الطيِّبُ والخبيث
بقلم : الشماس د. كوركيس مردو
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

" إجعلوا الشجرة جيِّدةً يأتِ ثمرها جيداً. واجعلوا الشجرة خبيثةً يأتِ ثمَرُها خبيثاً. فمِن الثمَر تُعرف الشجرة. يا أولاد الأفاعي، كيف لكم أن تقولوا كلاماً طيِّباً وأنتم خُبثاء؟ فمِن فيض القلب يتكلَّمُ اللسان. الإنسانُ الطيِّبُ مِن كَنزه الطيِّب يُخرجُ الطيِّب. والإنسانُ الخبيث مِن كَنزِه الخبيث يُخرجُ الخبيث. "( متَّى12: 33-35). إنَّ الربَّ يسوع أراد أن يُشعِرَ مُتَّهِميه بأنَّ اتهامهم له، بِمَنحِه الشفاءَ وطردِه الشياطين بسيِّدهم "بعل زبول" هو خاطيءٌ جداً بل هو محض افتراء، لأنَّ ما أفعله هو ثمرٌ جيدٌ تُعطيه شجرة جيدة التي تتمثَّل بي! أما أنتم فإنَّكم شجرة خبيثة لأنَّ أفعالكم شريرة ومؤامراتُكم ضِدِّي تفضح ما تحمِلونه من خُبثٍ ورياء! لماذا لا تجتهِدوا أن تتغيَّروا مِن شجرة رديئة الى شجرة جيدة لتكونَ ثماركم جيدة ما دامت الفرصة أمامكم مؤاتية؟ ألم يخلقكم الله شجرة طيبة واصطفاكم من بين أُمم كثيرة وأعطاكم أرضاً جيدة، وأعدَّ لكم كُلَّ ما يضمُن بقاءَكم شجرة طيبة؟ فلماذا انحرفتم وغَدوتم شجرة خبيثة؟ إنَّ كلام الربِّ هذا أيها الإخوة القرّاء لا يشمل الكتبة وفريسيي العهد القديم فقط، بل إنَّه يشملنا نحن أبناء العهد الجديد ايضاً، فلنعمل كُلَّ ما بوسعنا لنكون شجرة جيدة لتكون ثمارُنا طيبة، ولا نتعلَّل بضعف طبيعتِنا البشرية وبأنَّها مَيّالة نحو السقوط في الشَّر. ولكنَّ ربَّنا يسوع المسيح لم يتركنا لقمة سهلة لعدوِّ خلاصِنا، فقد فتح لنا باب الرجاء لنستغيث به دوماً أن يسند ضعفَنا البشري ويُقوّينا لنبقى شجرة جيدة "فمِن الثمر تُعرَف الشجرة".

يا أولاد الأفاعي : بهذه العبارة وصفَ الربُّ يسوع الذين اتّهموه بأنَّه يطرد الشياطين "ببعل زبول" سيدهم، وقال لهم: كيف لكم أن تقولوا كلاماً طيِّباً وأنتم خُبثاء؟ الإنسان الخبيث لا يُمكنه النطقَ إلا بالخُبث، لأنَّه يتقبَّل الأفكارالتي يغرزها الإبليس في قلبه فينطق بها لسانُه كما فعلت الحية الرقطاء قديماً باُمِّنا حوّاء! فأمثال هذا الإنسان كثيرون يكمن الفساد في داخلهم، وإن خرج من أفواههم كلام حسن فهو محض رياء. إنَّ الربَّ يسوع يُريد مِنا أن تكون قلوبنا نقية، فلنطلب منه على مثال داود النبي ونقول: قلباً نقياً أُخلُق فيَّ يا الله وروحاً مستقيما جَدِّد في داخلي.

إنَّ كُلَّ كلمةٍ باطلة يقولُها الناس يُحاسبونَ عليها يوم الدينونة: إنَّ هذا التحذير الذي قاله الربُّ يسوع يجعلنا أن نأخذه مأخذ الجِدِّ، فيتحَكُّم كُلٌّ مِنا بلسانه لِئلاَّ تخرج مِن فمِه كلمة باطلة تُحزنُ بها الآخر أو تُؤذيه أو تؤنِّبُه بخشونة في حالة التهوُّر والغضب، فعليك أن تضبط لسانَك عن كُلِّ كلمةٍ سمجة أو رديئة أو بذيئة، إن ضبطنا لساننا عن الخصام والنميمة حافظنا على حياتنا سليمة، ولنكن على عِلم أكيد، بأنَّ الإنسان بكلامِه يتبرَّر وبكلامِه يُحكم عليه. فلنبدأ أيها القراء الأحباء لجمَ ألسنتنا عن الزلَل في نطق أقوال سيِّئة ونُطلقها لتنطقَ بكلام تتوافر فيه المحبة والبراءة فننال النعمة القادرة على تغيير طبيعتنا لنعيش حياة الخيروالفضيلة!

نُريد أن نرى مِنكَ آية:هذا ما طلبه بعض الكتبة والفريسيين من يسوع، فكان جوابُه حاداً وعنيفا "جيلٌ فاسدٌ فاسقٌ يُطالب بآية، ولن يُعطى سوى آية النبيِّ يونان. فكما بقيّ يونانُ في بطن الحوت ثلاثةَ أيام وثلاثَليال، فكذلك يبقى ابن الإنسان في جَوف الأرض ثلاثة أيام وثلاثَ ليال. رجال نينوى يقومون يوم الدينونة مع هذا الجيل ويحكمون عليه، لأنَّهم تابوا بإنذار يونان، وهَهُنا أعظم مِن يونان. ملكة التَّيمن تقوم يوم الدينونة مع هذا الجيل وتحكُم عليه، لأنَّها جاءَت مِن أقاصي الأرض لتسمعَ حِكمةَ سليمان، وهَهُنا أعظم مِن سليمان.(12: 38 – 42) يُقابلها (لوقا11: 29 – 32).

كان طلب اولئك الكتبة والفريسيين مِن يسوع مشوباً بالمكر كعادتهم ولذلك وصفهم بالفاسدين الفاسقين، فقد شاهدوه قبل الآن يُجري أمامهم مُعجزات باهرة، ولم يؤمنوا باجتراحِها مِن قبلِه ولفرط حسدهم أشاعوا علناً أنَّه ببعل زبول يعملها، فرفض يسوع أن يُعطيَهم آية جديدة إلا أية النبي يونان. أيها الإخوة القرّاء، إنَّ فعلَ الآيات والمُعجزات هو عملٌ إلهي! الهدف مِنه إنقاذ الإنسان مِمّا يُعاني وليس عملاً تباهيّاً استعراضياً. فأعطاهم آية يونان النبي رمزاً لِما سيُلاقيه هو بالذات إذ على مِثال يونان الذي بقي في بطن الحوت كذلك سيبقى يسوع في جوف الأرض وفي اليوم الثالث يقوم، وهي الآية الأعجب من كُلِّ الآيات، لأنَّ قيامة المسيح من الموت هي انتصاره على الموت والخطيئة والشيطان وتأكيده لنا لا يقبل الشك بأننا سنقوم في اليوم الأخيرعلى مثاله وهذا هو كُنهُ ايماننا!

كُلَّما تأمَّلنا مليّاً بمحبة المسيح لنا وموتِه على الصليب مِن أجل افتدائنا مِن خطايانا ومُصالحتِنا مع الآب السماوي، يزيد ايمانُنا أكثر مِمّا تزيده المُعجزات، وأكبر مثال هو أنَّ رؤساء اليهود والجزء الأكبرمن الشعب المُوالي لهم، عاينوا مُعجزات الربِّ يسوع ولكنَّهم لم يؤمنوا، ولكنَّنا لا نُنكِر بأنَّ الشعب كُلَّه لم يؤمن بل آمن الكثيرُمنه بفضل المُعجزات. والمُعجزات كُلُّها لا تُقارن بمعجزة الفداء التي تُمثِّل موت المسيح وقيامته المجيدة. يقول بولس الرسول " فإذا أتحدنا بالمسيح صِرنا على مثاله في الموت، وسنكون على مثاله في القيامة ايضاً" (روما6: 5).

فكما كان يونانُ آية لأهل نينوى، فكذلك يكون ابن الإنسان آية لهذا الجيل: (لوقا11: 30) ليس بعيداً أنَّ خبر الحوت الذي ابتلع يونان ثمَّ قذفه الحوت على الشاطيء حيّاً قد نقله البحّارة الى أهل نينوى الذين لم يكونوا يعرفون الله، فأمنوا بإله يونان الذي أخرجه من بطن الحوت بعد ثلاثة أيام. فآية يونان كانت رمزا لآية المسيح العظمى هي خروجُه من القبر منتصرا على آخر عدوٍّ هو الموت (1قور15: 26) " فإنَّ المسيح قد قام من بين الأموات وهو بكر الذين ماتوا. عن يد انسان أتى الموت فعن يد انسان ايضاً تكون قيامة الأموات، وكما يموت جميع الناس في آدم فكذلك سيحيون جميعاً في المسيح "(1قور15: 20 – 22). إننا نستنتج من آية يونان بأن توبة أهل نينوى أنقذتهم هم ومدينتهم من الضربات الماحقة التي كانت ستلحق بهم في حالة عدم توبتهم. وإنَّ مثل تلك الضربات وُجِّهت لليهود في اورشليم والمدن الأخرى التي لم يؤمن أهلها بالمسيح وهو ما قام به القائد الروماني طيتس عام70م.

مِن هذين المثالَين اللذين ذكرهما المسيح الرب نستخلص: 1 – أنَّ أهالي نينوى سمعوا لنداء النبي يونان وآمنوا بإلهه خوفاً فتابوا ونجوا. 2 – ملكة التَّيمَن دفعها الشوق لسماع حكمة سليمان، فجاءَت تقصده من مكان بعيد لتعلن عن انبهارها بحكمته. ولكنَّ بني اسرائيل الشعب الذي اختاره الله وجعلهم خاصته، لم يحدوهم الشوق الى معرفة المسيح الذي كانوا ينتظرونه لأجيال طويلة وعند مجيئه إليهم وحلوله بينهم، لم تَلِن قلوبَهم القاسية ولم ترتعِد خوفاً مِن كُلِّ ما شاهدوه وسمعوه منه! مع أنَّ حكمة المسيح وأعماله العجائبية لا تُقارن بها حكمة سليمان وأعماله لمدى الفرق بينهما. وقد رأينا انصياع أهل نينوى لنداء نبيٍّ يهوديٍّ غريب فصدَّقوه وتابوا ونالوا رحمة الله وعفوه. أما الشعبُ اليهودي فقد رفضوا المسيح ربَّهم المتجسد لفدائهم رغم كُلِّ ما تحدَّثت عنه توراتُهم وتنبّا عنه أنبياؤهم.

الشماس د. كوركيس مردو

  كتب بتأريخ :  الأحد 22-10-2017     عدد القراء :  1608       عدد التعليقات : 0