الحوار والغرور والدستور

كل الذي حدث في إكتوبر الماضي في كركوك وضواحيها، لايعتبر نصراً لحيدر العبادي وحكومته، ولا يعتبر سبباً معقولاً لغروره وإنسياقه الخاطىء وراء وهم الإنتصار الذي لا دور له فيه، حيث يجزم الكثيرون إنه لم يكن مطلعاً على ما حيك بهذا الشأن، وأنه دار في نطاق تنفيذ مخطط تآمري محبوك بين دول الجوار بعلم ومباركة دول غربية كبيرة وبتواطؤ بعض المسؤولين العسكريين والسياسيين الكورد، وعقد إتفاق سري يقضى بإنسحاب جزء من قوات البيشمركه من خطوط التماس من دون قتال، مقابل إمتيازات مالية ومكاسب حزبية ضيقة.

ما حدث أدى الى تأجيل إجراء الإنتخابات البرلمانية والرئاسية في إقليم كوردستان، وهذا التأجيل أدى الى حل رئاسة الإقليم، بناءاً على طلب من السيد مسعود بارزاني، وبعد حل رئاسة الإقليم، حصلت حكومة الإقليم على صلاحيات واسعة من برلمان كوردستان، وهي (حكومة الإقليم) تريد الآن بشجاعة وجرأة ووضوح وهدوء فتح صفحة جديدة تفعل وتخطط فيها أكثر مما تخطب، وتعي المهمات الملقاة على عاتقها، لذلك تعمل بشكل حيوي على مد جسور الحوار في داخل المجتمع الكوردستاني ومع الحكومة الاتحادية ومنع تفاقم المشكلات، وتدهور الاوضاع الى ما هو اسوأ. وتريد تجرد الجميع من التصريحات غير المسؤولة والتخوينات الإستفزازية والتبريرات غير المسؤولة والإبتعاد عن تبادل الإتهامات المأججة للصراعات، لذلك أعلنت أنها ستخوض جولة من الحوارات مع كافة الأحزاب الكوردستانية لنزع فتيل الازمات الداخلية، وتوظيفها لخدمة متطلبات المرحلة والتوافق حول المسائل القومية والوطنية والقضايا الكبرى، قبل التوجه الى بغداد للحوار مع الحكومة الإتحادية والأحزاب السياسية هناك، لإعادة الثقة بين الجانبين، أولاً، ومواجهة منطق الكراهية والاحتراب برؤية سياسية تعيد بناء اللحمة الوطنية وتداوي الجروح النازفة، ثانياً.

بعد الدعوات المستمرة الى ضبط النفس والحوار الوطني لحل الخلافات بين أربيل وبغداد عن طريق الدستور, أعلنت حكومة إقليم كوردستان إحترامها لقرار المحكمة الاتحادية العليا بخصوص الإستقلال ورغبتها في فتح صفحة جديدة وإستمرار الحوار لمعالجة المشكلات والاحتكام إلى العقل والرجوع الى طاولة المفاوضات لحل الخلافات، وبعد الترحيب الأممي والدولي والإقليمي والمحلي بالمبادرة الحكيمة، وبدلاً من الجوء الى الحوار البناء الهادئ من أجل نزع فتيل التأزم والتوتر بين الطرفين، وبدلاً من ضبط النفس وفتح صفحة جديدة وإستمرار الحوار لمعالجة المشكلات والاحتكام إلى العقل والرجوع الى طاولة المفاوضات لحل الخلافات، نسمع في بغداد على مدار الساعة خطابات عدائية ممنهجة و تصعيدات خطيرة غير مسبوقة ومفردات وكلمات عنصرية وإستفزازية بحتة, وبيانات شديدة اللهجة تدعو الى مهاجمة إقليم كوردستان وإشعال المواجهات العسكرية واتخاذ الإجراءات الصارمة بحق الكورد. والأنكى من ذلك كله نرى السيد حيدر العبادي محاولاً كسب أصوات الناخبين لتولي الولاية الثانية، والحصول على تنازلات من شعب كوردستان من خلال إجراءات تعسفية إرتجالية تعتبر كعقوبة جماعية للكورد تناقض تبريراتها، وربما تدفع البعض لإتخاذ مواقف متطرفة معارضة حيالها، وعندها ربما لن يستطيع أحد السيطرة عليها ولجمها. ومتوعداً بإستخدام القوة والعنف، متجاهلاً ما تم تثبيته في الدستور العراقي فيما يخص الفدرالية، ومتهرباً من الضغوطات التي تمارس عليه من أطراف متعددة.

أما ما يقوله العبادي كل ثلاثاء بشأن الإجراءات المتخذة بذريعة الحفاظ على وحدة العراق، وبسط الأمن والقانون وتطبيق الدستور، تجد فيها القوى الشوفينية العنصرية والطائفية المذهبية، فرصة ذهبية لإطلاق حملة الكراهية ضد الكورد، وما يقوله بخصوص دفع رواتب موظفي الإقليم هو في حقيقته بالونات مفرقعة للاستهلاك السياسي, كلام بغير رصيد فعلي هدفه إثارة النعرات والأحقاد تحت لافتة الوعود والتعهد والضحك على المغفليين لأنه كلام فوق إمكانياته وقدراته الضعيفة، ووعود لا تختلف عن وعوده السابقة التي تعهد بها, والتي تبخرت سريعاً. وما يدور في وسائل الاعلام من مزايدات عميقة وخطيرة لا تؤدي الى أي نتيجة في التوصل لتفاهمات جدية حول نقاط الخلاف الأساسية بين الاقليم والحكومة الاتحادية، والإنتظار مضيعة للوقت، ومناسبة تزيد من حدة الازمات وفرصة ثمينة للمتعيشين على الفتن والخلافات والمشكلات، لاذكاء مشاعر الغضب والتنافر وتصعيد وتيرة الأزمات، والإبتعاد عن مبدأ الحوار وفق الدستور.

ببساطة متناهية لو ظل على حاله ووتيرته في إطلاق التصريحات ولم يتوقف, وخاصة وان موعد الانتخابات البرلمانية يقترب، سيفتح أبواب الجهنم على نفسه أولاً وعلى العراقيين عموماً،

  كتب بتأريخ :  الخميس 16-11-2017     عدد القراء :  632       عدد التعليقات : 0