سر الوحدة بين الله والأنسان

يمكن أن نتخيل الخالق والخليقة على شكل هرم ، يقف الله على رأس الهرم ويسيطر عليه ، ويليه الأنسان المخلوق على صورته ومثاله ، ثم الكون .

الله خلق الأنسان كاملاً وفي حالة النعمة . كمال الأنسان ليس كمالاً مطلقاً ككمال الله ، لكن الكمال المعطى للأنسان يكفي لأن يكون محترماً وقائداً للطبيعة التي خضعها له الله ، فكان على الأنسان أن يقتنع ويقدم الشكر لخالقه ، ويخضع له لكي تستمر العلاقة بينهما .

الخالق هو الذي يسيطر على الأنسان المخلوق . وهكذا الأنسان خلق لكي يسيطر على كل الأشياء المخلوقة على وجه الأرض ، لأن الله وهبها له لغرض أستخدامها لخدمته ، من الحيوانات والطيور والأسماك والأشجار والنباتات وكل المخلوقات . قال الله للأبوين بعد أن باركهم  ( أنمو وأكثروا وأمتلأوا الأرض وأخضعوها وتسلطوا على أسماك البحر وطيور السماء وكل حيوان يدب على الأرض ) " تك 28:1" . فكل ما في الكون للأنسان خلق ، فعليه أن يكون على صلة بالله الخالق ، فالخليقة تدخل في الأنسان الذي يرفعها الى الله ، أي يعيدها الى مصدرها ، يقدمها له كتقدمة مرضية ، وحسب المخطط :

الله – الأنسان – الكون – الأنسان – الله

الأنسان إذاً هو الكاهن المختار منقبل الله لكي يقدم له الطبيعة ، أي الأنسان هو كاهن الطبيعة ، وهو حلقة الوصل بين الكون والله . الطبيعة صامتة وعاجزة عن أن تعرف الخالق وتقدم له ذاتها وتشكره . فالأنسان الذي هو سيد الخليقة هو الذي  يصبح وسيطاً بينها وبين الله لأنه هو المخلوق الوحيد الذي يمتلك القدرة على أن يعرف الله ، ويعرف الكون الذي جعله الله خاضعاً له ، كما لديه موهبة التفكير والنطق . إذاً له واجب ودور ورسالة أعطيت له من قبل الله لكي يصبح الأنسان  وسيطاً بينه وبين والكون . فكل ما يأتي من السماء الى الكون يأتي عن طريق الأنسان ، وهكذا كل ما يصعد من الأرض الى السماء يصعد من خلال الأنسان ليصبح الكاهن الوحيد في العالم الذي كان قبل الخطيئة في حالة النعمة . أما ما بعد الخطيئة أنقطعت الصلة بين الله والأنسان الخاطىء . فخطيئة الأنسان لم تؤثر على الأنسان فحسب ، بل على الخليقة أيضاً ، لهذا تقول الآية عن الخليقة ( فقد خضعت للباطل )" روم 8 :20 " . رغم أن الطبيعة لم تخطىء الى الله لأنها مجردة من الأحساس والحرية ، لكن بسبب الأنسان الذي كان رأسها ، فالصلة التي قطعها الله مع الأنسان أمتد تأثيرها الى الطبيعة التي تعتبر جسماً للأنسان وهو رأسها . فأنفصلت بدورها عن الخالق ، لأن الأنسان لا يستطيع بعد الخطيئة بأن يقوم لها بدورالكاهن .

وهكذا الأنسان بسبب شهواته مال لأغراءات ثمرة الشجرة المحرمة فوضع الله خارج دائرة حسابته ، بل ضن بأنه سيتحول الى إله مقتدر يستغي عن الله الخالق ، فسقط وطرد من الجنة التي كانت ترمز الى العلاقة بينه وبين الله ، وهكذا أنقطع الأنسان والطبيعة عن المصدر الذي هو الله . بينما قبل الخطيئة كان الأنسان والطبيعة مع الله في حالة وفاق وتقارب وتآلف ، فكان آدم يتحدث الى الله كأبن وصديق . كما كان هناك توافق بين آدم وحواء ، أي بين الأنسان نفسه . فكان آدم يمدح بحواء ويفتخر بها قائلاً ( هذه المرأة هي عظم من عظامي ولحم من لحمي ) " تك 23:2 " وهكذا كان هناك توافق بين الأنسان والكون ، بمعنى أن آدم كان يعيش في ألفة مع كل الحيوانات والنباتات وسيطر عليها بالموّدة والمحبة وكانت تخضع له بحسب وصية الله ( وأملأوا الأرض وأخضعوها وتسلطوا على أسماك البحر وطيور السماء وكل حيوان يدب على الأرض ) " تك 28:1 " .

كما كان هناك وفاق بين الأنسان وجسده ( وكانا كلاهما عريانين ، الأنسان وأمرأته ، وهما لا يخجلان ) " تك 25:2" . فالخجل إذاً ناتج من أغتراب الأنسان من جسده بسبب الخطيئة التي دفعته الى حياة العزلة فأنعزل عن الله وهرب من وجهه كما تقول الآية ( فأختبأ الأنسان وإمرأته من وجه الرب الإله فيما بين أشجار الجنة ) " تك 8:3" كما ظهر عازل فاصل بين آدم وحواء وهي التي وصفها سابقاً بأنها عظم من عظامه ولحم من لحمه ، أما بعد الخطيئة قدم لله شكوى ضدها ، قائلاً ( المرأة التي جعلتها معي هي اعطتني من الشجرة فأكلت ) " تك 12:3"

هكذا ضعفت العلاقة والمحبة التي كانت تربط آدم بحواء ، وكذلك ثارت الطبيعة على الأنسان ، فبدا الصراع بينه وبين الحيوان والطبيعة ، فأتهم الحيوان أيضاً لكي يصبح عدواً للأنسان ( فقالت المرأة : الحية أغوتني فأكلت ) " تك 13:3" وهكذا أنعدمت الصلة وفقد التوافق والألفة بين الأنسان وجسده أيضاً ( فأنفتحت أعينهما فعرفا أنهما عريانان ) " تك 7:3" فسأل الله آدم ( فمن أعلمك أنك عريان ؟ هل أكلت من الشجرة التي أمرتك ألا تأكل منها ؟ ) " تك 11:3" إن أكل الثمرة هو خضوع الى الشهوة ، وهكذا يجعل الجسد يتسلط على الأنسان فيصبح مغترباً عن ذاته ، وهكذا حدث أنقلاب في النظام الأول

( الله – الأنسان – الكون ) .

سقوط آدم لم يكن بسبب محاولته ليصبح مثل الله ، بل إنه حاول أن يعتمد على نفسه وقوته وأمكانياته الذاتية للوصول الى مرتبة أعلى . أما الشجرة وثمارها ففي المفهوم المسيحي سيعطى الأنسان من ثمارها فعلاً في المستقبل ، فوجودها بين أشجارالجنة لم يكن لمجرد أختبار الأبوين ، بل أن الله وضعها لأنه سيأتي يوم يعطي من ثمارها للأنسان ، لكن آدم أراد أن يغتصب تلك الثمار أغتصاباً فقطع بعمله هذا الثقة والصلة والعلاقة بينه وبين الله . وهكذا حاول الأنسان بعد السقوط أن يتحدى الله ببنائه لبرج بابل ( وقالوا : تعالوا نبني لنا مدينة وبرجاً رأسه في السماء . ونقم لنا أسماً كي لا نتفرق على وجه الأرض كلها ) " تك 4:11" . كانت محاولة بشرية لأغتصاب الالوهة بالقوة ، ومن ثم النيل لصفات الآلوهة .

المسيح وحده حقق رغبة الأنسان في الآلوهة عندما تجسد ، فمن خلال التجسد تحققت رغبة الأنسان في الآلوهة ، ولكن بصيغة جديدة حين نزل ثمرة الحياة ، ثمرة معرفة الخير والشر ، التي ترمز الى الحكمة الألهية ( والكلمة صار بشراً فسكن بيننا ) " يو 14:1" أنه الثمرة الحقيقية التي كان الأنسان يسعى للحصول عليها فأعطيت له كنعمة مجانية من الله فعاد الأتصال ثانيةً بين الله والأنسان ، ففي المسيح تمت الوحدة الكاملة بين اللاهوت والناسوت بطريقة جوهرية غير قابلة للتفكك وأعادت الوحدة بين الله والبشر .

إنه سر الوحدة الحقيقية بين الله والأنسان

ولألاهنا المتجسد فينا المجد دائماً

بقلم / وردا أسحاق عيسى

وندزر - كندا

  كتب بتأريخ :  الجمعة 17-11-2017     عدد القراء :  616       عدد التعليقات : 0