحقة والسجن والابعاد والنفي  . كعامل رادع لهم ,  هذه مديات الرؤية الفكرية لمضامين السرد , في  معانيها الرمزية الدالة  , في المجموعة القصصية ( المعفاة ) التي احتوت على تسعة قصص قصيرة , نأخذ منها بعض هذه  العينات في هذا الايجاز .

1- قصة ( النشيد )  : حدث ذات صباح قائظ , ان يستيقظوا فجأة اهالي البلدة , على هدير اصوات تشق عنان السماء , في هديرها الصاخب , بنشيدها الحماسي , الذي يشعل الصدوربلهب  روح التحدي والصمود , فقد تركوا  نومهم وتثائبهم  , فقد سرق النوم منهم ( بسملوا / بصقوا / حولقوا / تمطو / سعلوا ) وهبوا يتراكضون ويصطفون  بتجمعهم على جوانب الارصفة . فلم يكن هذا الداهم الغريب بحناجره المدوية ,  في الحماس الثوري , لم يكن إلا قافلة جديدة , من المرحلين من العاصمة , الى سجن المنفى , كأنهم في زفة عرس , في زخمهم البشري الكبير من ( الضباط / الجنود / أطباء / اساتذة جامعات / محامون / معلمون / وعمال وفلاحون ) حتى دار في خلد اهالي البلدة , بأن العاصمة  افرغت من البشر  , مما اثار هذا المناخ , استفزاز وحفيظة وقلق الشرطة , خوفا من التداعيات اخرى ,  قد تفلت من السيطرة  وهم يقودون  السجناء الى السجن الصحراوي , ومن اجل اخماد عنفوان النشيد , وتكميم الافواه , ألغت الشرطة التعداد الصباحي والمسائي لسجناء. هذا معنى يعطي اهمة لروح التحدي .

2 - قصة ( المكتبة )  : هي تمثل احد اوجه الصراع الفكري والسياسي, في مصادرة حرية الرأي والتعبير , بين سلطة الظلم والطغيان , واصحاب الرأي الحر , وتوارث ثقافتهم النضالية  . لذا فان سلطة الطاغية  تمارس اوحش الاساليب لنزع وتحطيم  ارادة الانسان المكافح  , الذي يفضح عورات المتسلطين على المكشوف , فأسهل اسلوب المجابهة , هي استخدام الارهاب والنفي والسجن , ضد  من تبدر منه  معارضة , او يناصر الافكار الثورية , لذا فأن العقوبة المرتقبة ,  هي النفي الى السجن الصحراوي , او النفي في نقل وظيفته  الى البلدة المنفية في الصحراء ,  كما  حدث للمدرس من المغضوب عليهم ,تم  نقله الى البلدة الصحراوية  , كأجراء عقابي له , ولكن  هذا الابعاد ,  يزيده همة ونشاط ثوري اكثر ضراوة , ولم يأبى لخطف واعتقال المواطنين , بحجة سؤال بسيط لم يستغرق  خمس دقائق , وهذه الخمس دقائق اشارة صريحة  الى ضياع مصيرالمعتقل  الى المجهول , واخيراً يقع ( المدرس )  في فخ الخمس دقائق من ذئاب السلطة الطاغية والظالمة , لكنه يسلم وصيته  ورسائله المحظورة , الى احد الطلبة المتأثرين بافكاره لينقلها الى المكتبة , وهي تدل على التراث النضالي يظل حياً بالتوارث والتواصل .

3- قصة ( النافذة ) : السجن الجاثم على صدر البلدة الصحراوية . لا تفصله عن العالم الخارجي , سوى نافذة السجن , المطلة على ساحة , يلعب فيها الاطفال كرة القدم , وتبنى علاقة صداقة وطيدة , بين السجناء واشبال كرة القدم , من خلال صيحات التشجيع والترحيب بين الطرفين  , حتى بات الاطفال يعرفون اسماء السجناء واحداً واحد ,ويسألون عن احوالهم ’ حتى الغائب منهم يسألون عنه , وكذلك السجناء يعرفون اسماء الاطفال واحداً واحد , ويسألون عن الغائب منهم , هذه الصداقة اثارت حفيظة وغضب الشرطة , مما حدى بهم الى تطويق الساحة , واعتقال الاطفال ,  وتعذيبهم بعصا الشرطي  دون رحمة , ولم يطلق سراحهم إلا بعد  أخذ تعهد من اباءهم , بعدم العودة واللعب في الساحة , مما اصابهم الالم والحزن من انقطاع العلاقة مع السجناء  , وتناهى الى سمعهم في احد الايام ,  بأن السجناء سيرحلون الى سجن ( نقرة السلمان ) , فيستعدوا اشبال كرة القدم , بكامل ملابسهم الرياضية , يقفون على جانب الطريق محبة ووداع , فقد تعانقت نظرات  العيون للعيون , وتهامست القلوب للقلوب , مما حدى بالسجناء ان  يلوحون بأيديهم محبة ووداع وتقدير للصداقة التي توثقت بينهم

4 - قصة ( المعفاة ) : قصة تحمل اشارات رمزية بليغة في دلالتها واشاراتها  الى منصات الواقع , رغم مناخها الفنتازي , لكنها  تكشف حول رؤية العقل الاعوج في التفكير والبصيرة , في التعامل مع  واقع الحال , في كيفية الخروج من عنق الزجاجة . او الخروج من الازمة والمأزق , في البحث عن خيارات براقة المنظر , لكن جوفها  يحمل سمم قاتل , يبدأ طريق التأزم من حالة بسيطة وصغيرة  ثم يأخذ في الانتشار في النمووالتوسع  والضخامة , حتى السيطرة على  عنق الواقع وفق  ارادتها ورغباتها  , , تقول لغة السرد , انه وجد ثوب افعى واحد  مسلوخ , واعتبر الناس هذه بادرة خير , وتكاثرت هذه الاثياب الافاعي بعد ذلك  , حتى انجذب اهالي البلدة اليها بكل سرور وارتياح , حتى اصبحت هذه الثياب علامة بارزة , تتصدر الواقع في البلدة , وبدأت تنشو علاقات وطيدة بين الافاعي واهل البلدة , وكانوا يقدمون الماء بالملح , حتى أصبح الملح النشاط الاول , ومصدر العيش والرزق للبلدة , واخذت الافاعي تفرخ افاعيها  اكثر لزيادة انتاجية الملح  , ولكن تبدلت العلاقة الحميدة الى عداء وتوجس , فأصبح سم الافاعي , اداة  للقتل , فكان الاخ يضع السم في طعام شقيقه لقتله  , حتى اصبحت الحالة لا تطاق ولا تتحمل , فأجتمع لاهالي البلدة , في مناقشة الخروج من هذه الازمة الخطيرة التي داهمتهم  , ووقع الاختيار على القنافذ لقتل الافاعي , طالما القنافذ يغطي جلدها اشواك كالسكاكين قادرة على فناءالافاعي  , ولكن السؤال والتساؤل , الذي اصاب حيرة  الاهالي ( هل ياترى ستكون القنافذ ارحم من الافاعي ؟ ) وهي الحالة تنطبق على الواقع العراقي , بين اختيار الدكتاتورية , في البديل الشافع , هو  المحتل !!

5 - قصة ( القرد ) : تعطي اهمية دالة على المدول في اشاراتها الرمزية , وهي من اهم من  شجون الواقع , وهي ارادة المالك الميسور , او ولي الامر , ان يشتري انسان ويحوله بكل بساطة متناهية في سهولتها , الى قرد , طالما يملك  الامكانية المالية للدفع , والشراء يتم برغبة الفرد ان يتحول الى قرد  ,  لعوزه المالي ان   يتحول الى قرد حقيقي , يكون تحت تصرف المالك الميسور , ان يتقمص بأبداع شخصية القرد , في التصرف والسلوك , في حركاته البهلوانية , حتى يحوز الاعجاب والتصفيق من ضيوف المالك الميسور , ان يدخل الفرح والسرور في قلب المالك القصر , وفي يوم عيد ميلاد مالك القصر , نزل الى حلبة السيرك التهريج ليقدم دوره الضاحك والمهرج  , لكنه وجد امامه قرد اخر , مرعب ضخم الجثة , كثيف الشعر الخشن , تيقن ان نهايته اقتربت , داهمه الخوف والفزع من هذا القرد الضخم , واصغى السمع اليه , فوجده يدمدم بتيمة الدعاء , عرف بأن القرد الضخم ,  من فصيلته الانسانية , فشحذه همته بالعزيمة بالهجوم عليه ونهش لحمه . وهذا واقع الحال من القرود السياسية , التي تكشف عن مخالبها وانيابها لتنهش بعضها البعض في السيرك التهريج السياسي   , في رضى وسرور مالك القصر

جمعة عبدالله

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 18-10-2017     عدد القراء :  712       عدد التعليقات : 0